لبنان السياسي ودوره الإقليمي في مسار التناقضات الدولية ومستجداتها

سليم نقولا محسن – كاتب قومي عربي

ليس جديدا ما يُصنّع حاليا ضد سوريا في لبنان، فلقد سبق وأن تمّ تصنيع شبيهه أميركيا في الكويت ضد شعب العراق.

بعد أن كانت وظائف الدول (أورو-أميركية) معدة لخدمة مشاريع الاستثمار الإنتاجي لصالح الرأسمال – بما تحمله طبيعة هذه الوظائف من حاجة إلى الاستقرار والسلام العالميين– فقد تحولت هذه عن وظائفها تلك إلى مشاريع اغتصاب للأراضي وثروات الشعوب لصالح إداراتها إثر جنوح الرأسمال إلى مغادرة أوطانه، وذلك بعد بروز تباين أوجدته الطبيعة البنيوية لكل من الرأسمال الاستثماري ودول موطنه كحصيلة نوعية لحركة تراكم تطوري خارج هياكل دوله الجامدة القاسرة ورقابة إداراتها مما شكل مخاطرا تهدد بقاء تلك الدول، دفع إداراتها إلى العودة للممارسات الكولونيالية وإلى مرتكزاتها القديمة المتوزعة في العالم ومنها لبنان كمركز انقضاض إقليمي بغية إخضاع جموح هذا الرأسمال المهدد بإحداث انقلاب في الأوضاع السياسية العالمية وإلى إمكان ظهور مراكز وقوى جديدة فاعلة على الساحة العالمية.

مما حدا بإدارات تلك الدول من موقف معارض ومحاصر لتحرك الرأسمال، إلى أن تنقلب وتدفع في مسار أهوج حاقد  لإشاعة الفوضى والرعب، وإلى تكسير النواظم الأخلاقية والقانونية، وقلب المفاهيم والمعايير، حتى بات ذلك ظاهرة عالمية يمكن أن تتيح لها أجواؤها استباحة الشعوب تحت أي شعار، وقد جعلت هذه الظروف كلا من المنخرطين في مهام شرف العمل الوطني العروبي مُعرَََّضاً لأن يكون مشروع شهيد/ قتيلا كان أو أسيرا/ حاكما كان هذا أو مواطنا محكوما، في زمن لا يمكن أن تحميه الحقوق الشرعية ولا الأعراف ولا القوانين شرط أن يتوضح في هذا السياق خصوصية معادلة مفهوم الشهادة ورمزيتها، فالجسد المقيد في الأسر ليس هو كما كان، ولا ما ينطق عنه إذن فهو شهيد، وهو كالوطن الأسير، مزور في ملامحه، وباطل ما يسجل عليه، وما يعلن باسمه.

وتبدو مهزلة المحاكمة في العراق للرئيس صدام حسين ورفاقه نموذجا آخرا لنسيج الحقد والعنصرية، وإعلانا صارخا للفوضى المستهترة والخراب، وقراءة شيطانية مرتلة لكتاب الباطل والظلم والتزوير، تتلى بوقاحة من منبر النظام والعدالة المفترض، وهي في حقيقتها إملاء لإنذارات همجية مرسلة تتلذذ بالتعذيب والإجرام السادي، إلى أفراد الوطن والحكام، تنذرهم بإخلاء الأوطان للديمقراطية القادمة أو العقاب.

لقد عمدت قنوات البث الإعلامية  العديدة الملحقة بالمشروع الإغتصابي وإعلامييها المرتزقة على نقل وقائع المهزلة وتكرار عرضها وشرح ما خفي منها، إلى مواطنين أعرضوا عنها وقد علموا مسبقا من تلاعب في مضمونها وغايات مصدريها، فكان أن انقلبوا عليها وحكموا ببطلانها، ومن كان يشك منهم في صدق ووطنية صدام حسين صار متيقنا منها، ومن شابه لبس بغايات الغزو نزعه. وتوجه إلى الإيمان بالمقاومة سبيلا إلى حيث الخلاص وهي لا تقبل اعوجاجا، إذ أن سبل الوطن مستقيمة، إن ما جرى ويجري في العراق منذ الغزو من خراب واستباحة لإنسانية المواطن ولكل ما يحمله من موروث اعتاد عليه وأخلاق وقيم إنما هو دعوة صريحة لشعوب المنطقة وحكوماتها وحكامها للاستسلام إلى قضاء القوة والهروب من الأوطان، وهو وثيق الصلة أيضا بما يُرتّب لها وبالمحاولات الجارية لإسقاط الدول واستباحة الشعوب والأراضي والثروات في المنطقة بما تشمل هذه من دول سوريا ومصر وإيران والسعودية والسودان والجنوب العربي إلى بلاد المغرب وبقية البلدان بعد أفغانستان والعراق، حتى يتحقق الشرق الأوسط الكبير، بغض النظر عن الصفقات الإقليمية الحالية والتنازلات كملكية خاصة بها ومنطقة تهيمن عليها وتتصرف بها، تبيعها بالتجزئة أو الجملة مع شعوبها أو بدونها.

