كفى للمجاملات ومرحبا بكشف الحقائق وفك ألغاز وأسرار المبادرات والكلمات المغلفة تحت عناوين المقاومة والجهاد!

د. عبد الله شمس الحق

نحن لسنا من أصحاب الرمادية، عليه نحن نحيط كل من يتبع هذا الخط الرمادي بقوس رأس علامة الاستفهام(؟).. فمع كل السجل الحافل بالصمود والنصر المستمرين للمقاومة العراقية الجهادية بدلالات ثابتة وقطعية، نجد هناك استفحالاً غير مبرراً لصناع الآراء الرمادية خلال هذه الأيام.. وممن يتداخلون بين صرائر أقلام الجهاد في المواقع الشريفة أو أولئك منْ منهم يتبارون في ندوات أو لقاءات ومؤتمرات نكرات.. وهؤلاء ينقسمون في رأينا إلى قسمين: (المثيرون) - أولئك المطبلين والمزمرين بمبادرات باسم المقاومة الجهادية البعثية والإسلامية الوطنية القومية.. ويدخل ضمن هذا القسم الأخير أولئك الآخرون الذين جعلوا من أنفسهم فلاسفة وليكونوا محللين سياسيين وفقهاء فكر وسياسة في عصر(الرويبضة)، الذين يتوجهون بكلمات بذيئة أو ناقدة للبعثيين بالدرجة الأساس، أو لغيرهم كذلك من القوميين المخلصين وهم (غصبا على خشوم أجدادهم) قادة ميدان الجهاد ضد الاحتلال..! والقسم الثاني: هم (المسكنون) - بضم الميم وبكسر النون- وهم أصحاب الآراء الموجهة إزاء القسم الأول.. - وكأنهم يودون تسكين (المثيرين) لشق وحدة صفوف الجهاد (بالكلاوات ورفع الشعارات الزائفة وبعض المبادرات).. فيلاشونهم بالقول- ((نحن مقتنعون بأن زيدا هو وطني ومخلص.. وفلان كاتب جيد ومقاوم للأحتلال..! ألا إننا كنا نتمنى هذا من زيد  وكان عليه أن يقول هذا بدل ذاك، وفلان كان عليه أن لا يذكر (البعث) بسوء وأن يستذكر مواقف (الرئيس) - حفظة الله ورعاه- في المحكمة.!! وهكذا مما شابه من قول ضعيف ومردود في ردود مجاملة رتيبة))!!

هنا وقبل كل شيء ينبغي القول - إننا لسنا فوقيين في النظر إلى الآخرين أيا كانوا من عباد الله، والحمد لله.. لكننا صريحون للغاية وعلى حد قول المثل العراق (كلمن طينة بخدّه).. حينما يتطلب الأمر منا صراحة الكلمة من أجل أن ندعم فوهات رصاص المجاهدين بفوهات الأقلام.. بدلالة تلك المقالات المتواضعة التي كتبناها على مدى زمن المقاومة الجهادية الشريفة ضد الاحتلال.. ونعتقد أن الكثيرون من القراء الأعزاء لا يضمروا شهادتهم بحقنا فيما نقول، لله في الله من أجل حقيقة الاستشهاد من أجل الحق وكما يأمر به البارئ الحق!!

