الحصاد الغائب

السيد زهره/البحرين

بمناسبة العام الجديد، كل عام وأنتم بخير، تحفل الصحف والمجلات العربية كالعادة بموضوعات ترصد أحداث وتطورات وانجازات العام الذي مضى، سواء على صعيد كل دولة عربية أو على الصعيد العربي والعالمي العام. وقد يجتهد بعض الكتاب والمحللين في تقييم ما جرى خلال العام. بالطبع ستجد في هذا الرصد تسجيلا لأحداث وتطورات مؤلمة كثيرة شهدتها الساحة العربية، وستجد رصدا لتطورات بعضها ايجابي وبعضها سلبي في هذا المجال أو ذاك. ولا شك انه رغم سوء الأوضاع العربية بصفة عامة، ستجد انجازات تستحق التنويه بها في مجالات الثقافة أو السياسة مثلا.. وهكذا.

لكن مجالا لن تجد له رصدا في أي حصاد لانجازات العام العربية. ليس لنا فيه انجاز يستحق تسجيله والتنويه به مقارنة بدول العالم المتقدمة خصوصا. نعني مجال العلم والانجازات العلمية. مناسبة هذا الحديث هو ملف بديع قرأته نشرته مجلة (نيو ساينتست) الأمريكية العلمية المتخصصة في عددها الأخير، عدد ديسمبر (أيلول). الملف يرصد الأحداث والتطورات والانجازات العلمية في العالم في عام 2005، يرصد الملف الانجازات التي شهدها العالم في مجالات شتى مثل، غزو الفضاء، والتكنولوجيا، والبيولوجيا والطب.. وهكذا.

بالطبع نجد في الملف رصدا لانجازات وتطورات مدهشة وعجيبة في كل مجال. نقرأ مثلا عن السباق العالمي الضاري لغزو الفضاء وإرسال المركبات الفضائية، وعن الاستعدادات لإرسال أول 100 سائح إلى الفضاء في أكتوبر (تشرين أول) عام 2006. وفي مجال البيولوجيا والطب، نقرأ عن احدث الاكتشافات العلمية في موضوع (الجينوم)، وعن صراع العلماء في العالم في مواجهة أنفلونزا الطيور، وعن اختراع زرع الوجه. ونقرأ أيضاً عن أبحاث علمية أثبتت أنك عندما تكون سعيداً، فهذا أقصر طريق للتمتع بالصحة. بالطبع لم يخترع العلماء شيئا يجعلك سعيدا أصلاً.

وفي مجال التكنولوجيا، نقرأ من الغرائب والعجائب بالنسبة لنا الكثير، مثلاً، نقرأ عن التطورات المذهلة في عالم الهواتف النقالة، ومن بينها اختراع هاتف نقال يتعرف على مالكه. ونقرأ عن اختراعات عجيبة في عالم (الروبوت)، أي الإنسان الآلي، وعن السباق المحموم في ميدان ما يسمى (هيومانويد روبوت)، أي الروبوتات التي تتصرف كالبشر وتتفاعل مع البشر، وعن ما يسمى بـ(روبوت هوندا) وقدراته المكتبية المذهلة. ونقرأ عما أسمته المجلة (الجانب المرعب) في التكنولوجيا في عام 2005، وتعني بذلك الاختراعات الأمريكية الجديدة في مجال أسلحة الخراب والتدمير. تتحدث مثلا عن اختراع بنادق قادرة على إطلاق (قذائف كهربائية). وعن أسلحة (ليزر) و(ميكرويف)، وأسلحة قادرة على أن تسبب شللاً مؤقتاً وألماً فظيعاً لا يوصف للحشود من على بعد كيلومترين. نقرأ أيضا عما اعتبرته المجلة اختراعات حمقاء تم التوصل إليها في العام الماضي، مثل اختراع أحذية تقلل ساعات مشاهدة التليفزيون بالنسبة للكسالى الذين لا يحبون بذل مجهود.

هذا الذي ذكرته عما يتضمنه ملف المجلة الأمريكية مجرد شذرات صغيرة جداً من انجازات مهولة واختراعات علمية مذهلة شهدها العالم في عام 2005، بالحق قرأت موضوعات هذا الملف بحزن وألم شديدين.

في رصد هذه الانجازات العلمية يشير الملف بالطبع إلى أسماء دول وعلماء وشركات ومؤسسات علمية تقف وراء هذه الانجازات والاختراعات من مختلف دول العالم المتقدم.. من أمريكا إلى بريطانيا إلى اليابان إلى ألمانيا.. الخ الخ. المحزن والمؤلم أنه، كما تتوقع عزيزي القارئ، لا وجود للعالم العربي في أي رصد للانجازات العلمية في أي مجال. المرة الوحيدة التي أتى فيها ذكر العالم العربي كانت في الإشارة إلى اختراع روبوت يحل محل الأطفال في سباقات الهجن وتجريبه في العام الماضي. وهو بالطبع ليس اختراعنا، وإنما اختراع غربي.

إذن، لا وجود لنا على خريطة التقدم العلمي في العالم. لماذا؟ بالطبع، لدينا علماء نابهون، ولدينا باحثون مجتهدون. لكن المشكلة أن العلم والتقدم العلمي لا يحتل أي أولوية على قائمة اهتمامات حكوماتنا العربية بكل ما يعنيه ذلك ويترتب عليه. وطالما ظل هذا هو حالنا سنظل ندور في الدائرة الجهنمية من التخلف والتبعية.