رسالة مفتوحة الى قيادة المقاومة العراقية

من صلاح المختار

ملاحظات ليلة ما قبل الانتصار الحاسم

اكتب هذه الرسالة المفتوحة الى كل المجاهدين، قادة وامراء وكوادر، الفصائل الجهادية للمقاومة العراقية، في محاولة مني لاداء واجبي الوطني، بصفتي احد الكتاب من انصار المقاومة، والملتزمين بخطها الجهادي، في مجال الاعلام والفكر. وابدأ رسالتي بالتذكير بحقيقة تبلورت عبر التاريخ الانساني، وهي ان أكتمال انتصار الثورات التحررية لا يتم بطرد الاستعمار فقط، بل أيضا، وهذا هو الاهم من الناحية العملية، بالتغلب على الامراض الداخلية التي توجد في نفوس بعض القادة والامراء والكوادر، والتي لا تظهر اعراضها اثناء حرب التحريرغالبا، بل تكمن، وتبقى نائمة، ثم تستيقظ اثناء لحظة التحرير، اوبعد طرد الاحتلال، متجسدة بنزعات انفراد بالسلطة، او طمأنينة كاذبة تدفع لتصديق كلام ووعود العدو، او الخروج على ما اتفق عليه بين المقاتلين...الخ، عندها تفتح الابواب والشبابيك لعودة الاستعمار، راكبا على ظهور بعض من حاربوه وهزموه!

إن السؤال الذي أستحوذ على تفكيري، منذ تيقنت ان امريكا قد هزمت، بعد معركة الفلوجة الاولى عام 2004، وانها تلعب بالوقت الضائع، هو التالي : هل ستكون مرارة الاحتلال ومآسيه وكوارثه، ومن ثم دروسه الغنية، كافية لهداية كل النفوس وعقلنه كل سلوكيات ما بعد التحرير، والتي قد تتاثر بانفعالات المنتصرين، وبعضها ربما سيكون منفلتا من سلطان الحكمة والعقل، بالنسبة للبعض. فتقع الاخطاء وتتكرر مقاتل الماضي، من حيث لم يقصدها مرتكبها، وانما تفرضها نشوة الانتصار، وغلبة فورة عواطف تكون في أحيان معينة تجل خطير للاعقلانية لعبت دورا مهما في احداث العراق في نصف القرن الماضي؟

من هنا قررت ان اكتب لكم، انتم قادة الجهاد العراقي الممثلين لكافة الفصائل المجاهدة من بعثيين وإسلاميين وغيرهم، رسالة مفتوحة تتضمن بعض الملاحظات التذكيرية، والتي قد لا يحضر بعضها في اذهان من يركز تفكيره على مقاتلة الاحتلال ومتابعة تنفيذ خطة دحره وطرده. فان اصبت فلي حسنتين وان اخطأت فلي حسنة الاجتهاد. لذلك ساقدم ملاحظاتي مقرونة بتحليل مركز لوضع العدو الحالي وانهياره الحاسم وتخبطه في اختيار المخرج من كارثته الأسوأ في كل تاريخ امريكا. كما ساقترح بعض الافكار المهمة جدا، كي تضاف الى شروط المقاومة للتفاوض والتي اعلنت وليس كبديل عنها.

إن اقتراب الحسم والنصر يوجب التفكير بكافة اوجه الوضع وتطوراته، وبالاخص تكوين صورة تفصيلية عما يجب ان يكون وما يتوقع ان يحدث، خصوصا ان العدو اصبح امام خيارين لا ثالث لهما، وهما اما التفاوض مع المقاومة طبقا لشروطها، وفي هذه الحالة يجب الاستعداد تفصيليا للتفاوض، او الهروب وترك العراق كما هو الان، وفي هذه الحالة يجب تأمين كافة مستلزمات وأد الفتن، التي خطط لها، سواء كانت داخل صفوف المجاهدين او خارجهم.

تأكيد عام

أن ثمة مؤشرات واضحة وكثيرة تؤكد ان امريكا تستعد بجدية للانسحاب من العراق هذا العام، وتتجسد هذه المؤشرات في الاعترافات، المتتابعة والمقصودة، التي تصدر عن الادارة الامريكية والخبراء والمسؤولين الحاليين والسابقين والقادة العسكريين، والمتمركزة حول الخسائر المادية، والتي اعلن عن انها ستصل الى تريليوني دولار، أي الفي مليار دولار، وليس 300 مليار دولار كما اعلنت امريكا، والخسائر البشرية بالاعتراف بان عدد القتلى يوميا يتراوح عددهم بين 8 و11 قتيلا للقوات الامريكية، وهو امر لم يكن مألوفا في السابق. في ضوء ذلك اصبح واضحا تماما ان امريكا قد اعترفت، رسميا وعمليا، بهزيمتها في العراق، وشرعت بالاعداد، وبسرعة ملحوظة، في ترتيب انسحاب ملغوم من العراق.

والانسحاب الملغوم يقصد به انه مصمم لالحاق اكبر اذي ممكن بالشعب العراقي وخصوصا مقاومته المسلحة، الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، عبر قيام الاحتلال بنصب فخاخ قد تكون قاتلة، اذا وقع فيها من ليست لديه خبرة او معرفة بتاريخ وطبيعة وكيفية نصب الفخاخ الامريكية ودورها في القضاء على الاعداء المنتصرين، حينما ينجحون في وضع امريكا في زاوية حرجة، فيتصورون ان النصر قد اصبح في جيوبهم! لكن امريكا كانت تعمل على تحويل انتصارهم الى هزيمة بنصب تلك الفخاخ، ومنها فخاخ المغفلين، أي اولئك الذين يجهلون أي شيء عن الفخاخ، ومع ذلك يتظاهرون بالخبرة في نزغ صواعقها لذلك يكونون اول ضحاياها!

أمريكا اليوم تستجدي التفاوض مع المقاومة، وتقوم بالاتصال بكل من تسمع انه على صلة بالمقاومة او يستطيع الوصول اليها. وتقدم الوعود والعهود لاقناع من تتصل بهم بانها جادة في الانسحاب من العراق، وانها تريد التفاوض لترتيب ذلك! وهذا الطابع الاستعجالي، المقترن بالالحاح الطفولي، قد يخدع من لا يعرف تكتيكات امريكا واساليب تخلصها من المآزق التي تقع فيها اثناء الحروب او الازمات الساخنة. لذلك يبدو ضروريا ان نذكّر ببعض الحقائق والملاحظات البالغة الاهمية، لضمان اكتمال كل عناصر عملية تحرير العراق هذا العام وعدم الوقوع في أي فخ امريكي، بعون الله، قد يؤدي الى نكسات وتراجعات تخطط امريكا لايصالنا اليها، بعد ان نطمئن الى ان النصر قد اصبح حتميا وان احتمالات النكسة غير واردة.

