القذافي.... ورقصة التعري

التنازلات المتتالية...من عرفات.. إلى القذافي

بقلم: الدكتور عبد الإله الراوي *

حسب معلوماتنا أن أول من قام بتقديم رقصة التعري، ممن يطلق عليهم القادة العرب، هو أبو عمار ياسر عرفات رحمة الله عليه.

ولكن قبل أن نطرح هذا الموضوع على المستوى السياسي، يحلو لنا أن نقوم بمحاولة معرفة أصل كلمة "ستربتيز" التي نعتقد بأن أصلها عربي، لأنه بموجب هذه الرقصة فإن الشخص الذي يقوم بهذه الرقصة ينزع كافة ملابسه عدا تلك التي تستر ما بين الساقين. والعامة في كثير من البلدان العربية يطلقون على هذه المنطقة "الطيز" الإست أو الفرج. ولذا فإن الرقصة هي " ستر الطيز".

وطبعا لم نجد هذه الكلمة في المعاجم العربية ولكن وجدنا كلمات مقاربة وتتضمن نفس المعنى تقريبا وإن العامة حوروا الكلمات أو قاموا بإبدال الحرف الأخير كما سنرى.

حسب ما ذكره ابن منظور في لسان العرب:

- طزع: رجل طزع وطزيع وطسيع وطيسع: لا غيرة له. والطزع: النكاح.

إذا العامة ربما أخذوا كلمة "الطيز" من الطزع. وأرادوا به موضع النكاح. ومنها جاءت كلمة "طز" أي الشخص الذي لا قيمة له، وهو الذي لا غيرة له كما ذكر ابن منظور.

- طوس: طاس الشيء طوسا وطئه. والطوس: الحسن. وقد تطوست الجارية: تزينت. ويقال  للشيء الحسن: إنه لمطوس، والطاؤوس في كلام أهل الشام الجميل من الرجال.

وربما أخذ "الطيز" من المعنى  الأخير.

- الطاط والطوط والطائط: الفحل المغتلم الهائج. وطاط الفحل الناقة يطاطها.

بعد أن قدمنا الجانب اللغوي نعود إلى الجانب السياسي، فيقول أحد الكتاب "الستربتيز آلية تأهيل تشترطها أمريكا على من يخنعون لأوامرها، ويطمعون في حمايتها، ومن يتشهون العيش بالطريقة التي تروج لها، ومن يختارون أسهل السبل لنيل الرضا" (رشاد أبو شاور: ستربتيز في السفارة، صحيفة الحقائق. 29/7/2005).

وهناك "الستربتيز" الوطني: والذي يطلق عليه أحد الشعراء الفلسطينيين "حالة نفل الوعي". أي تدريجيا. فيقول مثلا: في البداية يطلقون – على العمليات استشهادية.. ثم فدائية.. ثم تفجيرية.. ثم إرهابية.

(زهر أبو قاعود: في مقابلة مع الشاعر الفلسطيني الكبير المتوكل طه. عرب اون لاين. 21/8/2005).

نعود إلى موضوعنا حول "ستربتيز" عرفات، ولكن قبل ذلك يلزمنا توضيح تنازلات منظمة التحرير الفلسطينية التدريجي أو "الستربتيزي" عن المبادئ التي كانت ملتزمة بها أي الشعار المعروف "التحرير الكامل للتراب الفلسطيني من البحر إلى النهر".

نعم إن المنظمة المذكورة بدأت بتغيير سياستها الرسمية بعد حرب التحريك، وليس التحرير، التي قام بها السادات بناء على نصيحة صديقه كيسنجر في  تشرين الأول (أكتوبر) 1973، حيث تصورت منظمة التحرير في حينها أن الكيان الصهيوني ممكن أن يوافق على الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنه لا بد من الاستعداد لمثل هذا الاحتمال بعد الحديث عن إمكان تطبيق قرار مجلس الأمن 338.

