من يجرؤ.. وكيف يجرؤ..!

سوسن البرغوتي/محررة وناشرة موقع (مبدعون عرب)

في حضرة أي مسؤول عربي يتبوأ مناصب المسؤولية الأولى، يُعتبر من المحرمات محاسبته على أي فعل، حتى لو كان في اغتيال وطن بأكمله، وذلك وفق أجندة ملفقة تدعم خيانته على حساب مصلحة الشعب والدولة، وفي سبيل إخفاء حقيقته يلجأ إلى كيل التهم وتأويل نوايا وتوجهات وعقاب المعارضة الوطنية، في حين أن أي دولة عربية تقمع الأصوات التي تندد برؤوس الفساد الإداري والسياسي، وتعتمد بشكل مباشر على نماذج يسوقها غباؤها إلى نزع أقنعتها والارتماء في أحضان المشروع المضاد بشكل أو بآخر، غاية الطامعين للنيل من وحدة وكيان البلد.

استفادت أمريكا العظيمة من تجربتها الفاشلة في العراق، وبدأت بالتعامل مع سوريا من حيث انتهت بإشاعة الفتنة الطائفية، وانشقاق من يدعي "الإصلاح" برمي قنبلة مفاجئة..! في حين أنه متهم أصلاً من خلال ما قدم من اتهامات بالفساد والسرقة، حيث كان من رجال الصف الأول في الدولة، وأحد المسؤولين المباشرين عن الفساد.

السيناريو الأمريكي المعدل يطبّق استراتيجية الكيان الصهيوني في إعادة تشكيل المشرق العربي بشكل خاص على مبدأ تقسيم البلدان العربية على أساس طائفي وعشائري، ليسهل قضمه، وهذا يدعم مهمة "إسرائيل" في طموحها للمد الاستعماري.

التحريض الذي انتهجه خدام لم يكن من وازع وطني بقدر تقاطع مصالحه الشخصية مع مشروع استسلامي مستقبلي لسورية، إلا أنه وجد بانشقاقه هروباً من مسؤوليته عن الممارسات الخاطئة في لبنان التي أدت إلى بالتراكم إلى تلك الهوّة بين الشعبين السوري واللبناني، وعن ضلوعه شخصياً في ممارسات تعسفية داخل سورية، لكنه أدار وجهه عن ما تواجه سوريا اليوم من تهديد، وبحجة واهية اسمها "الإصلاح".

ألم يكن في دفة الحكم ولمدة أربعين عاماً، وفي صلب صناعة القرار السياسي لدولته.؟ فما الورقة التي قدمها خلال هذه الفترة الزمنية سوى إخفاء قضية النفايات النووية في تدمر، والتي جنى أولاده المكاسب المالية من ورائها!. فأين كانت المصلحة الوطنية آنذاك؟ وقد وظف كل طاقاته للقضاء على إمكانية الإصلاح..؟

من يجرؤ المجاهرة على أن هناك الكثيرين من أمثاله ما زالوا يشكلون البطانة المستفيدة، يرتادون الملاهي الليلية وكأن تنصيبهم مجرد مهنة لا موضع مسؤولية ومساءلة، وهل يكفي أن يكون من "العقارب" المقربة ليستأثر بأغلبية مشاريع الدولة التنموية..؟

السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا يتوجه المعارضون اللبنانيون والسوريون إلى فرنسا ويحتموا بدولة لن تمنحهم أكثر من مرحلة ترفيهية توظفهم لمصلحة إعادة تشكيل الوطن العربي في ظل الديمقراطية الطامعة؟، وستقضي عليهم فور انتهاء مهمتهم كما حدث في الماضي القريب، عامل الصراع على بوابة الوطن العربي والذي يشكله الهلال الخصيب وبلاد الشام بين أمريكا و"إسرائيل" وأوربا من جهة وبين إيران والأطراف السابقة من جهة أخرى، يجعل من تحرك فرنسا مشكوكاً فيه. لهذا نرى أن فرنسا تتبنى الانشقاقات خارج السرب الوطني، محاولة منها لتستعيد أمجادها الاستعمارية في بلاد الشام تحديدا، خاصة وأنها لم تخرج من المغرب العربي كتواجد ثقافي وموالاة الأنظمة العربية هناك لسياستها الخارجية.

المطالبة بالإصلاح والتغيير من أجل الوطن ضرورة ملحة، ومتابعة الفساد حتى ولو كان في الصفوف الأولى مطلب وطني، وبالمعارضة الوطنية تكمن أهمية المراقبة الشعبية لتلك التجاوزات المفسدة لجهاز الحكم وتخريب متعمد للمواطن الذي يقتدي بهؤلاء السارقين على قدر أبسط بكثير من احتكار المال الوطني من أجل إقطاعيات وقصور، والمتضرر الأول والأخير هي وحدة البلد وصمودها ضد هجمة تدق ناقوس الخطر لتفتيته من الداخل.

البطانات في الحكم العربي هي أخطر ما يواجه الرؤساء العرب، وأكثر عبئاً على شعوبهم من قمعه وملاحقته وكتم أنفاسه، في حين أن العدو الداخلي أقرب إليهم من حبل الوريد. فالغادرين ليسوا فقط من يجتمعوا في أمريكا ، لكنهم في الصفوف الأولى مطالبين أن يتحملوا المسؤولية ، وبالتحري عن مصدر ثرواتهم الطائلة.

يتضح أمر الموالاة للحزب أنه تقاطع مصالح آني، وليس من أجل مبدأ أو الحفاظ على الوطن، والقضية لا تكمن في خطورة ما صرح به خدام نائب الرئيس السابق ، إنما في اختيار الوقت والظرف لإعلان انشقاقه، وابتعاده عن سوريا ليصبح نسخة مستنسخة من عملاء فُضح أمرهم في العراق وفلسطين المحتلة، والذين يتمتعون بحصانة أقوى من العدو، ببساطة لأنهم تحت رعاية وحماية أسيادهم، فقد هرول بكشف أوراقه صراحة دون أي اعتبار للهجمة الأمريكية القادمة على بلده وانتزاعه من حظيرة العروبة إلى أقاليم مجزأة مهلهلة لا تخدم  سورية، ولا للحزب الذي انتمى له طيلة السنوات المنصرمة. وستجد الحكومات العربية الكثيرين من أمثاله صامتين إلى وقت محدد ينقلبون فيه ، ينتظرون الأوامر تبعاً لضرورة  تفرضها مرحلة  يجهز العدو على ما تبقى من سيادة واستقلال الدول العربية.

كم نحن بحاجة إلى ديكتاتور وطني عربي يردع تلك الديمقراطيات الزائفة من أجل حماية الوطن من العابثين واللاهثين وراء "الأمركة"، ليخرج الفئران من جحورهم، ويحاسبهم على قهر الشعب.

فيا سادة العرب احذروا من بطاناتكم الفاسدة  قبل أن يتحولوا إلى دعاة وحماة للاستسلام ، واحتكموا إلى شعوبكم قبل فوات الأوان.

خيار تقاطع المصالح مع أمريكا لن يجد ولن يؤتي ثماره، ما دام هدف أمريكا تحويل قضية الوطن العربي إلى مزاد دولي في ظل تصارع القوى الأجنبية، والصراع يشتد ضد عدو من بني جلدتنا يرتع وبين من يؤمن أن مصلحة الوطن فوق أي اعتبار. وإلى أن تنتهي هذه المسرحيات المصطنعة، يبقى الشعب هو الحكم والقادر على كشف المزيفين..