نعم، ايها الرفاق والاخوة في قيادة المقاومة الوطنية العراقية، ان النكسة احتمال قائم، وان تمكن امريكا من تحويل هزيمتها الى نصر حقيقي، وتحويل نصرنا من نصر حقيقي الى هزيمة حقيقية، ليس امكانية مستبعدة، بل هي احتمال يتوقف تحققه على مدى التزام المقاومة بقواعد اليقظة الكاملة والتحسب الشديد، الذي يجب ان يصبح هاجسا ساخنا، ليل نهار، يستولي على عقول وقلوب المجاهدين، بكافة مراتبهم وتسلسلاتهم. أن ما عجزت امريكا عن تحقيقه بالحرب، والابادة الجماعية للعراقيين وتدمير المدن واغتصاب النساء والرجال والاطفال، وغيرها من وسائل القهر المتطرفة، تريد تحقيقه بالتفاوض مع المقاومة، ومحاولة استغلال عدم معرفة البعض الدقيقة بالاهداف الستراتيجية غير المنظورة، وبأساليب أمريكا، في الخداع والغدر والتضليل وسرقة الوقت، من اجل اكتشاف نقاط ضعف المقاومة واختراقها منها.

من هنا وقبل ان تنخرطوا في التفاوض الفعلي مع امريكا، ارجو ان تتذكروا الملاحظات الاتية وتأخذوها بالحسبان، من رفيق واخ لكم عرف امريكا جيدا وكتب عنها كثيرا، وكانت كتاباته وتوقعاته عن الاهداف والخطط الامريكية، منذ نهاية الستينيات في القرن الماضي، صحيحة كما اثبتت الايام، وكتبي وبحوثي ومقالاتي شاهد على ما اقول. ومن اجل ضمان الانتصار في جبهة التفاوض، مثلما انتصرتم في جبهة الحرب، يجب ان نسلط الضوء على خبائث امريكا، لنرى كيف يمكن الدوران حول فخاخها، وتحديد اماكنها ومكامنها، والقفز من فوقها، وعدم السماح بنزع صواعقها، واهمها صاعق الصراعات داخل صفوفكم، ونصب فخاخكم أنتم، وزرع الغامكم انتم لعدوة البشر والشجر والحجر امريكا. أن المقترحات الواردة هي تكملة لشروط المقاومة المعلنة وليست بديلا عنها.

التفاوض كفريق واحد

إن أهم واخطر فخ امريكي، قديم وجديد، هو تعمد امريكا الاتصال بفصيل واحد او اكثر ولكن بشكل منفصل وترك الفصائل الاخرى، والدعوة للتفاوض معه دون غيره وألايحاء له، او مصارحته بأنها تريد تسليم السلطة له، او (التفاهم) معه وليس مع الاخرين. لقد حاولت امريكا ذلك في فيتنام، وحاولت فرنسا ذلك في الجزائر، وحاولت بريطانيا ذلك في جنوب اليمن وزيمبابوي وغيرها، ففشلت اللعبة في الجزائر وفيتنام، ونجحت في جنوب اليمن وزيمبابوي. ولعبت اسرائيل على وتر تشجيع طرف فلسطيني او قبول فريق ورفض اخر، او تشجيع تنظيم لا تتفق معه لكنها ارادت اضعاف الفريق الاخر عبر دعم منافسه بطرق غير مباشرة. وهكذا علينا نتذكر دائما ان عملية التفاوض هي حرب بكل معنى الكلمة، وقد تكون اخطر من الحرب العسكرية، والتي هي الاسهل من حيث التحديد الدقيق للاهداف المركزية واهمها التحرير، لان نتائج التفاوض قد تعزز منجزات الثورة الوطنية ولكنها أيضا قد تجهضها، بأثارة خلافات داخلية قد تتطور وتصبح حربا بين من قاتلوا الاحتلال سوية، لا تنتهي الا بالقضاء على بعضهم، ولكنها غالبا ما كانت تنتهي بالقضاء الفعلي عليهم كلهم، لان الطرف المنتصر يكون قد غاص في دماء وطنيين، ومن ثم فان صدقيته وثقة الجماهير بتجرده من نوازع السلطة والتسلط تضعف او تتلاشى، والنتيجة الحتمية لكل هذا هي وقوف المنتصر ضعيفا امام المستعمر الذي كان يتفرج ويصب الزيت على نار الخلافات، فيبدأ الاحتواء وتكون الردة!

في ضوء تجارب الشعوب الاخرى مع الاحتلال فان القاعدة الذهبية للسلامة الوطنية، وللحفاظ على مكاسب الثورة واستمرار انتصاراتها حتى الطرد الكامل للاحتلال، هي التفاوض كطرف واحد يمثل كل الفصائل المقاتلة، وفي اضعف الاحوال الفصائل الرئيسية. ان تشكيل وفد مفاوض يمثل القوى المسهمة في الثورة المسلحة هو الشرط المسبق لغلق الطريق امام زرع الفتن بين الثوار، والتفاوض من موقع قوة كاملة لا تهددها احتمالات انشقاق، او ضغط الاحتلال عبر تحريك طرف او اكثر لم يشرك في التفاوض. واذا كانت الضرورات الامنية لا تسمح باشراك الجميع فعلى الاقل يجب الاتفاق مع القوى الاساسية على الخطوط العامة للتفاوض والشروط التي تريد الفصائل الرئيسية تحقيقها، وتخويل طرف واحد بالتفاوض حولها والرجوع للاخرين عند بروز اشكال محدد لم يناقش. عبر الفريق الواحد عند التفاوض، كما عند القتال، يحرم الاحتلال من المناورة الفعالة ويوضع في زاوية يصعب عليه فيها اللعب باوراق اخرى.

إن التفاوض كفريق واحد ولحسن الحظ ممكن جدا لان فصائل المقاومة الرئيسية متفقة ومتحالفة وتتبنى ستراتيجية واحدة من حيث الجوهر، تقوم على التحرير الكامل للارض وللقرار السياسي والثروات الوطنية واقامة نظام ديمقراطي تعددي تمارس فيه السلطة عبر صناديق الاقتراع، والرفض التام لاي تعاون مع من تعاون مع الاحتلال.

