استباقية "المجتمع الدولي" في مواجهة احتمالات "الغموض" الإيراني!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

"أزمة كبرى"، بالمعنى الدولي، سببها "استهتار" إيراني غير مسبوق بأ"المخاوف الدولية"... وعليه، فالمواجهة غدت في حكم المحتومة بين طهران، أو هذا الطرف "المستهتر"، وبين "المجتمع الدولي" الذي قامت طهران باستفزازه بتجاوزها لخطوطه الحمر... توصيفات يحملها خطاب يجمع عليه الآن كل ما يعرف بالغرب، بشقيه الأوروبي والأمريكي، وأضحى مضمونه من الآن فصاعداً مرتكزاً لحملة إعلامية ودبلوماسية واسعة النطاق، من مفرداتها: تصعيد خطير، بدأ الصبر في النفاذ، آن الأوان لأن نأخذ الملف إلى مجلس الأمن... وأخيراً، وحيث آخر الدواء الكي،كما يقولون، ينفرد الأمريكان بالتلويح بالوصفة البوشية المعتادة، التي ما أنفك صاحبها يكررها، وهاهو يكررها مؤخراً، متواعداً أو بتعبير أدق مبتزاً، مع ترك الباب موارباً للحلول الدبلوماسية: كل الخيارات واردة... والعمل العسكري منها هو الخيار الأخير!

ماذا فعلت إيران "المستهترة" لتتسبب من ثم بمثل هذه "الأزمة الكبرى" بحيث وضعتها فعلتها هذه في مواجهة غير محمودة مع "المجتمع الدولي" المُستَفَز، ومن هو هذا "المجتمع الدولي" الذي يتحمل كل من يجرؤ على تحديه ما يفترض أن يلحق به من العواقب الوخيمة؟!

قررت أن تمارس ما يفترض أنه حقاً من حقوقها، كانت قد أوقفت ممارسته على هامش مفاوضات لم تثمر بقرار اختياري وعادت له باختيارها، أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها سوف تقوم بتخصيب جزئي لليورانيوم تحت إشراف الوكالة، وسوف تقوم بذلك في سياق التزامها واحترامها الكلي لميثاقها الذي وقعت مختارةً عليه، أو هي ستجري أبحاثها التي هي من حقها بما لا يخرج عليه أو يخرقه، وكررت للمرة الألف إعلانها الدائم بأن كل ذلك يظل في سياق الاستعمال السلمي للطاقة النووية... جاءت بمفتشي الوكالة لينزعوا الأختام، ويشغّلوا كاميرات المراقبة العائدة لهم، وليشرفوا بالتالي على العملية برمتها في تلك المواقع ذات العلاقة...  بقي أن نعرف من هو المجتمع الدولي المعني؟!

إنه، وبكل بساطة، صاحب ذات الخطاب ذي التوصيفات المشار إليها بداية، أي الغرب وحده لا سواه. إذ لم "يستفز" على سبيل المثال من هذه "الفعلة" الإيرانية أحد في قارات آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، كما أن دولتين كبريين من تلك الدول الخمس ذات المقاعد الدائمة أو صاحبة امتياز حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، هما الصين وروسيا، رغم ما يشوب مواقفهما من براغماتية أو تردد، لا تتفقان مع هذا الخطاب، وتعدان نظرياً من عوائق استهدافاته... المجتمع الدولي اختصر في هذه الحالة بما يدعى "الترويكا الأوروبية"، أي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ومن البعيد القريب تقف خلف هذا الثلاثي الولايات المتحدة الأمريكية، وخلف الجميع يلوح دائماً الهاجس والتحريض "الإسرائيلي"...

إلى أين وصلت المواجهة؟

الطرف الإيراني انطلق من أن المسألة برمتها بالنسبة له مسألة حق تكفله له القوانين الدولية، وقضية إجماع قومي إيراني لا يسهل التخلي عنها، بل كل الأصوات الإيرانية التي تلت الخطوة أكدت أن لا رجعة عن ممارسة هذا الحق، مع ترك باب التفاوض مفتوحاً، فحيث يقول رئيس الجمهورية أحمدي نجاد، الموصوف بالتشدد، أنه لا تنازل، لأنه "إذ تنازلنا عن ذلك، فسيأتي يوم يطلبون منا أن نغلق جامعاتنا"، يقول الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، الموصوف بالبراغماتية والاعتدال، أن بلاده قد "قررت كسر المحرمات الاستعمارية باستئناف برنامجها للطاقة النووية السلمية"، محذراً من أن نزاعها مع الغرب قد "أصبح خطيراً جداً جداً، وبلغ الذروة"...