ولذا فإن المجلس الوطني الفلسطيني أقر، في حزيران (يونيو) 1974، ولأول مرة في التاريخ الوطني الفلسطيني التخلي عن شعار (التحرير الكامل من البحر إلى النهر) برفع شعار (إقامة دولة فلسطينية مستقلة فوق جزء من أرض فلسطين). وفي المجلس الوطني الذي عقد في الجزائر، في 15/11/1988، تم النص على أن الدولة الفلسطينية المنشودة تشمل أراضي الضفة وقطاع غزة، كما أقر هذا المجلس الاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و338.

وفي 13/12/1988، انتقلت الجمعية العامة للأمم المتحدة مع ممثلي 159 دولة وبحضور 150 وزيرا للخارجية من نيويورك إلى جنيف للاستماع إلى خطاب ياسر عرفات بعد أن رفضت إدارة ريغن منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تهمة الإرهاب.

لكن الرئيس الفلسطيني قدم لوزير الخارجية الأمريكية ما يريده من إدانة واضحة للإرهاب وإقرار بوجود (إسرائيل) واعتراف صريح بقرار مجلس الأمن 242، وعلى هذا الأساس وافقت الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة على فتح جوار مباشر مع المنظمة.

وخلال مؤتمر صحافي عقده عرفات خلال إقامته في جنيف، رد الرئيس الفلسطيني على صحافي أمريكي حاول أن يطلب منه من جديد تأكيد قبوله غير المشروط بقراري مجلس الأمن 242 و338، أجابه ياسر عرفات: بالتأكيد قبلت... ماذا تريدون أكثر؟ لم يبق إلا الستربتيز.

وفي 2/5/1989، خلال زيارة رسمية لباريس، أعلن عرفات أن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح "كادوك" وهي كلمة فرنسية تعني الإلغاء أو عفا عليه الزمن بالتقادم. أو انتهى مفعوله بالتقادم.

(هشام القروي: هل لا يزال بالإمكان المطالبة بدولة ديمقراطية ثنائية القومية فلسطينية – (إسرائيلية). شبكة الانترنت للإعلام العربي 20/10/2004. وأيمن اللبدي: كادوك آخر وتنتهي القضية.... دار ناشري للنشر الالكتروني 4/7/ 2004. ورحيل أبي عمار السيد ياسر رفات. شبكة دار العلوم).

وكما نعلم ويعلم الجميع أن التنازلات استمرت وسوف تستمر بفضل الرئيس الجديد أبو مازن.

وبالمقابل أن الكيان الصهيوني لم يقدم لحد الآن أي تنازلات أو أي وعد حتى مجرد وعد بسيط لتطبيق أي من القرارات الدولية، وإن انسحابه من غزة ما هي إلا لعبة ذكية للضحك على ذقون قادة العالم، وبالأخص على القادة الفلسطينيين.

نعم لقد انسحب ليفرض سيطرته بشكل أقوى على القطاع وليقوم بقصفه وقتل من يشاء من المناضلين الفلسطينيين وتهديم المنازل على رؤوس قاطنيها من أطفال ونساء وشيوخ – وهذا الكيان هو الذي قدم هذا الأسلوب إلى قوات الاحتلال في العراق - دون تخوف من قيام المقاومة الفلسطينية البطلة بقصف المستعمرات الصهيونية التي قام بإخلائها.

والآن يريد إقامة منطقة عازلة على أراض داخل القطاع وليس في الأراضي التي يسيطر عليها.

ومن جهة أخرى فهو حالياً يعمل على بناء 228 مستعمرة جديدة في الضفة ("الجزيرة" 27 و28/12/2005).

إضافة لذلك فإن الكيان الصهيوني وأمريكا يعملان بجد لخلق حرب بين الفصائل الفلسطينية نفسها وذلك من خلال الضغط على محمود عباس بنزع أسلحة مناضلي (حماس) و(الجهاد الإسلامي).

