الدور الحقيقي للزرقاوي في العراق

سلامة كيلة *

فرق الموت هي تلك المجموعات التي أسستها الولايات المتحدة في بعض دول أمريكا اللاتينية (مثل السلفادور وغواتيمالا والهندوراس) لبثّ الذعر وقتل الوطنيين والمدنيين، وإلصاق التهم بالقوى اليسارية التي كانت تقاتل ضد النظم العميلة الملحقة بالولايات المتحدة. ولقد ارتبطت بشكل ما بالسيد نيغروبونتي الذي أصبح سفيراً للولايات المتحدة في العراق لفترة وجيزة.

هل أن هذا النمط من العمل المخابراتي قد انتهى؟ أم أن خبرة ممارسته في أمريكا اللاتينية يمكن أن تكون قد أفادت في نقله إلى أماكن أخرى؟

منْ يتابع عمليات ما يسمى "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، وتركيزها تحديداً على قتل المدنيين، وعلى استثارة حرب طائفية، دون ممارسة أي عمل عسكري ضد القوات الأمريكية المحتلة، يقف متسائلاً عن الدوافع التي تفرض ذلك، ولماذا قتْل المدنيين بهذا الشكل البشع؟ فبغضّ النظر عن الفتاوى الفقهية المستمدة من ابن تيمية أو من محمد بن عبد الوهاب، كيف يمكن أن يجري تجاهل الاحتلال، والتركيز على الحرب الطائفية التي تخدم وجوده؟

هذه تساؤلات، ربما كانت خطرت على أذهان الكثير ممن يتابع الشأن العراقي، وربما أيضاً أثارت تساؤلات لدى الذين يتطوّعون للقتال في العراق ضد الوجود العسكري الأمريكي.

وإذا دققنا في الرؤية الأمريكية لوضع العراق سنلحظ موقع هذا التنظيم فيها، وسيبدو أنه الشكل الجديد لفرق الموت وأكثر، وإذا كان تخريب المقاومة العراقية عبر إغراقها بعمليات مجرمة باسمها، هو هدف أمريكيّ بامتياز، من أجل إرباك المقاومة وتشويهها، وتأسيس رفض شعبيّ لها، فإن المسألة أكبر من ذلك كذلك. فهذا الهدف أساسيّ لإرباك المقاومة، ومنع نشوء مقاومة شعبية خوفاً من "السيارات المفخخة" والاستهداف والقتل العشوائي، لكنه يأتي في سياق أشمل يتعلّق بالتأسيس لحرب طائفية تقود إلى تفكيك العراق.

حيث يأتي التحريض الطائفي في سياق الرؤية الأمريكية التي عملت منذ البدء على التعامل مع العراق كمجتمع طوائف وأديان، وحوّلت الفيدرالية من شكل إداري إلى شكل طوائفي يقسم العراق على أساس توزّع الطوائف (إضافة إلى الأكراد في الشمال). وسلّمت السلطة للقوى الشيعية الأصولية التي أتت من الخارج مع الاحتلال الأمريكي.

لنلحظ كيف صُنِعت أسطورة أبو مصعب الزرقاوي. حيث كان مغموراً، وربما محدودون من "الأفغان العرب" كانوا يعرفونه، بعد أن انشقّ على معلمه أبو محمد المقدسي، وذهب إلى أفغانستان. لكن كان من "الأهمية" لأن يذكره الرئيس جورج بوش مرات عدّة بعد احتلال العراق مباشرة، رغم أن وجوده في العراق لم يكن مؤكداً، وبالتالي لم يكن يمتلك تنظيماً (ربما فقط مجموعة إسلامية كردية هي أنصار الإسلام). ولقد بدا عبر خطابات بوش أنه قائد أركان المقاومة العراقية والفصيل الأضخم فيها، والزرقاوي الشخصية الأكثر خطراً فيها، رغم أنه لا يمتلك من المؤهلات ما يجعله كذلك. لقد أصبح أكثر أهمية من صدام حسين، ومن كلّ القوى التي بدأت المقاومة بعد أيام من الاحتلال، وأؤكد: رغم أنه لم يكن يمتلك لا القدرة ولا القوى!!.

ومن ثمَّ بدأ الإعلام يتجه إلى التركيز على أبي مصعب الزرقاوي، وعلى عملياته المثيرة للشكّ. وأصبح يبدو (في الإعلام) أنه القوّة الأساسية المقاوِمة. وأصبح يُنسج ويصاغ كأسطورة، وكرمز، وهذه عملية صناعة معروفة يلعب الإعلام دوراً أساسياً فيها، فكيف إذا أصبحت المسألة تتعلّق باهتمام خاص من رئيس أقوى قوّة في العالم؟!. وسنلمس هنا أنه أصبح أكثر أهمية من بن لادن والظواهري اللذين تواريا ليظهرا بين الفينة والأخرى!!.

مَن يعرف من كلّ هؤلاء الذين قرّروا الاستشهاد أهداف أبو مصعب الزرقاوي بالضبط؟ أعتقد أن لا أحد.

هذا الرسم الأسطوري لأبي مصعب الزرقاوي كان مقصوداً من قِبَل الولايات المتحدة، وكان يهدف إلى أن يتحوّل إلى رمز يمكن أن يستقطب قطاعات أصولية لتتحوّل (بالاستناد إلى هشاشة وعيها) إلى قوّة في مشروع أمريكي، وهو مشروع الفوضى وتشويه المقاومة والدفع باتجاه حرب طائفية. الأمر الذي يكرّس الاحتلال ويضمن بقاء القوات الأمريكية لعقود طويلة في بلد ممزّق. كما يسهم في نهب النفط دون التفاتٍ من الشعب العراقي المنهك، ودون انتباه منه كما يجري الآن.

لهذا فإن ما يسمى "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" هو فرق الموت الأمريكية. وإذا كانت بعض تنظيمات المقاومة العراقية باتت تتنبّه لخطر دوره، وإساءته للعراق وللمقاومة، فإن موقفاً واضحاً يجب أن يؤخذ منه دون تردد، انطلاقاً من أنه فرق موت أمريكية.

* كاتب وصحافي من فلسطين المحتلة (رئيس تحرير موقع أجراس العودة)