وحدة المقاومة كل لا يتجزأ

من الان بدأ الاحتلال يلعب ورقة الفصل بين المجاهدين العراقيين والمجاهدين العرب، فهو يعلن صراحة انه يريد التفاوض مع العراقيين ويطلب منهم طرد العرب! وهذا المطلب لا يخرج عن كونه تكتيكا لشق المقاومة تمهيدا لسحقها كلها. لذلك يجب على كافة الفصائل المجاهدة، خصوصا البعثيين والاسلاميين، تعزيز وحدتهم الجهادية، والرفض التام وغير القابل للمساومة ابعاد المجاهدين العرب، لانهم، ورغم قلة عددهم، رمز للوحدة العربية وتعزيز للانتماء القومي العربي ولوحدة المصير العربي، إضافة إلى كونه تعبير عن وجود اسلام ثوري لا يساوم ولا يهادن اعداء الامة مهما اختلفت أسماءهم.

وعلى المستوى الاخلاقي ليس من الممكن، بأي شكل وصورة، ان نقول لمن اختار الجهاد في سبيل الله والعروبة وضحى معنا : مع السلامة يجب ان تخرج من العراق! هذا موقف لا قومي ولا اسلامي ولا اخلاقي ولا انساني، ويجب التصدي له بقوة بتأكيد ان المقاومة الوطنية العراقية، بكافة فصائلها الجهادية، هي جبهة واحدة متماسكة، اما ان تقبل امريكا التفاوض معها كلها، وبكافة اطيافها، او ان تختار الاستمرار في الحرب الى ان تهزم في النهاية رغما عنها. انني اقول لكم ان الحديث عن استبعاد المجاهدين العرب، او طردهم من العراق حديث تأمري خطير يجب رفضه ورفض الاصغاء لمن يطرحه ايا كان وتحت أي تبرير او تسويق.

إن الوقت هو وقت تعزيز وحدة المجاهدين، فبعد ان اقتربنا من النصر لا يجوز ان نهدم ما بناه شعبنا بتضحيات أبناءه ومجاهديه من كافة الفصائل. الاهم من هذا، والاخطر من هذا، هو ان تجربة العراق الجهادية قد حققت ما فشلت كل القوى الوطنية في تحقيقه خلال ربع القرن الاخير، وهو قيام تحالف عريض بين القوميين العرب، وطليعتهم البعث، والحركات الاسلامية. لقد ادت غلبة الانانية التنظيمية والايديولوجية، والانغلاق الفكري وقصر النظر، لدى القوى السياسية،الى بقاء الانقسام الوطني، وهي الثغرة الاعظم التي نفذت منها امريكا والغرب و"اسرائيل"، فوصلنا الى ما نحن فيه من احتلال وتمزق ودمار. لذلك يجب ان لا نتوهم جميعا بان أي منا قادر لوحده على مواجهة التحديات الخطيرة والشاملة، والتي تتمثل في تحالف امريكا مع اوربا (نعم اوربا هي مع امريكا مهما كانت الخلافات بينهما حينما يتعلق الامر بالامة العربية) والصهيونية العالمية ضد الامة العربية والعالم الاسلامي.

ان كلمة السر الوحيدة التي تضعنا على طريق السلامة والنصر، واكمال متطلبات الحصانة الوطنية، هي وحدة القوى القومية والاسلامية، بصفتها القاعدة التي يجب ان تسند التحالف الاوسع لكل الوطنيين المناهضين للاستعمار والصهيونية. فهل نفرط بالتحالف التاريخي الذي قام بين البعث والاسلاميين ونعود الى عهد الاحتراب الداخلي، والذي لن تستفيد منه سوى الصهيونية والاستعمار الغربي؟ اننا نتقدم نحو عصر جديد هو عصر الشعوب الحرة، وستكون مفارقة مأساوية ان اولئك الذين شقوا طريق الانسانية نحو الحرية ودحر الاستعمار الامريكي، انطلاقا من العراق الثائر، قد فشلوا في تحقيق وحدتهم! ان العالم ينظر الى الثورة العراقية بصفتها رافعة الحرية والحادلة التي تعبد الطريق بالمقاومة المسلحة لكل الشعوب الاخرى كي تقاوم أقسى استعمار ظهر في التاريخ وهو الاستعمار الامريكي، وتدحره وتخلص الانسانية من شروره المتطرفة.

لا خيار امامنا سوى الوحدة الستراتيجية والمبدأية، والتي تغطي مراحل تاريخية طويلة جدا، بين البعثيين والاسلاميين واليساريين والناصريين وغيرهم، ومن دون هذه الوحدة سيتحول العراق المنتصرالى قلعة محاصرة مستنزفة من الداخل سرعان ما سينجح الغرب الاستعماري والصهيونية في اختراقها واحتلالها من جديد. فهل يرضى أي مجاهد، سواء كان بعثيا او اسلاميا او ناصريا او يساريا، بتلك النتيجة الكارثية؟ وهل ضحى شعب العراق، كما لم يضحي شعب اخر في التاريخ، كي يعود الاحتلال الى العراق من شباك التناحر بعد ان طرد من باب الوحدة الوطنية؟ ان ارواح الشهداء والضحايا من النساء والرجال والاطفال الذين تحملوا قساوة الاحتلال لن تغفر لنا ان لم نرتقي الى مستوى نداء التاريخ والضمير والمصلحة الوطنية.

ولتحقيق ذلك يجب ان يسمع الاحتلال ردا واحدا لا غير : المقاومة العراقية متمسكة بالمجاهدين العرب وهم جزء اصيل منها ومن يريد التفاوض فليتفاوض دون هذا الشرط وعليه ان يقبل بما تطرحه المقاومة.