وبعد، نحن نؤمن أن قواعد ومبادئ التصويب الصحيح في كتابة (كلمات الجهاد عبر فوهات الأقلام)، لا تختلف قيد أنملة عن قواعد ومبادئ التصويب للرصاصة عبر فوهات بنادق الجهاد.. (فرضة شعيرة في قلب الهدف المعتدي مع عدم الحراك مع وقفة في التنفس).. فمثلما المجاهد المقاتل في سوح القتال لا يتقن التصويب ببندقيته عندما يخل بأسس وقواعد التي تحكم التصويب الناجح ببندقيته.. كذلك هو حال المجاهد بالقلم حينما يخل بكل آداب وأصول وقواعد الكتابة لا يمكن له أن يتقن حقيق التصويب بكلمات الجهاد..! فهنا استشهد بفخر، بعبارة مألوفة لدى الجميع لقائدنا العزيز (صدام حسين) - فرج الله كرب أسره- وهو القائل ((للقلم والبندقية فوهة واحدة)) !! نعم فوهة واحدة.. لأن الرصاصة المجاهدة كالكلمة المجاهدة كلاهما يجب أن تنطلقا من فوهة واحدة لتصيبا ذات الهدف.. إذن عبارة (الرئيس) الحبيب، هي ليست بعبارة جمالية أو من أجل تجمل بالخطابات السياسية.. إنها عبارة لها من العمق والدلالات الجهادية والمعاني الإيمانية الحقة قل لها نظير..! فليس أي معنى للكلمة المجاهدة وفق قاموس الجهاد أن لم تكن في انطلاقتها متطابقة مع خط وفوهة الرصاصة المجاهدة، فكلتاهما يجب أن تكونا في مسار واحد نحو قلب الهدف!! فالرصاصة إن أصابت الهدف.. والكلمة تذهب لمداواة الجرح أو مداعبة جرح الهدف الذي أصابه المجاهد.. فلا بارك الله بصاحبها ولا خير فيه ولا بكلماته..! ففي الجهاد ليست هناك حالة رمادية فالأسود أسود والأبيض أبيض.!.

على هذا الأساس يمكن القول - لا لمبادرة (خير الدين حسيب) ولا للكاتب الفلاني أيا كان يستخدم لغة الخونة والأوغاد..! ولقد ولى زمن المجاملات، فالمقاومة العراقية المجاهدة لن تتخمها أي رقم معادي مضاف كي تعجز عن مواصلة الجهاد.. وهي ليست كآكل (التسعة والتسعين تفاحة.. ثم يقول لست قادراً على التهام المائة)..! فدعونا من هذه السياسة العرجاء العقيمة التي تقول - يجب أن نعمل على أن نكسب الآخرين في صفوفنا بدل أن يسقط في أحضان الأعداء..! فلا نعتقد هناك مبرر للتشدق بمثل هذه السياسة.. وحيث الزمن زمن تكشف الحقائق بما يكفي أن يجعل من البصير إن أراد الصيرورة على النور.. لذا يجب أن لا نضيع الوقت إن كنا حقاً شرفاء في الجهاد من أجل الوطن في أي نوع من مساومات وتعليس في الكلام..! فلنقل للغراب أنت أسود والسلام.