وماذا عن الطرف الآخر؟

أحرج الموقف الإيراني الأوروبيين، إذ ليس هناك ما يمكن التذرع به ضد طهران من الوجهة القانونية اللهم إلا ما يدعونه "الغموض" أو ما هو في عالم غيب النوايا الإيرانية غير السلمية! فاجتمعت "الترويكا" ومعها خافير سولانا منسق السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي في برلين وقررت أن الأزمة قد وصلت إلى طريق مسدود، ودعت إلى اجتماع طارئ لمجلس أمناء الوكالة الدولية بهدف إحالة الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، لكن دون التخلي عن المفاوضات والحل الدبلوماسي... وعكس بيان "الترويكا" جملة أمور أشرنا لها سلفاً، ومن سماتها أنها جمعت بين ضروب الدجل والنفاق الممزوج بفنون الافتراء والغطرسة... وكل هذه الميزات الأوروبية المعهودة اجتمعت في الفقرة التالية:

إن "الأمر ليس نزاعاً بين إيران وأوروبا بل بين إيران والمجتمع الدولي برمته، والأمر ليس كذلك نزاعاً يتصل بحقوق إيران بموجب معاهدة الحظر النووي، بل هو فشل إيران في الإقناع بالطبيعة السلمية لبرنامجها النووي!

أي أنهم هم وحدهم أصحاب امتياز مسمى "المجتمع الدولي"، وهذا الامتياز أصبح في حكم العرف منذ أن صادروا أو صادرت الولايات المتحدة هيئة الأمم المتحدة، أو أممتها وحولتها ملحقاً بوزارة خارجيتها، ومذ برع البريطانيون في سبك الصياغات الخبيثة لقرارات مجلس الأمن الدولي في ظل التردد الروسي والبراغماتية الصينية. وحيث لا يمكنهم إنكار حق طهران في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وتطوير معرفتها العلمية في هذا الحقل الذي لا زال حكراً على الأقوياء، اتهموا النوايا الإيرانية أو أخذوا عليها عدم قدرتها على إقناعهم بنواياها السلمية... وفي الفقرة أيضاً ما يعكس روح استباقية على الطريقة الأمريكية تعززت بفقرة لاحقة تقول: "ونعتقد أنه حان الوقت لإشراك مجلس الأمن بهدف تعزيز سلطة قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، وهو كلام يذكرنا بالآلية الخبيثة المتدرجة التي استخدمت في تهيئة الظروف لما يراد له أن يلحق، والذي كنا عهدناه في الحالتين العراقية واللبنانية... الأمر الذي لمسناه في ما رمى إليه جاك سترو وزير الخارجية البريطانية في قوله: "ما نسعى إليه إجراءات لا عقوبات"... هو هنا يعلم أن العقوبات أمرٌ، بالإضافة إلى كونها قد لا تجدي، لا يوجد إجماع عليها لتضارب مصالح الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، لكن المهم عنده هي الإجراءات التي لها ما بعدها... أما كوندوليسا رايس وزير الخارجية الأمريكية فقد أكدت ما أكده رئيسها من أن كل الخيارات مفتوحة لكنها مع "حل دبلوماسي سلمي لهذه المسألة، يجنب العالم التهديد الذي يمثله إيران تمتلك أسلحة نووية"... هنا موقف أمريكا واضح وغير جديد، إيران النووية تشكل تهديداً... تشكل تهديداً لمن؟

أولاً، "لإسرائيل"، كما يولول "الإسرائيليون" صباح مساء! وبالتالي، للأمن القومي للولايات المتحدة، وحتى أمن العالم! كما يقول بعض الأمريكيين الرسميين... وعليه قال الرئيس الأمريكي في آخر تعقيباته على الموضوع ما معناه:

إنه لا يمكن السماح لدولة في برنامج رئيسها هدف إزالة "إسرائيل" بأن تغدو نووية... وهنا نصل إلى الموقف "الإسرائيلي". لقد دأب "الإسرائيليون" على مسألتين هما: التحريض على البرنامج النووي الإيراني، والتهديد بضربه لوضعه دائماً عبر هذا التهديد على أجندة المجتمع الدولي إياه، إلى جانب أصوات تنادي سلفاً بالتعايش مع إيران نووية، باعتبار ذلك أمراً محتوماً، وآخر هذه المواقف ما أطلقها عوزي دايان الرئيس السابق لما يدعى مجلس الأمن القومي "الإسرائيلي"، ومنها، زعمه أنه متأكد من أن إيران على وشك إنتاج قنبلة نووية، وتحذيره من أن "إسرائيل لا يمكنها تحمل ضربة نووية إيرانية رداً على ضربة "إسرائيلية" لطهران، لأن رداً إيرانياً في منطقة مثل تل أبيب يعني عملياً القضاء على الأجيال المقبلة"... ليصل بتحريضه هذا إلى استهداف عبّر عنه على الوجه التالي:

"لا يجوز التأخر في وقف المشروع النووي الإيراني والعمل على فرض حظر دولي ومنع استيراد النفط" الإيراني... أما التهديد فيتمثل في قول دايان: "إن توجيه ضربة للمفاعلات الإيرانية الآن سيجلب الاهتمام الدولي لتلك القضية"!

