الشارونية... بعد شارون

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

في مقال سابق تحدثنا عن ما دعوناها "الشارونية"، باعتبارها، في سياق الاستراتيجية الصهيونية الساعية لتهويد كامل فلسطين التاريخية، ونظرتها لدور وظيفة "إسرائيل" في سياق الاستراتيجية الغربية إجمالاً في منطقتنا، بمثابة رؤيةً سياسية متكاملة لحل الصراع العربي الصهيوني، أو إنهاء عملية تصفية القضية الفلسطينية المراد إنجازها، بما ينسجم مع مفهوم شارون لهذا الحل، وكذا لكونها نهجاً أو أسلوباً متبعاً في الوصول إلى هذا الهدف، واعتماد الأدوات الدموية والوسائل التكتيكية المؤدية إليه... وقلنا ما مفاده: أن الشارونية لم تهبط من السماء، وإنما حتى نتاج مجتمع استعماري إحلالي له طبيعة المجتمع "الإسرائيلي"، وإنها كانت وتبقى قبل تسنم رئيس الوزراء الجنرال أرئيئل شارون السلطة وبعد غيابه أو رحيله عنها. ودللنا على ذلك بشعبيته، التي لم يحظ بمثيل لها أي رئيس وزراء "إسرائيلي" سبقه، بما فيهم "الأب المؤسس" بن غوريون. وعرضنا في هذا السياق إلى خروجه المدويّ على حزبه القديم الليكود وتأسيسه لحزبه الجديد "كديما"، وكيف أصبح الأول قاب قوسين أو أدنى من حالة تقترب من الانقراض، وغدا الثاني وكأنما هو مستقبلاً سوف يكون حجر الرحى في الحياة السياسية "الإسرائيلية"، بعد أن أصبح مؤسسه قطباً أشبه ما يكون بالمغناطيس جالباً لحزبه المستجد عديد رموز السياسية "الإسرائيلية" على تلاوينها يساراً ويميناً، حيث قالت الاستطلاعات حينها أنه، أي هذا الحزب، سيكون الأوفر حظاً بالفوز بقصب السبق في الانتخابات المقترب أوانها... وتعرضنا أيضاً إلى برنامج الحزب الذي كان ينتظر التصديق من قبل مركز الحزب الذي لم يجتمع بعد وحتى اللحظة، وهو البرنامج الذي يمكن اختصاره في ما عبرت عنه الصحافة "الإسرائيلية" آن تسريبه إليها، والقائل: أرض أكثر وعرب أقل... وإدارة ما تبقى من الكانتونات الفلسطينية الممزقة أو السجون الكبرى المحاصرة، التي لا تزيد عن 9% من مساحة فلسطين التاريخية، والتي يمكن أن يطلق عليها أهلها دولة أو حتى إمبراطورية أو ما يشاءون، والتي هي عملياً تظل محتلة... إدارتها بالتحكم عن بعد... وصولاً إلى ما يدعى تثبيت "حدود إسرائيل الشرقية"... وذلك تفادياً لخطر الديموغرافيا الفلسطينية، حيث لتجنب ذلك الخطر لطالما تحدث شارون عن ما دعاه "تنازلاتٍ مؤلمة"... أي التنازل مرحلياً عن القليل من ما يدعوها "أرض إسرائيل" التي تشغلها التجمعات السكنية الفلسطينية الكثيفة، أما على المدى الاستراتيجي فتظل هذه التجمعات برسم "الترانسفير"، أو رهن الطرد بالوسائل التي يتيحها الزمن العامل لصالح "إسرائيل" والظروف الرهيبة التي سوف تصنع لتحيط بهذه المعتقلات الكبرى... باختصار رؤية تصفوية، تقول بحلول مؤقتة، أو ما يدعى فك ارتباطات من طرف واحد، تتذرع بعدم وجود "الشريك المناسب"... كان خلاف شارون مع بقايا حزبه القديم وأقصى اليمين على هذه النقطة بالذات، ونعني تلك "التنازلات المؤلمة"، والتي هي من ناحية أخرى تعد نقطة لقائه مع من هم على يساره... وبذا كان لنا أن نشهد مولد بيضة قبان الحالة السياسية "الإسرائيلية"، وعليه اكتملت في "كديما" شارون الوليد هذه المعادلة التي لاحظها المراقبون، والتي أشرنا بدورنا إليها في مقال أسبق من السابق، أي الرجل الحزب، أو الحزب الرجل، واستطراداً الحزب المجتمع، باعتبار شارون أولاً وأخيراً هو صانع الحزب وعقله وصاحبه الجالب بشخصه لا بحزبه المقاعد المنتظر الفوز بها في الكنيست القادم لكوكتيل الأعضاء الملتحقين به من المتسلقين على ظهره إلى السلطة في أغلبهم، وباعتبار أن هذا الحزب إجمالاً يستظل مظلة الشارونية التي عبرت وتعبر بصدق غير مسبوق عن ذاك المجتمع إياه المنحدر يميناً الذي وصفنا طبيعته بدايةً... والآن، وقد نقل شارون مرة أخرى بسيارة إسعاف إلى مستشفى "هداسا"، وحيث كل ما رشح من هناك يشي بأن الرجل يصارع في مستشفاه الموت، وأنه على الأغلب إما يرحل عن الدنيا، وهذا هو الأرجح، أو على الأقل يرحل، أو هو رحل فعلاً، عن السياسة... ماذا عن الشارونية؟