من هنا لا نخفي حقيقة مشاعرنا واحتراماتنا لصدق المجاهد (الدكتور نوري المرادي) على سبيل النموذج الصائب والحقيقي، وغيره الكثيرون من كتاب الجهاد، في إطلاق كلمات الجهاد من فوهات الأقلام وكأنهم يطلقونها كالرصاص من فوهات بنادق الجهاد..! (علماً أننا لم نصادف لقاءه أو لقاؤهم ومعرفتهم) إلا عبر تلك الكلمات الصادقة والمجاهدة الحقة التي ينفردون بها من دون تعاريج ولا مجاملات ولا حروف من غير نقاط.. فكل من يقف معنا فهو أبيض، وكل من وقف بشكل مائل نحو الصفوف المعادية فهو أسود من دون أي شك!! ولا يمكن لأحد منا أيا كان، أن يميل على هواه من بين جمعنا ولو بقدر شعرة واحدة عن جمع الجهاد، ويكفي أن يكون الله قد بين لنا صورة جمع وضرورة الجماعة والتوحد في صفوف الجهاد قبل (15) قرنا من الزمان.. في كتاب محفوظ هو كتاب الله.. وسنة هي سنة نبينا المختار..! فمن يريد أن يجامل (خير الدين حسيب) أو ككاتب مثل (ابن عبيد) أو يستشهد بأقاويل (عبد اللئيم خدام) ضد النظام السوري في سوريا الواقعة على حافة الغزو.. فليفتتح موقعاً آخر ليسميه (موقع المجاملات)!! وليكتب ما شاء ويشتهي من الملاحظات والآراء المنقوصة في مبادرات وآراء أمثال هؤلاء.. فالذي يميل مرة لمواقف المحتلين بقصد المجاملة أو لأولئك الخونة والكذابين.. سوف يزداد ميلا بكفتنا وهو بيننا، إذ سوف يربكنا جميعا لننزلق معه إلى هاوية المجاملات وتسويق آراء متلخبطة نحن في غنى عنها.. فيكون شئننا شأن ذاك الذي يمازح بأرجحة قارب في النهر من دون أن يمنعه أحد من ركاب القارب لخطورة ما يفعل.. فيزداد تأرجحا حتى قد ينتهي بقلب القارب ليسقط الجميع في النهر.. لذا علينا أن نمنع أنفسنا جميعا أيا كان منا أن نكون سببا في حشر الرصاصة المجاهدة في بندقية المجاهد وثم يصاب بالقلق في تحقيق التصويب الصحيح. لأن الكلمة المجاهدة الحقة هي بارود توهج الإيمان في صدره ليثبت تصويبا ويحقق أداءً نافعاً وقوياً مؤمناً في الضغط على الزناد..! فليكن شعارنا منذ اليوم - كفى للمجاملات ومرحبا بكشف الحقائق وفك ألغاز وأسرار المبادرات والكلمات المغلفة تحت عناوين المقاومة والجهاد.!

رد لا بد منه

شيء لا بد من ذكره، فكل مبادرة مهما بلغت من حبكة ودبكة.. ليست فيها المقاومة طرفاً.. مصيرها سلة المهملات..! والمبادر بمثل هذه المبادرات هو أشبه بمحل (نكاح المتعة) لكنه يتخذ من الشرع والشريعة زورا ليكون له كاللحاف للاستمتاع والتلذذ تحته بالعورات !! وباختصار شديد أن كل نقاط مبادرة ( خير الدين حسيب) هي تتطابق مع ( الرؤية الإستراتيجية) التي أوردها ( هنري كيسنجر) في مقاله الذي سنلحقه في نهاية هذا المقال ليطلع عليها القارئ.. وهو يكفينا لدحض كل صفات الوطنية فيه والسلام.. أما من يريد أن يعزف على وتر التقليل من شأن ( البعث والبعثيون) في ساحة المقاومة.. فننصحه بأن يختار أقرب (جدار) إليه، وليضرب رأسه فيه قبل أن يأتي يوم أن يقلع المقاومون البعثيون رأسه.! وإن أحدهم حاول أن يستغل كلامنا هذا بالسلب.. ليقول أنظروا كيف البعثيون يتوعدون وليبرهن زيفا أننا (مجرمون) !؟ فأكرر له ما ذكره الأستاذ (صلاح المختار) في لقاءه مع (الوطن العربي) يوم 30/12/05 - ((أما المدنيين المتعاونين معالاحتلال فان العالم كله يعدهم خونة، والعراق ليس استثناء من هذه القاعدة، فمن يتعاون مع الاحتلال يسبب القتل والإبادة للشعب العراقي ويسهل عمل الاحتلال. وأذكرك بان شارل ديغول أمر بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي بإعدام  الآلاف من الفرنسيين المدنيين المتعاونين مع النازي خلال 48 ساعة..... ونحن في العراق نرى ان من يقاتل الاحتلال الأمريكي للعراق جزء طبيعي من المقاومة العراقية، وهذه ليست بدعة عراقية فكل الشعوب التي احتلت شهدت تعاون أو تحالف كل مناهضي الاحتلال بغض النظر عن هويتهم الايديولوجية، ما دام العدو الأساسي هو الاحتلال)).