وكما يرتبط هذا أيضا بما يحدث الآن من تطاولات ذات طابع شرس لا تخفى لإسقاط سوريا والمقاومة الفلسطينية، والقطاعات العروبية في لبنان باسم الديمقراطية عبر بوابة لبنان، بعد أن شرعنت هذه الإدارات بنجاح، عبر بوابة الكويت، غزو العراق.

 لذا يفترض بالقوى التقدمية العربية من منطلق الحرص على الروابط القومية، تمتين العلاقات بين الشعوب العربية، وأن تسعى إلى دفع حكوماتها للامتثال إلى رغبات شعوبها في الحرية والديمقراطية والتقدم والعيش المشترك تعزيزا لمواطنية أبنائها وضمانا لتفعيل الحس المقاوم لديهم. وعلى هذا الأساس ينبغي على القيادات الوطنية في كلا دولتي سوريا ولبنان التنبه إلى مخاطر هذه المرحلة الدقيقة التي تتلاعب بها المتغيرات وقوى الاستثمارات الاقتصادية والصراعات والنزاعات الدولية، التي كانت قد أصابت ويلاتها المنطقة، وأدت إلى غزو بربري للعراق، ولمحاولات محمومة راهنة للإمساك بالعمق السوري عبر إسقاط الكيانين السياسيين لسوريا ولبنان، والقضاء على المقاومة الفلسطينية والعراقية.

 إذ لم تزل قوى 17 أيار 1983اللبنانية (قوى الانعزالية الأورو-"اسرائيلية" السياسية) والردة على العروبة وحلفاؤها الجدد في سوريا ولبنان، تطمح إلى إعادة امتلاك لبنان وتقويض المنطقة على قاعدة من يمتلك جبل لبنان، يمتلك التحكم في الداخل السوري إلى العراق، وكانت قد تبلورت بدايات هذه القوى مع تغيير الديموغرافية السياسية للبنان عقب إحداث دولة لبنان الكبير عام 1920 بإلحاق المناطق الإنتاجية الغنية المحيطة وأهاليها بالجبل الفقير، وتحكيم المتنفذين من طوائف أهل الجبل بأهالي المناطق الإنتاجية النشطة بعد نقل وبسط نظام المتصرفية القديم 1860 بثغراته وتناقضاته الغريبة إلى الدولة الجديدة.

هذا الوضع الشاذ في تكوين دولة لبنان الكبير قد ظهرت نتائجه بعد استقلال كل من سوريا ولبنان من نفوذ وصاية الانتداب الفرنسي عقب الحرب الثانية، فلقد عمدت هذه القوى ذات الأفق المتغرب المحدود، التي أعيد تنشيطها بإيعازات من قوى الهيمنة الخارجية وبتحالف مع بعض القوى المستجدة في مدن الدولة اللبنانية بعد نشر وتعميم المفاهيم الطائفية ونمط العيش الاستهلاكي: إلى محاولات متعددة لم تهدأ عبر مسارها منذ زمن النشوء للإمساك بالدولة اللبنانية وربطها بتحالفات ومعاهدات تتناقض مع طبيعة وضعها ومصالحها، هدفها مراقبة وكبح توجهات العمق العربي السوري والقوى الاستنهاضية في المنطقة، وجرها مثلاً: إلى أفخاخ التآمر على دولة الاستقلال السورية منذ عام 52، ودولة الوحدة عام 58 والمساهمة في إيقاع انفصال الوحدة عام/61/ وإلى توريط الشعب اللبناني في أحداث 1975 المؤلمة، التي راح ضحيتها الآلاف بمجازر التطهير الطائفي والعرقي، بهدف تقويض المشروع العربي عبر استجرار الشعوب العربية إلى مواقع الاقتتال الطائفي والقبلي والفرقة لإنهاء مشروع المقاومة في تحرير فلسطين- إذ تم استدخال قوات الغزو "الإسرائيلية" واحتلال العاصمة بيروت عام 1982 متزامنا مع بدايات الحرب الإيرانية على العراق- وأيضا إلى إجهاض قوى التحرر في الداخل السوري، انتهاء بالتآمر على قيادة العراق وإسقاطه 2003.