لا تنازلات لامريكا المهزومة

علينا ان لا ننسى حقيقة فرضت نفسها بقوة، وهي ان امريكا لم تطلب التفاوض الا لانها هزمت شر هزيمة، وان استمرارها في الحرب سوف يقود ليس فقط الى انهيار مشروعها الامبراطوري الكوني برمته، بل الاخطر والاهم، من زاوية مصير الجنس البشري، هو ان اخطر وحش مفترس ظهر في التاريخ، وهو امريكا، يقترب من الانهيار الداخلي، ليتمزق شر ممزق. هذه حقيقة واقعية وليست موقفا عاطفيا دعائيا، فالذي اجبر امريكا على ابتلاع حذائها هو انها تتقدم بسرعة على طريق الانهيار الحاسم، بسبب ما تتعرض له في العراق من استنزاف في جسد الاهها الاوحد الدولار. ان الاعلان، طبقا لصحيفة الجارديان البريطانية كما سنفصل لاحقا، عن ان خسائر امريكا في العراق ستصل قريبا الى تريليوني دولار هو احد اهم مقدمات الانهيار الداخلي، والذي، اذا استمرت حرب تحرير العراق، سيتخذ شكل انهيارات مالية مدمرة وصاعقة، سيعقبها تمزق امريكا وتحولها الى دول متعددة تنشب بينها حروب دموية للاستيلاء على موارد الثروة.

ويكفي ان نذكر هنا ان نشرة (تقرير واشنطن) الامريكية الرسمية (العدد 40، 7 يناير/كانون الثاني 2005) قد اعترفت بان الدين العام الامريكي قد وصل الى رقم فلكي ومدمر، تقول النشرة (بلغ الدين الأمريكي العام معدلا قياسيا هو8.2 تريليون دولار في نهايات شهر سبتمبر2005، ومع وصول عدد سكان الولايات المتحدة لما يقرب من 298 مليون نسمة، يبلغ نصيب المواطن الأمريكي من الدين القومي 27.500$ دولار)! أي ان كل فرد امريكي مدين بالمبلغ المذكور اعلاه! ان هذا الدين مرشح للزيادة بسرعة هائلة وغير مسبوقة كما حصل في فترة الغزو، وهو ما اكدته صحيفة الغارديان البريطانية التي ذكرت، يوم 7 – 1 – 2006، نقلا عن تقرير لخبراء اقتصاد أمريكيين، إن التكلفة الحقيقية التي ستتكبدها الولايات المتحدة جراء حرب العراق من المرجح أن تتراوح بين ألف مليار دولار [تريليون] وألفي مليار دولار، بزيادة 10 أضعاف عن تقديرات سابقة.

وخلصت الدراسة، التي شملت تكاليف مثل الإعاقات مدى الحياة والرعاية الصحية للجنود المصابين في الحرب وأثر الحرب على الاقتصاد الأمريكي، إلى أن الحكومة الأمريكية مستمرة في وضع تقديرات منخفضة للحرب. وقالت الصحيفة: إن التقرير الذي كتبه جوزيف ستيجليتز أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، الذي فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد 2001، والخبيرة الاقتصادية ليندا بيلميس من المرجح أن يضاعف من الضغوط على البيت الأبيض بشأن الحرب.

وهذا يعني تحديدا ان امريكا تأكل بالدين وتعيش بالدين، وان هذا الدين يعادل اكثر من 85 % من قيمة الناتج القومي الامريكي، والتي هي قيمة كل السلع المنتجة والخدمات المقدمة في امريكا! باختصار امريكا تستهلك اكثر مما تنتج، وتلك اول مقدمات انهيار الامبراطوريات العظمى كما اثبتت تجارب التاريخ كلها، رغم انها كانت في ذروة قوتها الانتشارية والعسكرية، كما هو حال امريكا الان.

ولمعرفة خطورة ودور الثورة العراقية المسلحة في هذا التطور يجب ان نذكر أن هذا الدين كان قبل غزو العراق حوالي اربعة تريليون دولار، مما يعني ان الاستنزاف الذي سببته المقاومة العراقية كان قاتلا ومدمرا لامريكا، في اخطر نقاط ضعفها : الاقتصاد والمال رب امريكا الاوحد، الذي ادى، أي الاستنزاف، الى تضاعف الدين العام، لانها فجرت تناقضات اخرى في الاقتصاد والمجتمع الامريكي. ان احد اهم قوانين النظام الراسمالي هو قانون بنيويته، أي انه يشكل بنية واحدة مترابطة، تتأثر أجزائها بأي تطور يقع في جزء منها، مثل نظرية الاواني المستطرقة. ويترتب على ذلك ان استمرار الثورة العراقية المسلحة عاما اخرا، مع ازدياد استنزاف امريكا، واستمرار حرمانها من استثمار نفط العراق لتمويل الغزو، ومواصلة تدمير محاولات بناء دولة بديلة عميلة تستخدمها درعا يحميها من الاستنزاف البشري، سيقود حتما الى انهيارات مالية واجتماعية مدمرة لوحدة امريكا، في وقت اقرب بكثير مما يتصور اشد المتفائلين بقرب الانهيار الحتمي للراسمالية الامريكية.

لذلك يجب ان نتذكر ليل نهار بان المقاومة العراقية هي التي تمسك بزمام المبادرة وليس امريكا، لانها تستطيع تحمل الحرب عاما اخرا، واكثر من عام، فيكون ذلك كفيلا بالحاق الدمار الكامل والشامل بامريكا من الداخل، وانهاء اكبر تجسيدات الشر التي ظهرت على الارض منذ خلق الانسان، وهي امريكا، لانها لاتتحمل عاما اخرا من الحرب. ما دور ذلك في التفاوض؟ من الواضح ان بامكان المقاومة ان تنتزع من امريكا ماتشاء من مطاليب بشرط ان لا تتعجل وان تطيل التفاوض حينما يبدأ، وترفض التنازل عن مطاليبها العادلة، وان يقترن ذلك بتصعيد العمليات المسلحة وتوسيع نطاقها وزيادة حرمان امريكا من استغلال النفط العراقي، وابقاء حدود الاحتلال والسلطة العميلة محصورة في قبر حديدي هو المنطقة الخضراء.

كلما طالت الحرب وتمهلت المقاومة ورفضت التفاوض، ومددت فترته اذا ابتدأ، كلما اجبرت امريكا على التنازل. والدليل على ذلك هو ان بوش، الرئيس الامريكي المتعجرف الرافض لاي تفاوض حتى عام مضى، اخذ يوسط اوربا، ودول عربية والامم المتحدة، من اجل التفاوض مع المقاومة، واجتمع مع وزراء الدفاع والخارجية الامريكيين السابقين لاخذ المشورة منهم حول افضل المخارج من كارثة العراق. فأطيلوا نفسكم، ايها المجاهدون، واسترخوا ولا تتعجلوا النهاية، ودعوا امريكا تنزف ملياراتها ودم أبنائها على ارض العراق. فكلما طال وقت حرب التحرير نضجت عوامل استسلام امريكا، خصوصا وانها لن تتحمل عاما اخرا من الحرب بالكثافة الحالية والحدة الحالية، لان الخيار الاخر، اذا رفضت الاستسلام، هو الانهيار الداخلي الكامل وزوالها من الخارطة. وتذكروا دائما ان اله امريكا الاوحد ومحفزها الاعظم هو المال.

