التيار القومي العربي

بيان الانتخابات التشريعية

لا ديمقراطية بدون حرية

التيار القومي العربي في فلسطين (العربي) يدعوكم إلى: مقاطعة الانتخابات التشريعية للحكم الذاتي تحت الاحتلال

مقدمة:

((وذكّر إن نفعت الذكرى)) (قرآن كريم)

رهنت اتفاقات أوسلو التي انبثقت عنها سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني القرار الوطني الفلسطيني لإملاءات الاحتلال وحُماته، وأوقعت منظمة التحرير الفلسطينية في أسر الاحتلال، ولم يكن اغتيال ياسر عرفات في سجنه الصغير برام الله إلا رمزاً مادياً ملموساً للمصير المنتظر للممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وقيادته في إطار أوسلو، التي جمدت منظمة التحرير ومؤسساتها، وشلّت النضال الوطني خارج فلسطين، وجزّأت الوحدة الوطنية لشعبنا، وخلقت البيئة الموضوعية لتصفية المنظمة وفصائلها –وفي رأسها حركة فتح- بالانقلاب على ميثاقها، وأوجدت الشروط الملائمة لتصفية قضية اللاجئين واستبدلت شعار عودتهم بشعار "حل عادل" لقضيتهم، وحصرت أشكال النضال الوطني بالاملاءات التي يجيزها الاحتلال، وقطعت الصلة بين النضال الوطني الفلسطيني وبين حاضنته الشعبية العربية والإسلامية، ومنحت دول النظام القُطري العربي الذريعة للتنصل من مسؤوليتها القومية وفتحت أمامها وأمام الدول الإسلامية والصديقة الأبواب واسعة للتصالح مع المشروع الصهيوني.

تقول سلطة الحكم الذاتي إن عدم إجراء الانتخابات سيكون "كارثة" دون أن يحددوا ماهية هذه الكارثة.

إن التيار "العربي" يرى في إجرائها تذكرة سفر باتجاه واحد، يقود إلى إفراز مجلس يُراد له ان يكون شاهد زور على استمرار الوضع الراهن المتعفن باسم الديمقراطية والسلام، فالطريق عبر هذه الانتخابات طريق مسدود إلى أية بدائل أو خيارات غير نهج أوسلو، وهذه طريق تقود إلى كارثة وطنية، والتوهم بأنها طريق إلى التغيير والإصلاح، ليس إلا  عمى سياسي، وخداع للذات، وتضليل لشعبنا. إن عدم إجراء هذه الانتخابات سيكون فقط كارثة على المتناحرين على مغانم السلطة، ممن يبحثون عن مؤسسات "شعبية ومنتخبة" تحكم بين صراعاتهم الفردية والعشائرية والعصبوية في توزيع تلك المغانم، التي فاحت روائح فسادها حتى أزكمت الأنوف، والتي يهدد المانحون لسلطة الحكم الذاتي بوقفها إذا لم تجرِ الانتخابات.

 

لذلك يدعوكم "العربي" إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية للحكم الذاتي تحت الاحتلال، وذلك:

أولاً: لأن إجراءها يهدف إلى "تشريع" الوضع الراهن تحت الاحتلال وتكريسه.

 

ثانياً: لأن إجرائها يقدم خدمة إعلامية وسياسية مجانية للاحتلال تساهم في تضليل الرأي العام العالمي والعربي بتعزيز الانطباع أن جزءاً من الشعب العربي الفلسطيني يمارس سيادته بحرية فوق جزء من أرضه.

 

ثالثاً: هذه الانتخابات هي استجابة لاستحقاقات أميركية وأوروبية، بدعوى الإصلاح، لإفراز قيادة ومؤسسات حكم فلسطينية، تدعي تمثيل الشعب العربي الفلسطيني، بدعوى أنها "منتخبة بطريقة ديمقراطية"، للوفاء بالاستحقاقات اللاحقة لخطة "خارطة الطريق" المشبوهة التي لم تقرها لا مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ولا قوى المقاومة الوطنية والتي تتبناها فقط سلطة الحكم الذاتي كمشروع سياسي للسلام يدمر المشروع الوطني الفلسطيني.

 

رابعاً: تهدف انتخابات التشريعي للحكم الذاتي تحت الاحتلال بأن تكون مدخلاً إلى "مرجعية الشرعية الديمقراطية" بديلاً لمرجعية الشرعية الثورية بينما ما زال الاحتلال قائماً، ولم تتحقق السيادة.