وهكذا نرى أن الآمال التي بنى عليها (المجلس الوطني الفلسطيني)، عندما بدأ بتقديم التنازلات عام 1974، لم تؤد إلا لتقديم المزيد من التنازلات سدى.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قصر نظر القادة الفلسطينيين وسذاجتهم عندما أهملوا المقولة المعروفة "ما أخذ بالقوة لا يعاد إلا بالقوة".

ولذا بات "المشهد الفلسطيني مثيراً للإحباط بكل المقاييس، تسوده البلبلة والفراغ القيادي،.. السلطة الفلسطينية ضعيفة، منهارة، فاسدة ورئيسها بات فاقد الهيبة، غير قادر على ممارسة مهامه، ولا يحمل أي مشروع أو رؤية للمستقبل.... فليس صدفة أن يهدد خافيير سولانا الممثل الأوربي الأعلى للسياسة الخارجية بإعادة النظر بالمساعدات المالية الأوربية للسلطة الفلسطينية في حال فازت (حماس) في الانتخابات، ولم تقبل التخلي عن العنف. ومن المؤسف أن هذه التهديدات لم تواجه بشكل احتجاجي قوي من جانب السلطة ورئيسها، باعتبارها تشكل تدخلا في شؤون البيت الفلسطيني... الأوربيون الذين يمثلهم السيد سولانا لم يتدخلوا مطلقا لمنع الأحزاب العنصرية اليهودية المتطرفة من المشاركة في الانتخابات (الإسرائيلية)، ولم يعترضوا على دخول "الحاخام عفاديا يوسف" وكتلته الكنيست (الإسرائيلي) وهو الذي وصف العرب بالحشرات التي يجب سحقها، أو العنصري الآخر زئيفي الذي يطالب حزبه بطرد جميع العرب من "الدولة العبرية". (عبد الباري عطوان: مشهد فلسطيني مؤسف. القدس العربي. 21/12/2005).

نقول للسيد عطوان: إن من يقدم رقصة التعري، لا تؤذيه أو تثير حميته كلمة بسيطة، لأنه فقد كل ما يمت للكرامة بصلة. ولذا فإن رئيس السلطة المذكور لا يستطيع أن يحتج أو يناقش سادته، لأنة خاضع كليا لهم.

أما قضية المقارنة بين الموقف الغربي من حماس ومن الأحزاب الصهيونية المتعصبة.

فأنت تعلم جيدا من يسيطر على العالم. والموقف العربي المتخاذل.

وقبل أن نتكلم عن الرئيس الليبي معمر القذافي يجب أن لا نتنكر لمواقفه الشريفة المعارضة لغزو العراق، سواء في قمة القاهرة قبل الغزو الثلاثيني أو قبل وأثناء الغزو الصهيو – صليبي الأخير.

بالنسبة إلى ال "ستربتيز" الذي قام به النظام الليبي فإنه بدأ عندما قامت ليبيا بتسليم الذين يقال بأنهم متهمون، في قضيتي "لوكربي" و"و. ت. ا." في بداية شهر نيسان (ابريل) 1999.

ثم بعدها استمرت التنازلات عندما وافقت ليبيا إلى تقديم التعويضات لضحايا الطائرتين المذكورتين.

وآخر اتفاق تم حول التعويضات كان في 9/1/2004، في باريس والذي بموجبه تدفع الجمهورية الليبية مبلغ عشرة ملايين دولار عن كل ضحية.

إن المسؤولين الليبيين يحتجون بموقفهم هذا – وهم على حق – أن أي نظام عربي لم يقف إلى جانبهم ويقوم بخرق الحصار الذي فرض ظلما وعدوانا على هذا البلد العربي، ولكن قبل أن يتم الاتفاق النهائي على مبالغ التعويضات، وعشية اعتقال الرئيس العراقي صدام، قام العقيد القذافي، وبدون مبرر اللهم إلا لخشيته أن يتم الإطاحة به كما حدث في العراق، بعملية تعرية لا مثيل لها في التاريخ.