المأسسة خطأ قاتل فاجتنبوه

كانت المقاومة الفلسطينية سيدة الموقف عربيا وعالميا الى ان اقنعت بالخروج من تحت الارض، وانشاء مكاتب وسفارات ومراكز بحوث ومقرات علنية، عندها بدأت حملة احتواء منظمة التحرير بكافة الطرق. وكانت النهاية هي تحول المنظمة الى كيان ككل الكيانات العربية، وبثغرات اكبر واخطر، مما سهل اقنتاصها وقنصها وقص اجنحتها! وهنا لابد ان نوضح بان المسؤولية لاتقع كلها على المقاومة الفلسطينية، بل يجب التاكيد على ان الانظمة العربية تتحمل المسؤولية الاولى لانها هي التي اقنعت المقاومة بالخروج من تحت الارض دون ان تقدم لها الضمانات الكافية او الصحيحة لحمايتها. كما ان الوضع الدولي كان يشجع على الخروج من تحت الارض والعمل علنا. ورغم هذه الحقائق كان يجب على المقاومة الفلسطينية ان تقرر خروج جزء منها وبقاء الجزء الاخر تحت الارض، لان وجود حركة تحرر فوق الارض، ممثلة بمؤسسات، مثل المكاتب وناطقين رسميين وعناوين معروفة، يسهل تصفيتها سواء بقفازات حريرية او بقبضة حديدية.

على المقاومة العراقية المسلحة ان تتجنب المأسسة الان وبعد التحرير مباشرا، ولفترة طويلة نسبيا، وتأخذ العبر من تجربة شقيقتها المقاومة الفلسطينية، مع ملاحظة ان الظروف الاقليمية والدولية قد تغيرت جذريا لصالح اعداء التحرر، وغاب الطرف الدولي المؤيد لحركات التحرر على مستوى الحكومات، فاصبح الوضع اصعب بكثير واخطر بكثير من الوضع الذي نشأت فيه المقاومة الفلسطينية. ان الخروج فوق الارض ومأسسة المقاومة يعرضها الى التصفية الجسدية الدموية والحاسمة. هذه الملاحظة تورد هنا لان التفاوض مع الاحتلال قد يفضي الى اتفاق مهما كان جيدا فسوف يبقى فيه نقص يسمح باستغلاله من قبل امريكا، بعد خروج المقاومة العراقية واستلامها الحكم، او السيطرة عليه من خلف الستار، لضربها او احتواءها، اذا كانت تتعامل مع امريكا دون ان تتخذ احتياطات شاملة، منها تذكر حقيقة انها (أمريكا) تفاوضت مضطرة وفي عقلها قرار حاسم بلعب كل الاوراق المتاحة للانقضاض على المقاومة وتصفيتها حالما تسنح الفرصة.

بعد ان تسقط المقاومة كل الخيارات المتبقية للعب بها من قبل امريكا، مثل تطبيق (الخيار البريطاني)، أي تشكيل حكومة فيها وطنيين لا صلة لهم بالمقاومة، قد يكون الشكل المرجح للخطة الامريكية،، هو الموافقة على تشكيل حكومة من فصائل المقاومة، وسحب كل القوات الى الكويت وتركيا وبلد عربي اخر، وتركيزها هناك، واعدادها لحرب مختلفة عمادها القصف الجوي. بعد ذلك ستعمل أمريكا على اختلاق أي قصة او حجة لفرض حصار على العراق ومناطق حظر جوي، وتعلن شروط محددة يجب تنفيذها والا فان (حربا منخفضة الحدة) ستبدأ، وهي تشبه ما كان عليه وضع العراق تحت الحصار. وبذلك توضع الثورة المنتصرة امام عجز تام عن تنفيذ وعود اعادة العراق الى الوضع الطبيعي، ببنائه واقامة الامن وتوفير الاحتياجات الاساسية للشعب... الخ. واذا حصل ذلك فسوف تهتز ثقة الشعب بالمقاومة وحكومتها، وهنا يكمن الضعف القاتل الذي ستستغله امريكا للعودة الى غزو العراق بعد ان تفكك عناصر القوة العراقية تدريجيا.

ما العمل؟

ما هي الاحتياطات التي تمنع امريكا من التراجع عن تعهداتها، واختلاق حجج لتوجيه ضربات قد تكون مدمرة لحكومة المقاومة العراقية المقبلة؟ فيما يلي بعض الاحتياطات الضرورية جدا، والتي يجب ان توفرها المقاومة:

1 - ان اول واهم اجراء هو عدم كشف قيادات المقاومة الحقيقية، وابراز رموز معروفة او غير معروفة لكنها ليست من قيادات المقاومة، وتكليفها بالتفاوض والتحرك العلني وتشكيل الحكومة المؤقتة من شخصيات تختارها فصائل المقاومة، ويجب ان تكون ايضا من خارج الخط الاول في الفصائل المقاتلة. اذن الشرط الاول والحاسم لسلامة القوة الضاربة في المقاومة هو ابقاء القادة الحقيقيين تحت الارض، لضمان أحباط أي لعبة تصفية امريكية.

2 - ان يتضمن أي اتفاق مع امريكا اصدار قرار من مجلس الامن وفق البند السابع من الميثاق، والذي يخول استخدام القوة ضد من يخرقه، وان ينص القرار صراحة على عدة شروط او التزامات منها:

- يضمن المجلس بالاجماع عدم التدخل في شؤون العراق المحرر لاي سبب كان، ومن أي طرف كان.

- في حالة بروز خلافات بين حكومة الثورة وامريكا اوحلفائها تشكل لجنة تحكيم دولية تتألف من الاعضاء الدائميين واعضاء اخرين من دول العالم الثالث، وان يوافق العراق على تشكيلها ويساهم في اقتراح الاسماء، وان تكون قراراتها بالاجماع وليس بالاغلبية، وان لايصدر قرار من مجلس الامن حول العراق الا بموافقة هذه اللجنة. واخيرا ان تتعهد امريكا بالالتزام بقرارات اللجنة ويضمن ذلك بمصادقة الكونغرس الامريكي على انشاءها ويوافق على التزام حكومته بقراراتها.