رد آخر

أما وبعد، هناك ومع الأسف نقول، منْ يدعون الانتماء إلى الجماعات الإسلامية المجاهدة في جهاد العراق.. أصبحوا يروجون هذه الأيام كثيرا.. في أنهم هم وليس سواهم إلا أبطال الساحة الجهادية وأسودها في العراق.. فنقول لهم - تبا لكم وثكلتكم أمهاتكم إن كنتم مسلمين أو حقا لكم في الجهاد دين.. وسنكتفي بردهم ببعض الكلمات:

هل منكم يبرهن لنا أن هناك شعب من شعوب الأرض حاربت مستعمريها ومحتليها ومغتصبي أوطانها وأراضيها من دون على الدين الاعتماد؟! بل حتى القبائل البدائية والمتوحشة حينما تريد إن تتنازع وتقاتل تذكر أربابها..!! نحرتكم ملائكة الأرض أيها الأوغاد.. فقط أنظروا اليوم إلى عدونا المحتل للعراق وعلوجه ألا (يرددون ويعززون نفوسهم) المعتدية الغازية لبلادنا بذكر (التراتيل في دينهم ويطلبون من الله النصر والنجاة) فهل فصلوا أنفسهم عن الدين وهم كفرة وغزاة.. فكيف لنا إذن نحن المسلمون ونحن المعتدى عليهم.. لا يردد أيا منا ( الله أكبر.. لا إله إلا الله محمد رسول الله.. وحي على الجهاد).. سواء كان مجاهدونا كما تصفونهم وتقللون من شأنهم ( علمانيون.. بعثيون... قوميون....الخ).. وهل كان الله حكرا لكم في الجهاد ؟! فبأس ما تفترون أيها المتلبسون بالإسلام.. وتباً لكم وتب.. أنسيتم أن المسلمون الذين انطلقوا من جزيرة العرب ليجاهدوا في سبيل نشر الرسالة الإسلامية لم ينسوا أنهم (عرب) وهم يحملون رسالة الإسلام لشعوب الأرض.. وسأكتفي بواحدة من كل الدلائل الثابتة - مثال- رسولي (سعد بن أبي وقاص) إلى (رستم العجم) حيث ردا بكبرياء عرب البادية والجزيرة على (رستم) في وسط خيمته المزينة بالديباج والحرير ونواعم الفراش (نحن العرب لم نألف الجلوس على الحرير الذي اعتدتموه لقد خلقنا الله نأبه الجلوس على الحرير والنواعم).. أنظروا أيها المتطاولون على العروبيون من المدعين بالإسلام.. إن رسولي (المجاهد سعد)، قالا نحن العرب ولم يقولا نحن المسلمين.. رغم أن رسالتهم كانت رسالة إسلامية (لرستم) حملوها من (سعد بن أبي وقاص) - رض-.. لأن الجلوس على الحرير يخص الجسد وليس الروح ولأن القتال كان من أجل طرد العجم.. والجسد الذي يقاتل كان جسدا عربيا ومازال.. فالمسلم الحقيقي لا يجد في العروبة أية إشكال.. ولغة دين محمد - ص - هي لغة العرب فلابد له أن يتفاخر بها في كل الأحوال.... فكفاكم دق الإسفين بين الإسلام والعروبة.. فإن كانت العروبة هي الجسد فروحها هو الإسلام.. وهذا ما قاله مؤسس البعث ( رحمه الله) قبل عقود وقبل أن يتعالى فيكم صرخة الوليد وهو ينسل من بطن إمه.. فلا يمكن فصل الجسد عن الروح إلا بالموت وعندنا الموت شهادة.. لذا هكذا هم المجاهدون في ساحة الجهاد في عراقنا اليوم، كلهم استرخصوا النفس من أجل نيل الشهادة.. والشهادة أسمى تعبير في دينهم، دين الإسلام.. والتاريخ يعيد نفسه ليقاتل المجاهدون من أجل عروبة العراق ضد الصفويين والعجم.. كما كان قد استبسل جند (سعد) في (القادسية الأولى) وجند (صدام) في قادسية صدام المجيدة، وهم أخير ما أنجبه تاريخنا العربي الإسلامي و الحديث من صفوة  المجاهدين الرجال!