نعم لقد كشف عن كل ما لدى ليبيا من الأسلحة والتجارب لتطوير أو صنع أسلحة جديدة، ومنها المفاعل لصنع القنبلة الذرية، مما فاجأ العالم قاطبة، وبالأخص فإن كافة أجهزة المخابرات ومنها ال (سي. آي . أي) كانت تجهل جهلا تاما التقدم الذي وصلته ليبيا في هذا المضمار.

وهكذا قام النظام الليبي قام بعملية تعرية، غير حضارية، أي أنه خلافا لقادة منظمة التحرير الفلسطينية الذين قاموا بعملية " الستربتيز " بشكل حضاري، أي تدريجي ، فإنه قام بهذه العملية بطريقة مفاجئة وكاملة مرة واحدة تقريبا، هذا إذا استثنينا قضية تسليم المتهمين والموافقة على التعويضات.

ولكن من يقدم تنازلا واحدا كما رأينا يستمر دوما بتقديم المزيد، وهكذا نصل إلى التنازل الذي سوف لا يكون الأخير طبعا وهو يتعلق بموضوع الممرضات البلغاريات.

ولكن قبل أن نتطرق إلى التنازلات في هذا المجال ، نرى بأننا ملزمون بتقديم عرض موجز عن الموضوع:

في عام 1999 تم احتجاز خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، بعدها تم إحالتهم إلى المحكمة المختصة في مدينة بنغازي، بتهمة قيامهم بحقن 426 طفلا، في مستشفى بمدينة طرابلس، بفيروس ناقل لمرض القضاء على المناعة المكتسبة "الايدز".

وفي عام 2004 أصدرت المحكمة حكما بالإعدام بحق الممرضات الخمسة والطبيب الفلسطيني بتهمة نشر الفيروس المسبب لمرض "الايدز"، إلا أن المحكومين دفعوا بتعرضهم للتعذيب للاعتراف بالجريمة، وقاموا باستئناف الحكم.

ضغوط دولية على ليبيا

واجهت ليبيا - في هذه القضية - ضغوطا غربية مساندة لبلغاريا، مستندة إلى آراء عدد من كبار الأطباء المتخصصين في مكافحة الإيدز، بينهم مكتشف الفيروس د. (لوك مونتاغنير)، الذي شهد أمام المحكمة الليبية لصالح الممرضات وقال: "إن العدوى انتقلت للأطفال بسبب تلوث داخل المستشفى كان موجودا قبل وصول الممرضات"، وهو ما نفته السلطات الليبية بشدة.

في الوقت نفسه، حثت منظمة "هيومان رايتس ووتش" - التي تتخذ من نيويورك مقرا لها - المحكمة الليبية العليا على إلغاء حكم الإعدام، وقالت متحدثة باسم المنظمة: إن لديها مزاعم "تشير إلى أن العاملين الأجانب تعرضوا للتعذيب، وأنه يتعين على المحكمة الليبية أخذ ذلك في الاعتبار، وأن تسقط حكم الإعدام".

وفي العاصمة الفرنسية باريس، تظاهر عشرات الأشخاص، للمطالبة بالإفراج عن المتهمين في القضية، ونظمت هذه المظاهرة بمبادرة من المغنية الفرنسية من أصل بلغاري "سيلفي فارتان".

بوش وتدخله المباشر في القضية

قال بوش، خلال اجتماعه مع الرئيس البلغاري جورجي بارفانوف في البيت الأبيض الاثنين 18/10/ 2005، "يفترض أن تكون الأمور واضحة لدى الحكومة الليبية"، مضيفا أن الممرضات "لا يجب أن يحصلن على العفو فحسب بل أن يخرجن من السجن أيضا"!.