إذن، وفي ظل فشل التفاوض الاحتوائي الغرض بين "الترويكا" وإيران أحمدي نجاد، ما هي حظوظ نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي، رغم ترك الأوروبيين الملحوظ ما يمكن وصفه بهامش للحفاظ على شعرة معاوية مع إيران، وبالتنسيق الكامل مع واشنطن؟!

بعد أيام سيجتمع في لندن أطراف "الترويكا الأوروبية" مع الطرف الروسي والصيني للبحث في الأمر، ومن نافل القول سلفاً أن في الصمت الصيني براغماتية تظل دائماً برسم المساومة، أما الموقف الروسي المتردد فقد عبر عنه أيضاً سلفاً وزير الخارجية لافروف، فهو إذ أقر بحق إيران في إقامة دورتها النووية الخاصة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أنه أكد على الأخذ في الاعتبار ما دعاها "وسائل تبقي على الشك في أن لهذا البرنامج جانب عسكري خفي"!

في هذا الكلام ما لا يطمئن، أو ما لا يدعو للاعتماد الإيراني على الموقف الروسي... فما الذي تعتمد عليه إيران إذن في إصرارها على تمسكها بحقها الذي يؤكد عليه المتشدد نجاد والبراغماتي رفسنجاني؟

لعل من الحق القول أولاً، أن الإيرانيين حتى الآن يديرون معركتهم بذكاء ملموس وأحسنوا فيها حتى اللحظة أسلوب الكر والفر. ولعلهم اختاروا لخطوتهم الأخيرة اللحظة المناسبة، أو على الأقل، الأنسب، والتي من سماتها، تورط أمريكي متعاظم في أوحال احتلال العراق المتعاظمة أيضاً مقاومته لهذا الاحتلال، بحيث يصعب على الولايات المتحدة فتح جبهة أخرى راهناً، وكذا تردد أوروبي معهود يظل رهن تنازع مكتوم للمصالح، وخشية "إسرائيلية" غير مكتومة من الرد الإيراني على أي اعتداء عسكري "إسرائيلي"، قد لا يجدي عملياً، من حيث النتائج، لتوزع المواقع النووية الإيرانية في جغرافيا واسعة، اختير لها مواقع متفرقة في خارطة ممتدة حتى لا يسهل تدميرها، بينما الرد الإيراني متوفر صاروخياً، وربما حتى من جنوب لبنان. وبالتالي نشهد اكتفاء "الإسرائيليين"، على ما يظهر، بالتحريض... كما يشجع الإيرانيين بالإضافة إلى ذلك كله ميزة ربما تعد وقائية إلى جانب كونها تفاوضية، لاسيما عندما نتحدث عن تضارب المصالح، وهي كونهم رابع دولة مصدرة للنفط في مرحلة تصاعد أسعاره، بالإضافة إلى فشل الغرب في تجييش الجوار العربي ضد برنامج جارتهم، كما لوحظ من المواقف العربية الرسمية الأخيرة حيال الأمر...

إذن، هناك ما يوحي بصمود إيراني يظل في ظل صلابة المعلن رسمياً أمراً متوقعاً، بل وحتى ما يسمح بطرح مثل هذا السؤال غير المستبعد، وماذا لو انسحبت إيران، كما هددت سابقاً، من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟!

ما من شك أنه سيكون لهذا الاحتمال ما بعده... بل وفي كل الأحوال، هناك حقيقة يدركها الإيرانيون قبل سواهم، وهي أن بلادهم بعد العراق ولبنان، وسوريا، ومع هاته البلدان الثلاث، تظل تتصدر قائمة الاستهدافات الاستباقية الأمريكية في زمن تلغى فيه السيادات وتُهمّش المنظمات الإقليمية، بعد تهميش المنظمة الدولية وقوانينها وتشريعاتها وشرعيتها، باسم "المجتمع الدولي" الغربي، وحتى على وقع طبول "الشرعية الدولية" المصادرة... زمن أقل ما يقال فيه أن العالم يعيش فيه تحت طائلة مخططات الفوضى البنّائة، وقوننه الذرائع الزائفة وتكديس ترسانات من مبررات التدخل في شؤون الأمم دونما حاجة لتفحص مصداقيتها، واستخدام الأمم المتحدة لشرعنة إن لم يكن مقدمات فنتائج ذلك التدخل... زمن تجري فيه بدأب مرعب عملية صهينة الوعي الدولي، ويشهد الإصرار الغربي الفجّ على أن لا قوة في المنطقة سوى "إسرائيل"... وفي المحصلة يبدو أننا حيال معركة كسر عظم ليس من السهل على طرفيها التراجع... إزاء واحدة من حروب "المجتمع الدولي" الغربي الاستباقية في مواجهة أخطار احتمالات "الغموض" الإيراني..!