إن التغاضي عن طبيعة العلاقة التي أُسِس عليها الوضع اللبناني بإرادة الغير، بين الشكل(لبنان السياسي)، ووظيفة وجوده كقلعة ضد الداخل العربي، كما أرادها له المستعمر الفرنسي آنذاك، وكما ترغب قوى الردة بإعادته إليها بالنكوص إلى ما قبل قرارات الطائف، يُغلق الفهم عما يتداول وما يجري على الساحة، كما أن قطع الصلة المقصود بين من يستخدم وظيفة وجود لبنان- وهي ذات القوى- عن التحركات المشبوهة الراهنة، يُسقط الحقيقة عن مشروع إلغاء العروبة في لبنان لاستباحة شعوب المنطقة، وبالمقابل يُعطي مصداقية مُتخيلة لرُزم القيم الفاضلة التي تطرحها بسخاء مضلل على الشعب الطيب في الساحة اللبنانية، ويُصرف الذهن عن النوايا الخبيثة لهذه التحركات المضادة المختبئة وراء ضباب الدعوات عن لبنان المقدس والمقهور، والأجواء المتشنجة المفتعلة بأصواتها الداعية إلى حريته واستقلاله عن الوجود السوري والعربي، إن هذا الدور هو ما تؤديه هذه القوى بحماس لمصلحة الغير منذ نشوء دولة لبنان والمتمثلة بالجوقة السياسية ذاتها وسلالاتها، والكتل الإعلامية الهائلة المضادة- البديلة عن الأحزاب- المدفوعة الرأسمال والأجر بهدف تقويض المنطقة.

إن غزو العراق عام 2003وما أدى إليه من تعثر وإحراج لقوى الغزو الأورو-أمريكية، وملحقاتها من منظمات دولية وأنظمة سياسية متنوعة وعملاء، ومن سقوط لكل المبررات الكاذبة بما فيها الداعية إلى الحرية والديمقراطية، وبالتالي إلى انقلاب الشعوب العربية ضدها وتعمق وعيها: قد دفع قوى الغزو هذه إلى الاستعجال لاستكمال مشروع هيمنتها والإمساك بالمنطقة قبل انهيار مشروعها الإغتصابي فيها، وذلك عبر برنامج تضليل وتنشيط القوى المضادة السورية وقوى الردة الطائفية في لبنان، افتتحته باستصدار قانون معاقبة سوريا، والقرار 1559 الدولي، وإلى تشكيل لجنة تحقيق بالقرار 1595 موظفة لاتهام سورية، ارتكزت صوريا على جريمة اغتيال الحريري وسلسلة الأحداث الأمنية والاغتيالات السابقة واللاحقة، التي أعدت ونفذت لاستنفار مكونات الوضع الطائفي والمناطقي اللبناني وشحنه لمعاداة سوريا، وتهيئة أجواء ملائمة لمحاصرة دولية للوضع السوري لاحقا وتغييره، أو تفجّير الوضع الأمني الداخلي اللبناني لاستدخال الأجنبي، وفتح الباب لتقويض كيانات المنطقة.

وعلى هذا فإن من الأفضل للقوى العربية التقدمية أن تعمق الحوار الديمقراطي بين فصائلها, وان تدعو الجماهير العربية وقواها الوطنية الفاعلة في سوريا ولبنان لأن تقف صفا واحدا في وجه المؤامرات وكشف مخططاتها، وإلى أن تعمل على الاستعداد لمجابهة ميدانية لقوى الاغتصاب العالمي وحلفائها، هذه القوى التي لن تتوانى عن غزو شعوب المنطقة وتقويضها على غرار العراق العربي.