 

خامساً: عدم توفر الحد الأدنى من الشروط الوطنية لإجرائها: كانسحاب  قوات إعادة الاحتلال إلى مواقعها كما كانت في 28-9-2000 في الأقل، مع ضمانات دولية بعدم عودتها، وضمانات دولية بتوقف القوات المحتلة عن اغتيال المقاومين المطاردين، وإطلاق سراح الأسرى، وضمانات بوقف حملات الاعتقال في المناطق التي تظل تحت سيطرة قوات الاحتلال، وإطلاق سراح المعتقلين لدى سلطة الحكم الذاتي ، وضمانات بعدم تدخل وحياد أجهزة السلطة في العملية الانتخابية، وضمانات بعدم استخدام إمكانات السلطة وأموالها ومناصبها في الانتخابات، وضمانات بوقف الظاهرة المتفشية بشراء الأصوات الانتخابية بطرق شتى، سواء من قوى متنفذة في السلطة أم من قوى سياسية نافذة خارج السلطة، وضمانات تشدد الرقابة على التمويل الأجنبي  للحملات الانتخابية ولغيرها...الخ.

 

سادساً: لأن موازين القوى التي أفرزت واقع أوسلو على الأرض لم تتغيّر، بل تعززت، وسوف تعزز القوى السياسية ذاتها، لا بل رموز أوسلو نفسها، لكن ربما بإضافة وجوه جديدة شابة لإعادة إنتاج مجلس تشريعي للحكم الذاتي يكرر تجربة سلفه في إضفاء الصفة التشريعية والتمثيلية على عجز السلطة وإذعانها السياسي ورضوخها لإملاءات خارجية، وسياستها في الاستجداء الاقتصادي وغير ذلك من العوامل التي وفرت البيئة الموضوعية لاستشراء الفساد، وتفشي البطالة، وتوسيع دائرة اليأس، وإضعاف روح المقاومة، وكل ذلك لا يقود إلا إلى التهيئة للقبول بمشاريع تصفية القضية الوطنية.

 

سابعاً: لأن المشاركة فيها ليست ممارسة لسيادة شعبنا على أرضه بل خطوة معزولة في طريق سياسي مسدود، خطوة تقصر حتى عن انتخابات عام 1966 التي أوهمت شعبنا بوعد دولة فلسطينية بنهاية المرحلة الانتقالية في تموز/يوليو 1999.

 

ثامناً: لأن إجراءها يمثل سقوطاً في وهم الإصلاح، وهو الوهم الذي يسوقه أصحاب "أوسلو" و"خارطة الطريق" وغيرها من مشاريع تصفية حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بهدف تشتيت التركيز الوطني على الصمود والمقاومة.

 

تاسعاً: لأن المشاركة فيها تضعف الوحدة الوطنية القائمة على أساس مواصلة الصمود والمقاومة، كما أنها توفر البيئة الموضوعية لإيقاظ الطائفية والعشائرية والعصبيات الجهوية والتنظيمية وغيرها من عوامل تمزيق اللحمة الوطنية التي عمدتها طوابير الشهداء والأسرى والمعاقين بالدم والدموع عبر مسيرة نصف القرن الماضي.

 

عاشراً: لأن كل المعطيات الواقعية تشير إلى أن هذه الانتخابات سوف تقود إلى تمكين الشرائح الرأسمالية الطفولية بمن فيها السماسرة على حساب رأس المال القومي الإنتاجي بمن فيه الحرفيين والصناعيين ومختلف المنتجين المستقلين زراعيا وصناعياً، إضافة إلى حلفائها ممن اغتنوا من فساد السلطة واثروا تحت الاحتلال، من السيطرة على قيادة العمل الوطني الفلسطيني، هذه القيادة التي خطفوها من مُعدمي شعبنا الذين فجروا المقاومة المعاصرة والانتفاضتين وهم لا يملكون سوى أرواحهم في مخيمات اللجوء والنزوح وقرى الصمود خارج الوطن وداخله.

 

حادي عشر: لأن الظروف الموضوعية التي حكمت ولادة ومسيرة التشريعي عام 1966، لم تتغير بل تعززت سلبياتها مما لا يعد بأي تغيير سياسي أو اقتصادي أو إداري، أو قيادي يمكن ل "تشريعي 2006" أن يفرزه، اللهم سوى منح الصفة التمثيلية للرموز نفسها التي يريد شعبنا تغييرها، ربما ببعض الأسماء الجديدة وبعض "الشركاء" الجدد.