انتهى المقال


هذه مقالة (هنري كيسنجر) فأرجو من كل قارئ متتبع قياس تطابقها في الأبعاد مع مبادرة (خير الدين حسيب) وليستدل من خلالها على مواقفه في مبادرته المشينة:

الخروج الأميركي غير المهين من العراق يحتاج لإطار سياسي

القوات العراقية مدد وليست بديلاً

بقلم: هنري كيسنجر

ترجمة: حاتم حسين (واشنطن بوست) عن صحيفة (البيان) الإماراتية بتأريخ 11/1/2005

يبدو أن الإدارة الأميركية ومنتقديها قد اتفقا على أن بداية الانسحاب الأميركي من العراق سيمثل نقطة تحول جذرية. ما يختلف عليه الطرفان هو سرعة ومدى الانسحاب وما إذا كان هذا الانسحاب يجب أن يرتبط بجدول زمني أو باستراتيجية تهدف إلى تحديد شكل وملامح الأحداث.

وعلى الرغم من أن الحديث عن القضية غالباً ما يأخذ طابعاً تقنياً، إلا أن الأمر لا يرتبط بآلية الانسحاب. فبدلاً من ذلك يجب أن يتركز النقاش على النتائج التي سيتمخض عنها الأمر؛ بعبارة أخرى يجب أن يتركز الحديث عما إذا كان الانسحاب في النهاية سيُنظر إليه باعتباره تراجعاً اضطرارياً أم سيُعتبر استراتيجية اُتخذت بعناية من أجل دعم الأمن العالمي.

ومهما كانت نظرة المرء لقرار شن الحرب أو الطريقة التي تم الدخول بها في هذا الصراع أو الاستراتيجية التي تم إتباعها - وأنا كنت من ضمن الذين أيدوا القرار الأصلي بشن الحرب- فعلى المرء أن يكون واضحا بشأن عواقب الفشل.

فإذا كنا في حالة الانسحاب لن نترك وراءنا سوى دولة فاشلة وفوضى، فإن العواقب ستكون وخيمة وكارثية على المنطقة برمتها وعلى مكانة أميركا في العالم.

إن ظاهرة الإسلام المتشدد ليست مجرد حوادث إرهابية فردية تقع في بالي وتمتد إلى جاكرتا وتونس ونيودلهي والرياض واسطنبول والدار البيضاء ومدريد ولندن، فالأمر أشد وطأة من ذلك ويتمثل في أيديولوجية يسعى من خلالها الجناح المتشدد من الإسلاميين إلى محو العلمانية والقيم التعددية والمؤسسات الغربية في أي مكان يعيش فيه المسلمون. إن ديناميكية هذا الفكر يغذيها الاعتقاد المتمثل في أن الضحايا آخذون في التناقص ويفتقدون إلى إرادة المقاومة.

وأي حدث يبدو أنه يؤكد تلك المعتقدات من شأنه أن يعضد من تلك الديناميكية الثورية. وإذا حدث وأن وصل نظام أصولي إلى الحكم في بغداد أو في أي من المدن الرئيسية الأخرى مثل الموصل أو البصرة، وإذا استطاع المتشددون الحصول على مساحة كبيرة من الأراضي يتدربون ويحتمون فيها أو إذا سادت الفوضى واندلعت الحرب الأهلية في أعقاب الانسحاب الأميركي، فإن المسلحين الإسلاميين سيكتسبون أرضا في أي منطقة توجد بها نسب كبيرة من الشعوب الإسلامية أو حكومات إسلامية غير أصولية.