وأضاف بوش "أن موقف الولايات المتحدة يتمثل في وجوب الإفراج عن الممرضات. لقد أبلغنا موقفنا إلى الحكومة الليبية، وسنستمر في جعل هذه الرسالة واضحة جدا"!!.

طبعا إن بوش وأكثر الغربيين لا يذكرون إلا نادرا الطبيب الفلسطيني.

رد الفعل الليبي كان، ظاهريا، صارما على مطالب بوش، وإن وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم  صرح أن بلاده "لا تقبل تلقي تعليمات من أحد"!.

وقال الوزير المذكور في حديث إلى قناة "الجزيرة" عن دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش ليبيا إلى إطلاق سراح خمس ممرضات بلغاريات حكم عليهن بالإعدام في  أيار (مايو) 2004: "هذه أمور قضائية لا تتخذ فيها قرارات سياسية"!!.

وتابع الوزير الليبي في كلامه عن الممرضات البلغاريات "أنهن متهمات بقتل أبرياء وحكمت عليهن محكمة مستقلة"، مضيفا أن القيادة الليبية "لا تتدخل في القضاء ولا يستطيع معمر القذافي أن يصدر قرارا بالإفراج عنهن إطلاقا".. وأضاف شلقم "نحن لا نقبل أن يفرض علينا أحد قرارا أو يعطينا تعليمات"، أي أن الخارجية الليبية اعتبرت ذلك يمس القضاء، وأن الدبلوماسية لا يمكنها التدخل باتخاذ قرارات سياسية، في قضية تخص القضاء.

كان موقف السلطات الليبية بمثابة الرفض المقبول لترويجه أمام أصدقائها الدوليين، فهي لا تستطيع رفض المطالب الغربية بشكل مباشر خشية من فقد أصدقاءها، ولا هي تريد الإعلان عن تدخلها بشكل مباشر وعلني في شأن داخلي يمكن أن يثير عليها زوابع لا تحمد عقباها، ولذلك راحت السلطات الليبية تلقي بالقضية برمتها في ملاعب أطرافها، وطالب وزير الخارجية الليبي السلطات البلغارية بالتوصل إلى اتفاق مع أهالي الضحايا، لإغلاق ملف القضية.

على جاب آخر كان أهالي الأطفال الضحايا يرفضون التعويض المادي، ويطالبون بتطبيق حكم القضاء، وإنزال عقوبة الإعدام، في حق الممرضات البلغاريات، اللاتي تسببن في حقن الأطفال بفيروس الإيدز.

وهكذا رأينا أنه، في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، عندما أرجأت المحكمة الليبية العليا النظر في القضية لإتاحة المزيد من الوقت أمام هيئة الدفاع لتقديم أدلة جديدة، قام أقارب الضحايا الغاضبون بإلقاء الحجارة على الشرطة وهتفوا مطالبين بإعدام من وصفوهم بـ (قتلة الأطفال) مما اضطر الأوربيون الذين حضروا المحاكمة بمغادرة المحكمة من الباب الخلفي.

(مصطفى رزق: الممرضات البلغاريات في ليبيا.. قضية مزدوجة. الجسر. نل. بتاريخ 1/12/2005) ، وطرابلس - من عفاف قبلاوي: المحكمة الليبية تقرر إعادة محاكمة. ميدل اسيت ون لاين. 26/12/2005. وشبكة أخبار ليبيا: 29/12/2005).

وبتاريخ 25/12/2005، قررت المحطمة الليبية العليا نقض الحكم الصادر في هذه القضية وأمرت بإعادة المحاكمة من قبل دائرة أخرى، ما أثار ارتياحا في صوفيا.

وأكد وزير الخارجية الليبي عبد الرحن شلقم أن الحكم "صادق وموضوعي في إطاره القانوني" وأنه لا توجد أية صفقة سياسية في هذا الموضوع"!!!.

وبعد جلسة استمرت ساعة لم يحضرها المتهمون تلتها جلسة مداولات بين القضاة والمستشارين، أمرت المحكمة بإعادة القضية إلى "محكمة الجنايات في بنغازي شرق للنظر فيها من قبل دائرة أخرى!!!.

