الأمن الثقافي..

طارق ناصر الدين *

إذا جاز تعريف الأمن السياسي بأنه السياج الدستوري والممارسة السليمة له، والأمن الاقتصادي بآلة الإنتاج الوطني المستقلة أو غير المرتهنة على الأقل، والأمن الاجتماعي بوضع المناهج التربوية والقوانين الناظمة لسلسة القيم العليا التي تمثل ضمير الأمة، فأن الأمن الثقافي تعبير جديد عن واقع قديم كان يبحث عن علاج مستقل في عملية نشؤ الأمم وارتقائها.

وللوهلة الأولى يبدو غامضا ومفتعلا ولكن الإمعان في تحليل الواقع الثقافي العربي عامة واللبناني خاصة يقود إلى جملة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: إن العرب من أغنى الأمم تاريخاً ومن أفقرها وعيا لهذا التاريخ. كل الديانات التوحيدية في أرضها وهي تعاني التطرف والانشقاق والطائفية. كل الأعراق منصهرة في تكوين إنسانه، وهو يخوض أو يراد له أن يخوض حروباً عنصرية، ويتكاثر فيه الشعوبيون وتحتل الشعوبيات أعلى منابره.

الملاحظة الثانية: المثقفون العرب مهمشون بشكل فظ، باستثناء فئة وحيدة معروفة، هي المُشَكَلة لخدمة السلطات القمعية والأنظمة الفاسدة، وحتى هذه الفئة تستخدم لقمع الثقافة الحرة والدعاية المبتذلة لسلطة القمع دون أن يكون لها أي نصيب بالسلطة، إنهم موظفون مرتشون ومرتزقة لا يتعدى دورهم تدبيج المدائح وقبض المكافئات.

الملاحظة الثالثة: تعولمت الثقافة العربية قبل عصر العولمة بعشرات السنين وقبل عصر الكمبيوتر والانترنت فاستقلال الدول العربية منذ أكثر من خمسين عاماً كان استقلالا شكليا يجسده حكام تابعون من مصلحتهم إبقاء الجهل والتخلف والتعصب في مجتمعاتهم كضمان لبقاء عروشهم وتوريثها لأبنائهم. وفي ظل هذه الأنظمة تُشَكِل ثقافة المستعمر المنسحب شكلاً والباقي مضمونا، المجال الوحيد غير المقموع.. توازيه وتواكبه ثقافة دينية تكفيرية شديدة التخلف شجعها الحكام طويلاً لأنها تشكل سداً قوياً في وجه الثقافة القومية النهضوية.

الملاحظة الرابعة: كل الموارد العربية المادية وفي طليعتها الموارد البترولية الخيالية الأرقام لم تستعمل في معظمها لأي إنتاج ثقافي وتعليمي جاد ومثمر ولنأخذ مثلين واضحين: ازدياد الجامعات في الخليج يأتي تلبية لاحتياجات المسيطرين على النفط، ولا يراعي أي تطوير ثقافي وعلمي في مجتمع الخليج وازدياد الجامعات في لبنان يأتي قياساً على الطوائف والمذاهب لتعميق "الثقافة" التقسيمية على مستوى الدين والوطن والمجتمع. كذلك وسائل الإعلام في معظمها، يضاف إلى كل ذلك النقص التام في مجالات الأبحاث والمختبرات والدراسات لتعمد القوى المالية المسيطرة عدم إنشاء مؤسسات لإنتاجها..

الملاحظة الخامسة: تنشط المقاومة السياسية رغم المعوقات.. وتنشط أكثر، المقاومة المسلحة لتحرير الأراضي العربية المحتلة – فلسطين والعراق وجنوب لبنان، أما المقاومة الثقافية فلا تزال بطيئة ومترددة وخائفة وقليلة الجدوى.. ربما لافتقارها إلى مثقفين استشهاديين مستعدين لبيع الدنيا بالآخرة إذا أقتضى الأمر.