ولن تكون هناك أي دولة يستطيع الإسلاميون الوصول إليها بمنأى عن العواقب الوخيمة التي سيتسبب فيها وجود هذا العدد الكبير من المراكز الفردية للتشدد.

إن الهزيمة ستنتقص من المصداقية الأميركية في مختلف أرجاء العالم وسيتقلص معها قدر الاحترام الذي تناله آراؤنا بشأن القضايا الإقليمية الأخرى مثل القضية الفلسطينية والمسألة الإيرانية، وسيضُعف مقدار الثقة التي تضعها الدول الكبرى مثل الصين وروسيا والدول الأوروبية واليابان في قدر المساهمة الأميركية المحتملة في حل تلك القضايا، وستختصر كذلك فترة الراحة التي تفصل بين العمليات العسكرية التي نقوم بها حتى قبل أن تنهال فوق رؤوسنا كوارث أكبر..

إن العواقب ذات الطابع العالمي، وليست العبارات الطنانة التي تقال على الساحة الداخلية، هي التي تحدد ما إذا كانت النتائج كارثية أم لا. لقد تقدم الرئيس بوش باستراتيجية تستحق الإشادة. وتعترف تلك الاستراتيجية بأن السياسة تعززها الخبرات والتجارب.

غير أن تزايد المطالب بتحديد جدول زمني يلغي قيمة الصبر الذي يقول التاريخ إنه مطلب أساسي للتغلب على حرب العصابات.فحتى الاستراتيجيات السليمة يمكن أن تفسد إذا ما نُفذت بشكل متسرع.

تجتمع آراء الإدارة الأميركية وآراء منتقديها على الطرح المتمثل في أنه في حال تلقي القوات العراقية تدريبات مناسبة فإنها يجب أن تحل محل القوات الأميركية.

ومن ثم فإن الجدل يدور حول ما هي الوحدات العراقية التي هي على قدر من الاستعداد يمكنها من أن تحل محل القوات الأميركية.غير أن الاستراتيجية التي تقوم على استبدال العراقيين بالقوات الأميركية ربما تتمخض عن تمديد حالة الجمود غير المرضية.

وفي حال افتراض أن التدريب يجري في الإطار الزمني المحدد له وبافتراض أنه يُفرز وحدات عراقية معادلة للقوات الأميركية التي يجري استبدالها - وهو الاقتراح الذي يحوم حوله شك كبير - فإنني بدوري أستطيع تحدي صحة الافتراض المتمثل في أن التخفيض في عدد القوات الأميركية ينبغي أن يتم بشكل متوافق مع معدل التدريب الذي تخوضه القوات العراقية.

إن تصميما يهدف إلى المحافظة بكل بساطة على الوضع الأمني الحالي يحمل بين طياته مخاطرة تؤكد المقولة التي تفيد بأن رجال العصابات منتصرون إن لم يكونوا منهزمين.

أما الأفضل في هذا الشأن فيتمثل في أن تضاف أول دفعة عراقية مدربة بشكل كامل إلى قوات التحالف ولا تحل محلها، وهو ما يجعل من الممكن مد القوات في اتجاه الحدود من أجل الحد من عمليات التسلل وكذلك من أجل زيادة فعالية عمليات الهجوم على البنية التحتية لقوات التمرد.

إن مثل تلك الاستراتيجية من شأنها تعويض النقص في القوات البرية، وهو النقص الذي يُبطئ العمليات المضادة لأنشطة رجال العصابات.

وعلى الرغم من أنها تبدو وكأنها ستتطلب وقتاً طويلا، إلا أن تلك الاستراتيجية ستقدم فرصا أفضل لإشاعة الاستقرار في البلاد ومن ثم فإنها ستُمهد إلى سبيل خروج يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر.