وفور إعلان القرار الذي جرى بعد جلسة عقدت وسط إجراءات أمنية مشددة في طرابلس، عبرت السلطات البلغارية عن ارتياحها لإعادة المحاكمة، معتبرة أنها "فرصة جديد لإطلاق سراح الممرضات الخمس والطبيب الفلسطيني المسجونين منذ أكثر من  سبع سنوات".

وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية البلغارية ديميتار تسانتشيف ان قرار المحكمة جاء بعد أن "أقرت بوجود مخالفات إجرائية". وأضاف إن "هذا القرار يعطي فرصة جديدة للحصول على ما يتمناه جميع البلغاريين"، أي إطلاق سراح الممرضات.

وأكد وزير العدل الليبي علي الحسناوي أن "محكمة النقض هيئة قانونية واعتبرت أن هذا الحكم بحاجة إلى نقض وإعادة الفصل من جديد في هيئة أخرى غير الهيئة السابقة".

وأوضح أن بدء المحاكمة الجديدة سيتم "خلال شهر على الأكثر".

وأكد وزير العدل الليبي انه "لا توجد أية خلفية سياسية حول هذا الحكم".

أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد أشادت  بالقرار "الايجابي" الذي اتخذه القضاء الليبي والقاضي بإعادة المحاكمة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن "هذا القرار يشكل تطورا ايجابيا  لأنه يزيل خطر تطبيق عقوبة الإعدام".

وذكر المتحدث بأن "المجتمع الدولي يعمل مع ليبيا بغية التوصل إلى حل شامل"، وقال: كما ذكرنا سابقا، "لا بد من إيجاد وسيلة تمكن أفراد هذا الفريق الطبي من العودة إلى وطنهم".

علما بأنه تم، يوم الجمعة 23/12/2005، أي قبل صدور قرار المحكمة الأخير بيومين، اتفاق  بين طرابلس وصوفيا لإقامة صندوق للتعويضات لمصلحة الأطفال الليبيين المصابين "بالايدز" وأسر الذين توفوا بالمرض، بمشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا. (عفاف قبلاوي: الكلمة المذكورة أعلاه).

علماً بأن الشعب الليبي رفض هذا القرار وعمت الجماهيرية مظاهرات حاشدة مطالبة بتطبيق العدالة، أي تطبيق أقصى العقوبات بحق الذين قاموا بجريمة حقن الأطفال الليبيين بجراثيم "الايدز". (أحمد حسين: الهوان العربي في قضية الممرضات البلغاريات. التجديد العربي. 26/12/2005).

معذرة لقد أطلنا بشرح الموضوع، ولكننا مضطرون لذلك لسببين: الأول لغرض وضع القارئ في الصورة، والثاني لنكشف زيف ادعاءات المسؤولين الليبيين بعدم تدخلهم بشؤون القضاء.

علينا أن نؤكد هنا بأن القضية تحولت من كونها قضائية إلى سياسية، وأن السلطات الليبية اضطرت إلى تقديم مزيد من التنازلات منذ أن دس أنفه بوش في القضية، وإن هذه السلطات ليس أمامها أي مخرج آخر غير الرضوخ لأوامر بوش.

نعم فإنه قبل المحاكمة بأيام عرضت طرابلس إلغاء عقوبة الإعدام، أي السلطات السياسية وليس القضائية، مقابل حصول ذوي الأطفال المصابين على تعويضات مالية، ولكن بلغاريا رفضت هذا العرض مشيرة إلى أن ذلك يعد اعترافا بتورط الممرضات. (الجزيرة.نت: 18/12/2005). وفعلا تم تكوين الصندوق المشار إليه لهذا الغرض. كما أن وزير الخارجية الليبي عرض رفع عقوبة الإعدام في حالة حصول العائلات المتضررة على مساعدات إنسانية. (شلقم: إعدام الممرضات البلغاريات...، شبكة محيط 29/12/2005).