إن هذه الملاحظات الخمس تعرض واقعاً ثقافياً عربياً قائماً ومن خلاله تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق شرارات "المقاومة الثقافية". يستحيل في مجتمعنا انتصار غزوة عسكرية واقتصادية إذا لم تسبقها غزوة ثقافية ناجحة، وهذا ما حدث، فالأمية العربية تزداد ملايينها، والجامعات العربية أصبحت دوراً للعجزة. الشعر العربي مُدمَر والحداثة طبقتها الأخيرة تعتبر الشعر الوطني أو التحريضي أو المقاوم من المحرمات التي تفرض المقاطعة التامة نشراً ونقداً وطباعةً. فديوان العرب لم يعد شعر العرب بل شعر الأجانب الذين يستعمرون العرب.

الأمن الثقافي مستباح ومخترق حتى تفاصيله. و"العروبة" مرفوضة في الوسط الثقافي المسيطر حتى كرابطة انتماء.. والدفاع عن الأمة أو القومية هرطقة رجعية، ما دامت جيوش الراعي الأميركي "بوش" توفر الديمقراطية والتقدم من أفغانستان إلى العراق وفلسطين وسوريا ولبنان.

إن عجز المثقفين الوطنيين والقوميين عن مواجهة الاحتلال الثقافي المعادي لامتنا أصبح نوعاً من التواطؤ، أو الاستسلام، وكل ثقافة لا تقاوم كأنها لم تكن بالأصل.

لتحقيق الأمن الثقافي علينا أولاً بالفرز بين المثقفين العرب وبين المثقفين الأجانب الذين يغتصبون الهوية العربية لتنفيذ أدوارهم. كل من لا يشرفه الانتساب إلى أمته عليه أن يرحل إلى مثله الأعلى. لم يعد جائزاً ولا بشكل أن يحتل مسؤولية الصفحات الثقافية في الصحف والمرئيات أشخاص لا علاقة لهم بالعروبة إلا وظيفة تدمير ثقافتها لصالح من يمول هذا الإعلام الإعلان..

الحرية سلاحنا الأول والمثقف الذي لا يؤمن بالحرية هو تماماً "كالمؤمن" الذي لا يؤمن بالله.

الاحتلال عسكرياً أو ثقافياً أو اقتصادياً هو عدو الحرية الأول.

التخلف دينياً أو وطنياً أو عقلياً هو عدو الحرية الثاني.

والأمن الثقافي العربي محاصر بين هذين العدوين. وعلى المقاومة الثقافية أن تحمي صدرها وظهرها معاً.. فالمحتل يطلق على صدر الثقافة رصاصه وصواريخه.. والمتعصب المتخلف يغرز في صدر الثقافة خناجره المسحوقة.. والمثقف المقاوم يملك كلامه وإيمانه بالله والحرية والأمة!

* منذ خمسين سنة والمنابر الوطنية والقومية تشهد لهذا الشاعر الملتزم الذي غنى العروبة فأغناها وحمل هموم الوطن، فحول الكلام إلى سيوف تقارع الظلم والظلام فاكتسب بحق لقب شاعر الوطنية والعروبة والإيمان من آثاره الشعرية المطبوعة ثلاث دووين: العائد من كل الأشياء، قصائد مؤمنة وتابعوا موتنا، إضافة إلى مئات القصائد المنتشرة حيث تنتشر العروبة. يقاوم بالكلمة، ويقاتل بالشعر، ويحول المنبر إلى راجمة صواريخ، لا يهاب ظالما مهما علا لا يسكت عن باطل مهما قسا، إيمانه بالله إيمان الموحدين إيمانه بالأمة إيمان المتصوفين ايمانه بالوطن أولاً وأخيراً.

أسس وترأس وعمل في جمعيات ثقافية كثيرة من أبرزها (رابطة الأقلام العربية) في الستينات وأبناء العربية، في وقتنا الراهن شارك كشاعر وأديب ومفكر ومثقف في مئات المهرجانات والندوات اللبنانية والعريية وهو المستشار الثقافي للمؤتمر الشعبي اللبناني - المركز الوطني للدراسات.