ولا يمكن قياس أداء الوحدات الجديدة من خلال معيار التدريب وحده؛ فالمعيار النهائي هو إلى أي مدى وصل دافع تلك الوحدات فيما يخص الأهداف المتفق عليها. فالهدف الذي يقاتلون من أجله هو الذي سيحدد مدى الكفاءة التي سيحاربون بها.

إن أمر وضع إستراتيجية مجدية للانسحاب من العراق يجب أن ينبثق من تكامل نظامي بين العناصر الأمنية والسياسية، وأهم عنصر في هذا الشأن هو تقوية الحكومة الوطنية. فالتقدم الحقيقي سيحدث عندما تُدرك القوات المسلحة العراقية - وكذلك يُدرك الشعب بأكمله - أنها تدافع عن مصلحة الوطن وليس عن مصالح إقليمية وطائفية.

إن تلك القوات ستمثل قوة وطنية عندما تتمكن من نقل المعركة إلى المناطق السنية ويكون لديها استعداد لنزع سلاح الميليشيات في المناطق الشيعية التي جاءت منها معظم عناصرها.

أما منح القادة العسكريين تفويضا يحددون بموجبه الجدول الزمني للانسحاب فهو أمر يمثل عبئاً كبيراً عليهم لا يطيقونه، فوجهات نظر هؤلاء حول الموقف الأمني تحتاج إلى أن تتكامل مع الأحكام الخاصة بالعواقب السياسية والكلية التي من شأن أي مبادرة كبرى أن تتمخض عنها.

مثل هذا التوازن في الآراء يفترض على نحو مسبق أن تتبنى الأطراف الموجودة داخل النقاش المحلي حول القضية ضبطا للنفس يفرضه علينا ذلك الوعي بخطورة العواقب التي سيتمخض عنها أي فشل يمكن أن يحدث.

إن الأثر النفسي للانسحاب والذي سينال أول ما ينال من النسيج السياسي العراقي سيكون خطيراً. فهل سيُنظر إلى التخفيض المبدئي، المقرر أن يبدأ في وقت ما بعد الانتخابات العراقية، باعتباره خطوة أولى نحو عملية شاقة من الانسحاب السريع والكامل؟ أم أنه سيُرى باعتباره مرحلة من عملية متفق عليها تعتمد على تقدم أمني وسياسي ملموس وواضح المعالم؟

في حال حدوث الافتراض الأول، فإن الأحزاب السياسية في العراق ستناور من أجل حماية أصولها المباشرة استعدادا إلى اختبار القوة المتوقع بين الجماعات المختلفة.

وسيتقلص الحافز الخاص بالتفكير في الاقتراحات المفضلة لدى الأميركان والمتعلقة بتشكيل حكومة علمانية تضم مختلف الأطراف في إطار رؤية عراق موحد.

وسيكون من الصعب توسيع قاعدة حكومة في الوقت الذي تدرك فيه تلك الحكومة أنها تفقد دعامتها العسكرية الرئيسية. وفي تلك الظروف، فإنه حتى خيار الانسحاب المحدود غير المرتبط بجدول زمني محدد والذي يهدف إلى تهدئة الرأي العام الأميركي - هذا الخيار يمكن أن يكون له أثر عكسي.

وإذا كان لنا في تجربة فيتنام أسوة حسنة، فإن أعداد القوات العائدة يمكن في تلك الأجواء أن تكون هي الاختبار المحلي الرئيسي لمدى نجاح السياسة الأميركية، ويمكن أن تتضاعف الضغوط الهادفة إلى مواصلة وزيادة سرعة الانسحاب بدرجة يمكن أن يضيع معها المعيار السياسي للتقدم. إن عملية تقودها معايير محلية أو تقنية يمكن أن تثير منافسة بين الأحزاب العراقية على تحقيق قبول وطني لتسريع الانسحاب الأميركي وذلك ربما عن طريق الانقلاب علينا سياسيا أو عن طريق ميليشياتهم.