وفي هذا المجال علينا أن نشير إلى ما وصل إليه العرب من الهوان، عندما نقارن الرفض البلغاري لدفع تعويضات كي لا يعتبر اعترفا بتورط الممرضات، والموقف الليبي عندما وافقت السلطات الليبية على دفع التعويضات لضحايا الطائرتين المذكورتين أعلاه.

حيث أنه مباشرة بعد الموافقة على دفع التعويضات، صرح رئيس وزراء ليبيا بأن "دفعنا للتعويضات لا يعني اعترافنا بالقيام بالجريمة، بل كنا مضطرين لذلك لغرض رفع العقوبات التي فرضت علينا".

وفي حينه قامت الدنيا ولم تقعد، مما اضطر المسؤول الليبي على سحب كلامه هذا أمام اعتراض أمريكا وحلفائها على تلك التصريحات. أي أن ليبيا حتى وإن لم تكن مذنبة فهي مجبرة على الاعتراف بأنها قامت بالجريمة، بينما بلغاريا لها الحق بأن ترفض تقديم التعويضات كي لا تعتبر اعترافا بتورط الممرضات في الجريمة، رغم صدور حكم قضائي بذلك.. وأن أغلب المنظمات العربية والدولية أدانت هذه الجريمة البشعة.

ورداً على بيان تقدمت به المنظمات النسائية العربية طالبت فيه الأمم المتحدة تكريس يوم عالمي للجريمة تحت اسم يوم "الإدانة العالمي"، قال أنان: "إن الجريمة بشعة ولكنها تدخل ضمن الجرائم الفردية التي هي من اختصاص القضاء المحلي لأنه لا يوجد ما يشير أن وراءها جهة دولية"، ثم أضاف "يجب تعويض المتضررين من جانب بلغاريا على أساس إنساني محض". وقد أثارت تصريحات أنان جمعيات "الرفق بالحيوان" في عدة دول أوروبية لأنها قالت "إن اعتماد مبدأ التعويضات في هذا المجال غير مقبولة لأنه لا يمكن تعويض الحيوانات بالمال فيما لو ارتكبت مثل هذه الجريمة ضدها كما تفعل مراكز البحث العلمي، وأنه يجب معاقبة المجرمين". أما المجالس الجماهيرية الليبية فقد طالبت بسن قانون يمنع العفو عن الجرائم الجماعية، أو الجرائم التي ترتكب ضد الأطفال بغض النظر عن جنسياتهم. وطالبت هذه المجالس أيضا بإقامة  نصب تذكارية لضحايا مذبحة "الأيدز" هذه تؤكد أن الشعب الليبي لن يغفر ولن ينسى. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين" عارضت إقامة هذه النصب لأنها "مخالفة لنصوص الشريعة"، وطالبت بدل ذلك بإقامة الصلوات على أرواح الشهداء. (أحمد حسين: المقال المذكور).

إذاً أن الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام اعترفت بصلاحية المحاكم المحلية بالحكم في هذه القضية، فلماذا لا تقبل أمريكا وأوربا بذلك؟!.

أن السبب واضح وضوح الشمس، وهو أن دماءهم غالية الثمن جداً بالمقارنة مع دمائنا (أنظر مقالنا: شيوخ الكويت.... يهود الخليج، "شبكة البصرة": 7/10/2005).

إننا نقول، لو أن ليبيا في موقف قوي لطالبت بأن يدفع لكل طفل ليبي عشرة ملايين دولار أمريكي وهو المبلغ الذي دفعته ليبيا كما ذكرنا-، لأن الطفل الليبي لا يقل إنسانية عن مثيله الأمريكي أو الفرنسي أو غيره، إنهم جميعا بشر.