 

ثاني عشر: لأن الاحتلال والقوى الدولية الناشطة من اجل ضمان أمنه على حساب شعبنا وقضيته العادلة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والشرائح المتنفذة والمستفيدة من سلطة الحكم الذاتي والمصالح المؤتلفة معها، تملك من النفوذ ما يكفي لمنع القوى الوطنية والإسلامية التي قاطعت انتخابات 1966 لكنها قررت المشاركة هذه المرة من امتلاك صنع القرار لسلطة الحكم الذاتي، ولن تسمح لهذه القوى غير أن تكون "ديكوراً ديمقراطياً" لها.

 

ثالث عشر: إن التيار القومي العربي في فلسطين لا يتفق مع القوى الوطنية الإسلامية غير الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية بأن المشاركة في انتخابات تشريعي الحكم الذاتي هي المدخل  إلى "الشراكة" في منظمة التحرير، فقيادة الحكم الذاتي كانت تناور دائماًً عندما لوّحت لهذه القوى بمقايضة "التهدئة" ب "الشراكة" في المنظمة من أجل التوصل إلى أتفاق "إعلان القاهرة"، فشعار "تفعيل المنظمة" وافقت عليه قيادة الذاتي مضطرة وسوف تطرحه في أول فرصة سانحة، لأنه يتناقض مع استراتيجيتها المعلنة، ومع مسيرتها منذ أوسلو 1993.

 

رابع عشر: وللأسباب ذاتها، لا يتفق "التيار العربي" مع القوى الوطنية الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية التي قاطعت الانتخابات التشريعية الأولى وقررت المشاركة هذه المرة لأن قيادة الذاتي تعدها "بتفعيل شراكتها" في المنظمة.

 

خامس عشر: إن "التيار العربي" لا يرى في الانقسام داخل حركة فتح التي قادت النضال الوطني طوال العقود الأربعة الماضية صراعاً بين أجيال، أو بين الداخل والخارج، بل تستشف منه ما هو أخطر. فكل المعطيات تشير إلى دفع خارجي مشبوه يسعى إلى خطف قيادة الحركة والانقلاب عليها، وإفراز قيادة تحولها من حركة قائدة للتحرر الوطني إلى حزب تقليدي للحكم الذاتي، يتحالف مع قوى أخرى أفرزها الحكم الذاتي، للتعاطي "بواقعية" مع "الاستحقاقات"  الخارجية ومشاريعها المرفوضة.

 

سادس عشر: إن "التيار العربي" يرى في انتخابات التشريعي مشروعا لتزوير إرادة الشعب العربي الفلسطيني، ويرى في القطاع الشعبي الواسع المقاطع لهذه الانتخابات حتى داخل القوى التي  قررت المشاركة فيها رصيداً يضاف إلى أغلبية شعبية رافضة للانتخابات تحت الاحتلال، كما اتضح في انتخابات "تشريعي 1996" وانتخابات الرئاسة في أوائل 2005.

سابع عشر: بالرغم من قراره بالمقاطعة، فإن التيار العربي ما زال يؤمن بأن الانتخابات مطلب وطني وشعبي، ووسيلة صحيحة لتجديد قيادة النضال الوطني وتداولها، إذا ما توفرت لها شروط وطنية موضوعية:

- أن تجري في ظل استقلال وسيادة فعليين إذ لا ديمقراطية دون حرية.

- أن تكون استجابة لاستحقاقات وطنية لا خارجية.

- أن تجري في ظروف حد أدنى تضمن حريتها ونزاهتها وشفافيتها.

- أن تكون رافعة للصمود الوطني ووسيلة للمقاومة.

- أن تخدم استراتيجية وطنية واضحة، أهدافها جلية لا غامضة، وتكتيكاتها مع اتفاق لا اختلاف.

- أن تعزز الوحدة الوطنية لا أن تضعفها.

- أن تمتن اللحمة الوطنية لشعبنا لا أن تفتت نسيجه الاجتماعي.

- أن تكون خطوة من أجل إعادة بناء (م. ت. ف.) كحاضنة للنضال الوطني الفلسطيني وكجزء من حركة التحرر العربية.