- الاعادة الفورية لاسلحة الجيش العراقي التي سرقتها العصابات الكردية وايران وغيرها خصوصا الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات.

- الرفع الفوري لاي حصار او منع شراء اسلحة متطورة من أي طرف يختاره العراق، ويشمل الرفع كل انواع الحظر التكنولوجي والاقتصادي وغيرها.

- بسبب تدمير الجيش العراقي وحله اصبح العراق مكشوفا للتدخل المسلح من الخارج، خصوصا من قبل اكثر الاطراف خطرا مجاورا ومباشرا على العراق وهو يتحرر وهو ايران، لذلك، وفي حالة حصول تدخل في شؤون العراق من دول الاقليم او العالم، قبل اكمال اعادة بناء القوات المسلحة العراقية، فان من حق حكومة العراق ان تطلب قوات دولية تنشر على الحدود لمنع التدخل او رد العدوان على العراق، بشرط ان تكون تلك القوات تحت سلطة الحكومة العراقية الثورية، او على الاقل تنفذ ما تريد وتخرج متى قررت ذلك.

- انشاء صندوق تمويل دولي لاعادة اعمار العراق وفق خطة تضعها الحكومة العراقية تتحدد فيها اولويات الاعمار، ودون املاءات خارجية حول كيفية صرف الاموال.

- اعادة اموال العراق المجمدة او التي سرقت من قبل كافة الاطراف.

- الغاء كافة القرارات الدولية الخاصة بالتعويضات التي فرضت خلافا للقانون الدولي على العراق عقب ازمة الكويت.

- تقديم قروض ميسرة وبشروط خاصة لاستخدامها في اعادة الاوضاع الطبيعية الى العراق.

3 - اعلان تشكيل جبهة وطنية عراقية تضم كل مناهضي الاحتلال والذين لم يتعاونوا معه، واقامة الحكومة الوطنية من ممثلين عن كل هؤلاء، لضمان ان تبقى مسؤولية الدفاع عن العراق على عاتق الجميع دون استثناء، وتلك هي الضمانة الاساسية للحفاظ على روح المقاومة والاستعداد لمواصلة التضحيات من اجل الحفاظ على مكاسب التحرير وتعميقها وتطويرها.

4 - رغم الجراح العميقة والمؤلمة يجب اصدار عفو عام منذ اللحظة الاولى للتحرير واعلانه في البيان الاول له، على ان لا يشمل من ارتكب جرائم بحق الشعب العراقي، وذلك لتامين تحييد او دعم قطاعات مهمة لم تقاوم الاحتلال الاستعماري او تعاونت لاسباب قهرية، وضمان انخراطها في مسيرة اعادة بناء العراق الحر، ولوضع حد نهائي لدورة الانتقام والانتقام المضاد القاتلة والمدمرة لاي وحدة وطنية راسخة ودائمة.

5 - دمج التنظيمات العسكرية للمقاومة بالجيش العراقي الوطني فورا او باجهزة الامن الوطني المتعددة، وتحويل التنظيمات المدنية المرتبطة بها الى احزاب سياسية.

6 – إنشاء مجلس شيوخ يضم بالتعيين كل الشخصيات الوطنية العراقية وقادة الاحزاب وذوي الخبرات وشيوخ عشائر وعلماء الدين ووزراء متقاعدين، وان يكون جزء من المجلس الوطني (البرلمان) المنتخب، من اجل الدمج بين المعايير الديمقراطية والخبرات والتأثيرات الوطنية المتراكمة لدى من قد لا يريدون خوض الانتخابات.

7 - التأكيد على ان الجبهة الوطنية هي التي تحكم العراق بكافة قواها وبغض النظر عن الطرف او الاطراف الفائزة في الانتخابات، وان يصبح الحكم والمعارضة جزءان يكمل احدهما الاخر في مواجهة المخاطر والمؤامرات التي ستصبح اخطر واشد بعد التحرير.

 

الاستناد على الشرعية العراقية

حينما وقع الاحتلال كان هناك نظام وطني يحكم العراق، معترف به دوليا واقليميا وعربيا، وحقق للعراق انجازات عظمى لم يحققها نظام قبله، وكان سبب اسقاطه هو سياساته الوطنية ورفضه التفريط بمصالح العراق والامة العربية وليس لاي سبب اخر. لذلك فانه ليس من المصلحة الوطنية التفاوض مع الاحتلال على اساس ان النظام الوطني قد ذهب، وأن ما قام به الاحتلال امر واقع يجب البناء عليه والانطلاق منه، ببناء دولة جديدة ونظام جديد، وعدم اعادة بناء الدولة التي دمرت الكثير من اجهزتها، وباستبعاد النظام الذي نزل تحت الارض. هذا الموقف يعمق الجراح القديمة، بإضافة جرح جديد، ربما يكون اكثر خطورة من الجروح السابقة. ما هو السبب في ذلك؟

ان اول ما سيترتب على ذلك هو اقتناع البعثيين، وهم يمثلون اكبر وأقوى حزب وطني في العراق، وكل منصف وموضوعي بان الخلافات بين القوى الوطنية اكثر تأثيرا في القرارات المصيرية للبعض من تأثيرات واعمال الاحتلال الاستعماري للعراق. كما ان موقفا كهذا يطمس حقيقة خطيرة وهي ان مكافأة البعث على موقفه الوطني الصلب وتضحياته، وابرزها رفضه المساومة على سيادة واستقلال ومصالح العراق والامة العربية، واختياره فقدان السلطة والتعرض لأشنع حملة ابادة جسدية، هي تراجع بعض الوطنيين عن اعترافهم السابق بشرعية نظامه الذي اسقطه الاحتلال، وعدم دعمه والتضامن معه والنضال سوية من اجل التحرير وعودة الشرعية العراقية، كما تقتضي المصلحة الوطنية والالتزام الاخلاقي! وهو امر عرفته كل الشعوب التي تعرضت للغزو الاجنبي حيث دعمت القوى الاخرى الحكومة الشرعية التي اسقطها الاحتلال في نضالها المشروع من اجل استعادة السلطة، رغم وجود خلافات عميقة معها.