وبدل من ذلك يصرح وزير الخارجية الليبي، لوسائل الإعلام العربية يوم 28/12/2005، بأن "عقوبة الإعدام ترفع تلقائياً في مقابل مساعدة إنسانية للعائلات المتضررة". وأكد شلقم: أنه "علينا إيجاد حل لعائلات الأطفال الذين توفوا في حال قبلت ذلك يجب توفير الأدوية والمستشفيات الجيدة للأطفال المرضى عندها سترفع عقوبة الإعدام تلقائيا". (شلقم: الخبر المذكور أعلاه).

علماً بأن نحو 50 من الأطفال المصابين قد قضوا بسبب الفيروس، فيما ينتظر المئات المصير نفسه، وإن ليبيا أنفقت - حتى الآن - أكثر من 60 مليون دولار على الأطفال المصابين بالإيدز، الذين أُرسلوا إلى إيطاليا مع عائلاتهم، حيث قدمت لكل عائلة شقة وسيارة و19 ألف يورو. (مصطفى رزق: الكلمة المذكورة).

نعم نحن نستجدي الصدقات، المساعدات الإنسانية، بينما ندفع ما يريدون ونحن صاغرون، هذا هو قانون الغاب فأين هم العرب اليوم؟ أين كانوا وكيف أصبحوا!!!.

والسبب الذي أوصلنا إلى هذه الحالة هو، رقصة التعري منذ الـ(...) السادات إلى أبو عمار إلى القذافي، والجميع يقولون أننا كنا مضطرون.

وعلى ذكر "الستربتيز" فعندما قدم عرفات رقصته في سويسرا قال أحد المسؤولين السوريين، وأعتقد وزير الخارجية في حينه، ولكن رقصة عرفات لا تؤدي إلى نتيجة لأن سيقانه ليست جميلة ولذا سوف لا ينظر عليها أي شخص. نتساءل هنا هل أن سيقان القذافي أجمل وهل سيحصل على أي مكسب على "الستربتيز" الذي قدمه؟

وكما رأيت قارئي العزيز أن الذي يبدأ بتقديم تنازل واحد ولو بسيط، بدون مقابل، سوف يستمر بتقديم التنازلات إلى ما لا نهاية، أي كما ذكر الكاتب عادل أبو شنب في قصته "أمريكا.. أمريكا" فإن التي تقوم بخلع قميصها إرضاء لممثل أمريكا، ستقوم بعرض صدرها و.. و.. تدريجيا إلى أن تقف عارية تماماً. (أنظر المجموعة القصصية للكاتب بعنوان "هالوليا" ومقال: رشاد أبو شاور المذكور أعلاه).

وختاما نقول لكل الشرفاء من العراقيين، والشخصيات التي نأمل أن تكون وطنية فعلاً، ابتداء بـ"هيئة علماء المسلمين" وكافة الذين خاضوا الانتخابات الأخيرة، خطأ أو اعتقاداً منهم بأنها ستكون نزيهة: الحذر.. الحذر من الوقوع في أبسط خطأ، أي المشاركة في أي عملية سياسية، لأنكم بعد ذلك ستضطرون للقيام بال" ستربتيز" وبعدها لا ينفع الندم.

أما بالنسبة للمقاومة البطلة فنحن واثقون بأن لديهم المناعة من أن يقعوا ضحية الوعود الكاذبة، ويقوموا بتقديم أي تنازل مهما كان بسيطاً، لآن تقديم أبسط تنازل معناه ضياع العراق إلى الأبد.

لأنها ستؤدي بالنتيجة إلى ما وصلت إليه القضية الفلسطينية والليبية.

والله أكبر والعزة والنصر للمناضلين والمضحين بأنفسهم وأموالهم في سبيل الأمتين العربية والإسلامية، الذين يسترخصون دماءهم في سبيل الدفاع عن الدين والعرض والوطن. ((وبشر الصابرين)) صدق الله العظيم.

* دكتور في القانون وصحافي عراقي سابق مقيم في فرنسا