لقد تدخلت الولايات المتحدة في العراق من أجل حماية أمن المنطقة وأمنها هي أيضاً، ولكنها لا تستطيع أن تُنهي تلك العملية من دون أن توفر لهذا الإنهاء إجماعا دولياً. إن الحقائق الجيوسياسية لن تختفي من منطقة عاشت مع تلك الحقائق وعانت منها طيلة آلاف من السنوات، وهي الحقائق التي أتت بالقوات الأميركية إلى ما مرت به من مشكلات في لبنان في الخمسينات والثمانينات وفي أفغانستان في 2001 وفي منطقة الخليج في 1991 و2003.

وهي أيضا التي تسببت في صدور تحذيرين عسكريين أميركيين بشأن الغزو السوري للأردن في 1970 وحرب 1973 بين العرب و"إسرائيل". ستستمر الخلافات العقائدية والخصومات بين الأحزاب في العراق. وسينشأ نظام إقليمي في ذلك البلد بشكل أو بآخر من خلال تفاعلنا نحن إما مع تلك القوى أو من خلال غيابنا عن المسرح.

وفي هذا السياق يجب على الأميركيين تقبل تلك الحقيقة التي تفيد بأن بلادهم لا يمكنها أن تقوم بانسحاب سياسي كامل وذلك على الرغم من أن حجم ومكان الوجود العسكري سيختلفان، وسيتطلب الأمر دائما تكامل الأهداف السياسية والأمنية معا إذا كانت هناك رغبة في تفادي سيطرة الدول المتشددة على الموقف.

يجب منح الدول التي لها علاقة بأمن العراق واستقراره أو التي تعتقد أن أمنها واستقرارها سيتأثران بالترتيبات الناشئة- يجب منحها قدراً من المشاركة في السياسة العراقية خلال المرحلة المقبلة.

وثمة حاجة إلى إعادة بناء المؤسسات السياسية الناشئة في العراق ودمجها في إطار دولي وإقليمي ليس بدافع احترام التعددية النظرية وإنما لأن أي شيء غير هذا ستضطر أميركا معه لأن تعمل وحدها كشرطي دائم للعالم، وهو الدور الذي من شأن أي حكومة عراقية أن ترفضه على المدى البعيد، وهو أيضا الدور الذي يرفضه أيضا أي نقاش ورد في مقالي هذا.

لقد آن الأوان ليس لتحديد المستقبل الإستراتيجي للعراق فحسب وإنما أيضا لتوسيع قاعدة التشاور السياسي في المنطقة برمتها. وينبغي أن يعقد اجتماع لمجموعة تشاور واتصال سياسية تضم الحلفاء الأوروبيين والهند (بسبب التعداد الكبير للمسلمين فيها) وباكستان وتركيا وبعض جيران العراق- يجب أن تجتمع تلك اللجنة في هذه المرحلة بعد انتهاء الانتخابات العراقية.

وقد تمت الموافقة بالفعل على فتح قنوات نقاش سياسية بين السفير الأميركي في بغداد والسلطات الإيرانية بشأن العراق. ولا ينبغي أن تكون تلك هي الاتصالات الوحيدة مع جيران بغداد.

فمهام تلك اللجنة يمكن أن تشمل العمل على تقديم مشورة بشأن التطور السياسي للعراق وكيفية توسيع قاعدة شرعية الحكومة وتوضيح أن ضمان استقرار وتقدم المنطقة كلها هو في مصلحة العالم بأسره.

وبمرور الوقت يمكن أن تتحول تلك اللجنة إلى منتدى للتعامل مع القضايا التي تمس استقرار "الشرق الأوسط"، بما فيها القضايا التي تتسبب في التشدد الإسلامي.

إن وجود إطار عمل سياسي لا يعد بديلاً لنتيجة عسكرية ناجحة، غير أن النجاح العسكري لا يمكنه أن يستمر طويلاً من دون هذا الإطار.