برنامج التهاوي الانتخابي

سوسن البرغوتي/محررة وناشرة موقع مبدعون عرب

ربما كان بإمكاننا اعتبار المشاركة في الانتخابات حقا للمواطن الفلسطيني، بل وواجبة لو لم تكن فلسطين ترضخ لاحتلال مباشر، أما والأرض مغتصبة والحقوق منتهكة، فالواجب هو النضال لتحرير الأرض، واستبعاد المرتزقة الفاسدين الذين تسببوا بضرب الأمن الوطني، وزرعوا الفتن التي كان لها الأثر البالغ في شق الصف الفلسطيني.

والسلطة الفلسطينية لا تسعى إلى توثيق نظام عادل، بل إلى ترسيخ المنهجية الاستسلامية لتمنح المتنفذين مزيدا من فرص استغلال الواقع المتردي.

وبعد مسلسل التداعيات التي طالت كافة جوانب القضية الفلسطينية، سجلت حركة "فتح" فشلاً ذريعاً في أداء دور القيادة الوطنية، نتيجة تصدع واضح في هيكلتها الحزبية وتهافت رموزها على الكرسي بغية تحقيق المكاسب الشخصية، فتعهّدت نتيجة لذلك تنفيذ "خارطة الطريق" التي رفضها شعبنا الفلسطيني، واستسلمت لإغراءات ميراث التركة الفلسطينية التي تقاسموا منها حتى اللحظة ما يزيد عن المليار دولار ضائع، وشاركوا في قتل الرئيس عرفات!، ويطلبون اليوم من العامة صكّ البراءة الشعبية عبر الدعوة إلى صناديق الاقتراع المزيف، فكيف ستوافق الجماهير الوطنية على تجديد العهد لمن يسعى إلى تسوية كاملة بإنهاء الصراع التاريخي بتثبيت الكيان "الاسرائيلي" شريكاً رئيسياً في صناعة المستقبل الوطني الفلسطيني!

وعدنا السيد الرئيس بالإصلاح، وتعهد إقصاء الرموز الفسادوية، ثم انكشفت قوائم الترشيح في حركة "فتح" عن إضافة الأسماء ذاتها!، مما يؤكد قيام القيادة الفلسطينية الحالية عمدا بتضليل الشعب الفلسطيني عبر إطلاق التصريحات المخادعة والشعارات الزائفة بينما يدلّ الواقع على عكس ذلك تماما.

فهل وفت حركة فتح كـ "قيادة فلسطينية" بتعهداتها أثناء "التنصيب" الرئاسي للسيد عباس؟، الجواب ببساطة: (لا)، والدليل استمرار التأزم الأمني، فضلا عن التعاون مع الاحتلال الصهيوني بغية التوصل إلى تسوية مشينة بحق النضال الفلسطيني.

فقد زعم برنامج فتح الانتخابي أن "الحركة" قامت بعمليات البناء على الأراضي الفلسطينية المحررة، وهذا استغفال وقح للمواطن الفلسطيني، ومحاولة "بائسة" للتغطية على ذهاب (أم عمرو) بحصاد كل المساعدات المالية العربية والدولية، وإلا، فأين هي عملية بناء المؤسسات الفلسطينية التي ستخلصنا من الشلل الإداري الذي يضيّق الخناق على أبناء شعبنا، وأين إنجازات مشاريع البناء في المدن المحررة، اللهم إلا إذا استثنينا بناء كازينو ترفيهي للمقامرين الصهاينة في أريحا، عدا عن الفنادق والمرافق السياحية الخاصة!، وفي حكايات صفقات الإسمنت..، وهل هناك حقاً مدن فلسطينية محررة!، أم محاصرة ومطوقة من كل الجهات!.

عودة إلى الوحدة الوطنية، فقد استفادت "فتح" من شق الصف الفلسطيني لإبرام الاتفاقيات مع الحكومة "الإسرائيلية" بقرار منفرد استهدف كسر الإرادة الوطنية، متجاوزة في ذلك كل الفصائل والقوى في منظمة التحرير الفلسطينية المظلة الشرعية والممثل الوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.

بل عملت على شل حركة كل الهيئات واللجان التي تتفرع عن المنظمة مما أفقدها الفعالية وحاصرها في حالة احتضار سياسي..

وفي بند هامشي من البرنامج السياسي المتهاوي وردت الإشارة إلى السعي لتحقيق قضية عادلة للاجئين الفلسطينيين بالرجوع إلى القرار 194، حيث إنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء الإشارة باللفظ والنص إلى "حق العودة" بالرغم من شرعية هذا الحق، مما يؤكد أنهم يعرضونه للبيع في مزايداتهم فوق طاولات المفاوضات مع الكيان الغاصب، مما يضع مصير أهل الشتات في مهب الرياح لاسيما بعد تطويع (منظمة التحرير الفلسطينية) بأيديهم..

كذلك فقد تجاوز برنامج قائمة فتح المعتقلين السياسيين في سجون السلطة مما يعني دعم وموافقة السيادة البريطانية الأميركية على سجون "غوانتانامو" أريحا!..

في هذا الوقت يضاعف الصهاينة من مشاريعهم تحت المسجد الأقصى في مسعى خبيث لتدميره بينما تقف السلطة مكتوفة اليدين ترفع سوطها في ظهور أبناء شعبها رافعة شعارات الدفاع عن المقدسات الإسلامية في القدس الشريف!.

إن الزيتون الذي يقتطعون منه يوميا الآلاف الأشجار، سينمو مجددا في سواعد وقلوب أبناء شعبنا الفلسطيني الذي سيقدم مساءلته التاريخية يوما ما إلى هذه السلطة التي لم تقم بمصادرة جرافة صهيونية واحدة من تلك التي تقتلع الشجر والحجر..

وختاما، فإن الإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري في منهجية القيادة هو الأمل والرجاء، وإلا فقد بات من الصعوبة بمكان تقبل واقع تقديم المزيد من الهزائم وتضييع الحق الفلسطيني عبر زمرة الفاسدين يزرعون الفتنة ويحصدون المال العام، دون أدنى اعتبار للتضحيات العظيمة طيلة العقود المنصرمة.