ربما يقول البعض: ولكن كان البعث منفردا بالسلطة ولا يسمح لغيره بمشاركته فيها، فهل ندعمه من اجل ان يعود للسلطة ويمارسها منفردا؟ ان هذا السؤال منطقي ومشروع تماما رغم ان انفراد البعث بالسلطة لم يكن مسؤوليته وحده، ولكنه، وطبقا للاولويات الوطنية يجب ان يتراجع ويصبح خلف سؤال اهم وهو: اذا رفضنا عودة البعث فما هو البديل؟ من المستحيل في ضوء ظروف العراق الحالية، والتي اكدتها فترة الاحتلال وما جرى فيها، قيام حكومة وطنية قوية من دون البعث، لان التشتت الذي تعاني منه القوى الوطنية العراقية وتعدد التنظيمات الصغيرة يجعل البديل الوطني لنظام البعث هشا وقابلا للاختراق بسهولة من قبل ليس امريكا فقط بل ايران وغيرها. وتلك حالة تعيد العراق، اذا سلم من التآمر الخارجي، الى مرحلة الانقلابات والصراعات الدموية بين القوى السياسية العراقية.

إن ما يحتاجه العراق المحرر هو حكومة قوية فيها قطب مركزي يملك تنظيما شعبيا متماسكا وقويا وخاض حرب التحرير بكفاءة واعد لمقاومة الغزو قبل حصوله، وهو البعث، وحول هذا القطب المركزي تلتف القوى الوطنية الاخرى، او تتحالف معه، في المرحلة الاولى من التحرير.

ويجب في هذا السياق ان نتذكر حقيقة جوهرية تنسف الحاجة لطرح السؤال حول فرضية انفراد البعث بالسلطة بعد التحرير، اذ انه اعلن في برنامجه السياسي والستراتيجي المنشور بانه يتبنى نظام التعددية الحزبية ويقبل بما تقرره صناديق الاقتراع، لذلك فان التخوف من انفراده بالسلطة غير مسوغ، لأن أصل التساؤل ودافعه لم يعودا موجودين. يضاف الى ذلك ان ثمة حاجة عملية صرفة لبديل وطني موجود وجاهز وقوي ومتماسك، وهذا البديل موجود، وهو الحزب ومنظماته الجماهيرية التي تغطي كل الساحة العراقية، واجهزة الدولة التي نزلت تحت الارض وبدأت المقاومة المسلحة، ومنها القوات المسلحة العراقية وقوى الامن الوطني، واجهزة الدولة الاخرى التي لولاها لما تميزت المقاومة العراقية عن كل مقاومات التاريخ في كونها الاسرع والاوسع والافعل والانجح، رغم انها لم تدعم من أي طرف دولي واقليمي. ويغالط نفسه من يظن ان هذه الاجهزة والهياكل لم تعد تخضع للبعث لان الواقع يؤكد العكس وهو ان منظمات ومكاتب الحزب تضم الان القوى الاساسية لكل هذه الاجهزة، خصوصا القوات المسلحة التي ترتبط الان بالمكتب العسكري للحزب وقيادته واجهزة الامن الوطني، ناهيك عن قوة الحزب التنظيمية والجماهيرية والتي تشكل عماد الاستقرار بعد التحرير، بفضل مئات الالاف من الانصار والاعضاء ومئات الكوادر المجربة والمدربة على القتال وادرة الدولة وحمايتها، والتي بقيت صامدة ضمن اطر الحزب بعد الغزو وتساقط الانتهازيين وطلاب السلطة.

ويترتب على هذه الحقيقة امر عملي يسهّل اعادة بناء اجهزة الدولة خلال ساعات بالنسبة لبعضها، وايام بالنسبة للبعض الاخر، واسابيع كأقصى حد، بالنسبة للبعض الثالث، وهكذا فان البديل الوطني للاحتلال موجود وتمسك به قيادة الحزب ويغطي كل العراق من الشمال الى الجنوب،عسكريا وامنيا وسياسيا وجماهيريا. سيكون ممكنا بمجرد دعوة افراد تلك الاجهزة من التلفزيون ان يعاد تشكيل قوى الردع الاساسية المطلوبة وان تبدأ عملها في اعادة الامن والنظام والخدمات الاساسية، وغير ذلك، في الساعات والايام الاولى للتحرير. والسؤال العملي هنا هو : ماذا سيحصل اذا حاول البعض القفز من فوق هذه الحقيقة؟

الجواب، وبافتراض ان البعث سوف لن يرفض ذلك ولن يقاومه، هو استمرار الفوضى واختراق حكومة التحرير، تماما كما يحصل للحكومة العميلة الان، لان بناء اجهزة دولة جديدة ليس ممكنا ان يتم في اشهر بل انه يحتاج لسنوات ولربما لعقود من الزمن، فهل تنتظر الثورة المسلحة اعواما من دون اجهزة دولة فعالة؟ بالتاكيد كلا لان الاعداء سيكونون متربصين بالوضع الجديد من كل جانب. وهنا يطرح السؤال المركزي نفسه : ايهما اقرب للوطنيين عودة الدولة الاصلية والشرعية بكافة اجهزتها لتنقذ العراق من الفوضى والانهيار الخدمي والامني، ثم احداث تغييرات متفق عليها فيما بعد لصالح مشاركة القوى الاخرى؟ ام التعرض للردة وعودة الاستعمار من الشباك بعد ان خرج من الباب؟

ان التحالف بين القوى الوطنية، من هذه الزاوية العملية، والاعتماد على قدرات البعث التنظيمية والعسكرية وخبرات كوادره، سيكون الضمانة الاساسية لخروج مكونات الدولة العراقية من تحت الارض خلال ساعات وعودة اجهزتها لضبط الوضع في العراق، ولمنع الردة ولاعادة عافية العراق بأسرع وقت ممكن ومتصور. فهل يمكن لاي وطني اغفال هذه الحقيقية لاي سبب كان والاصرار على بناء دولة جديدة والقفز من فوق البعث؟

أما إذا اعترض البعث ورفض أي صيغة تتجاوز على الشرعية العراقية، وهو ما سيحصل، ليس لانه يريد السلطة، فهذا امر اخر، بل لانه يدرك تماما بان تركه للامور لقوى محدودة الجماهير والخبرات وغير موحدة، وتبدأ تقريبا من الصفر في اعادة بناء الدولة، سيؤدي حتما، وبغض النظر عن النوايا، الى كارثة الاقتتال الداخلي وتفتيت العراق وتفاقم مأساة شعبه. فهل هذا هو لمطلوب؟ وهل يصل مفعول عقدة البعث الى حد التفريط بالعراق ومصالح وأمن واستقرار شعبه، بعد ان عانى ما لم يعانيه شعب اخر، من اجل ابعاد البعث عن السلطة والاعتماد على بديل غير قادر على ضبط الاوضاع، ويعرض الوطن لكارثة ستكون اشد ضررا من الوضع الحالي تحت الاحتلال؟

ربما يجيب البعض بان امكانية السيطرة على الوضع من دون البعث ممكنة، لكن هذا المنطق سيعيد العراق الى المربع الاول، أي الى مأساة الاحتراب العراقي – العراقي، والذي ابتدأ اعتمادا على اعتقاد بعض القوى انها قادرة على اقصاء الاخرين والانفراد بالسلطة ونجاحها في تحقيق استقرار واستمرارية الوضع بدون من أقصي. وهذا الاعتقاد اثبتت الاحداث انه كان خاطئا، بل كان القابلة التي ولدت كوارث العراق وخطرها أم الكوارث: الغزو الاستعماري الامريكي وتدمير العراق واهلاكه لأكثر من 300 الف من شعبه!

إن ما يحتاجه العراق هو التخلص من اسوأ انواع اللاعقلانية في التفكير السياسي لقسم من القوى والشخصيات السياسية، والاحتكام الى العقل والحسابات المنطقية الباردة، والتي هدفها ضمان اعادة بناء سريعة للعراق، على اسس جديدة تسمح لشعبه بالتمتع بالحرية والاستقلال والكرامة الانسانية والامن الاجتماعي والاقتصادي والتعددية السياسية والحزبية. ومن الواضح ان ذلك لن يتحقق باستمرار عقلية افشال المنافس والمخالف لنا حتى لو كان محقا وأكفأ منا، بل انه رهن بتجردنا جميعا من السلوك والتفكير اللاعقلانيين في العمل السياسي. فهل نرتقي لمستوى نداء العراق وهو يقترب من التحرير لكن شعبه خائف ليس من عودة الاستعمار بل من خفايا ونوايا وانانية وطنيين رفاق لنا واخوة معنا!

ويجب ان نتذكر جميعا حقيقة تبلورت في مجرى نضال شعبنا الحالي من اجل التحرير وهي ان شعبنا قد غفر لكل الوطنيين المقاتلين ضد الاحتلال أخطاءهم السابقة، لانهم يصنعون تحرره بدمائهم ويسطرون ملاحم تأريخية تمسح اخطاء الماضي وخطاياه، لكنه لن يغفر ولن يسامح ابدا، اذا تكررت الاخطاء الان وبعد التحرير، وابرزها الاقتتال على السلطة والاستسلام للانانية واللاعقلانية ووضع (الانا) فوق وقبل (النحن)، مما يؤدي الى فتح ابواب العراق مجددا لكل خنازير وضباع العالم لينهشوا شرف امهاتنا واخواتنا وبناتنا، ويدمروا تاريخنا وحاضرنا ويسودوا ويسدوا مستقبلنا. فهل نحن ابطال في تفكيرنا العقلاني مثلما نحن ابطال في مقاتلة العدو؟

 

توقيع ميثاق شرف وطني

وأخيرا، فان الاقتران الشرطي بين نجاح العراق المحرر في احباط مؤامرات الردة والتدخل الخارجي، وبين الحفاظ على وحدة القوى الوطنية العراقية، يجعل من الضروري جدا توقيع ميثاق شرف وطني يتضمن الخطوط العامة لإستراتيجية التحالف الوطني الذي سيحكم العراق، وفي مقدمتها واهمها تحريم التأمر واللجوء للقوة بين القوى الوطنية، والاحتكام دائما لوسيلتي الحوار الطويل النفس، والحوار فقط لا غير، عند حل المشاكل والخلافات، وصناديق الاقتراع عند تقرير من يحكم او يكون على راس الحكم. ان هذا الميثاق سيكون الدرع المتين الذي سيحمي العراق من مخاطر النزعات التآمرية والانفراد بالسلطة، والتي كانت مصدر كوارث العراق منذ عام 1958 والباب الذي دخل منه كل اعداء الامة العربية والعراق. لذلك يجب ان يكون توقيع الميثاق قبل التحرير، لانه سيوفر عنصر بناء الثقة بين القوى الوطنية العراقية وسيسمح بقيام كل الاطراف بنقد تجربة نصف القرن الماضي براحة واقتناع وبعيدا عن اجواء الشك والخوف من الاخر.

ونكرر مرة اخرى: ان مرحلة ما بعد التحرير ستكون اخطر واصعب من الوضع الحالي بكثير، لان اعادة البناء ستتم في اجواء التامر الاقليمي والدولي على العراق المنتصر، ولايمكن التغلب على كل تلك التحديات الا بقيام وحدة وطنية راسخة ودائمة تمنع استغلال طرف وطني او اكثر ضد الاخرين من قبل امريكا وغيرها، كما حصل في نصف القرن الماضي. وهذه الحقيقة تجعلنا جميعا نعّود انفسنا منذ الان على ثقافة تبادل السلطة بين اطراف التحالف وفقا لنتائج الانتخابات الدورية، الامر الذي يجعل توفير مناخ الثقة شرطا حاسما وحتميا ويمكن ان تكون اهم خطوة في هذا الاتجاه هي توقيع ميثاق شرف وطني.

عاشت الثورة العراقية المسلحة.

عاشت وحدة المقاومة المسلحة القاعدة الاساسية للوحدة الوطنية العراقية.

عاشت جبهة الاتحاد الوطني العراقية املنا في النصر وتأمين استقرار العراق المحرر.

عاشت الفصائل الجهادية كلها بعثية واسلامية وقومية ويسارية.

عاش علماء الدين حاملي بندقية الجهاد في مقراتهم القتالية في الفلوجة والنجف.

عاش شيوخ العشائر الذين صانوا العرض بالدفاع عن الوطن وخدمة مقاومته المسلحة.

عاشت الماجدة العراقية تاج المقاومة المسلحة ورمز عزتها وتألقها الجهادي.

عاش مهندس المقاومة وامام المجاهدين السيد الرئيس صدام حسين فك الله اسره.

المجد والخلود للاكرم منا جميعا شهداء معركة الحواسم التي تخوضونها، فاتحة درب الحرية للعرب والإنسانية.

النصر أو النصر ولا شيء غير النصر.

أخوكم في حب الله ورفيقكم في البعث المجاهد

صلاح المختار

14/1/2005