قبل هذا السؤال يقفز سؤال يسبقه هو: وما هو مصير "كديما"، أو ما هو مصير حزب الرجل بعد رحيل صاحبه؟!

لعل من سوء طالع "كديما" أنه لا يبدو أن السماء على استعداد لأن تقبل صلوات الرئيس بوش وزوجته لورا من أجل سلامة "الرجل الطيب... رجل السلام"، وفق ما سارع البيت الأبيض لإعلانه، إثر نبأ نقل شارون إلى المستشفى، وكذا يبدو أن من الشكوك فيه أن تستجيب أيضاً لدعوات أبو مازن له بالشفاء، أو ما عبرت عنه من تمنيات بالشفاء بعض الاتصالات العربية المسارعة للاطمئنان على صحته التي تسارع تدهورها. لا سيما وأنه إن رحل جسدياً أو سياسياً، فالواقع يقول بأن الراحل حتى ساعة رحيله كان ينوب في شخصه عن هذا الحزب سيء الحظ، هيكلياً وبرنامجياً ونظاماً داخلياً، بل وحتى قائمتة الانتخابية المفترضة لم تكن قد اكتملت بعد. وعليه فالحزب المكون من رموز سياسية تلتقي مع شارون في هذه النقطة أو تلك، والتي لم تكن تلتقي مع بعضها البعض في كثير من الأمور، سوف يجد نفسه أمام استحقاقين:

إما التفكك، ليعود من جمعهم شارون حوله من ذات اليمين وذات اليسار كل من حيث أتى، وأما أن تجمع "الشارونية" بقدرة قادر، والتي سنتحدث عنها لاحقاً، وفي غياب صاحبها هؤلاء "الكديمانيين"، لكنها على الأغلب لن تحول دون تحوّل حزبهم إلى حزبٍ عادي، أو في أفضل الأحوال واحد من ثلاثة أحزاب رئيسة، إلى جانب "العمل" و"الليكود"، بعد أن فقد هذا الحزب خصوصيته بفقد صانعه الذي أعطاها إياه أو أصبغها عليه... فماذا عن الشارونية؟

ما من شك أن الخريطة السياسية "الإسرائيلية" المتحركة والتي لا تعرف عادةً الثبات قد فقدت المايسترو والرجل الذي بدا لها بأنه غدا فوق المؤسسات، أو الأكثر قدرة على الفعل السياسي منها، وعليه، سوف تتزلزل خطوط عرضها وطولها، لكن شارون، الرؤية والبرنامج والأسلوب والأدوات، باق وسوف يستمر من حيث الجوهر وإن تبدلت الأشكال أو اختلفت إثر رحيل الرجل الجسدي أو السياسي... يؤيد هذا الذي ذهبنا إليه تلك الشعبية غير المسبوقة التي تمتع بها مؤخراً، وهذا القلق الذي يعيشه "الإسرائيليون" راهناً. أما لماذا تلك الشعبية وهذا القلق، فالجواب يكمن في السؤال التالي:

ما الذي كان يعنيه شارون بالنسبة لمجتمع من مثل طبيعة المجتمع "الإسرائيلي"؟

إنه، باختصار، ذاك المحارب الدموي وأكثر من سفك دماء أعداء "الإسرائيليين" أو ما يعدونهم نقيض وجودهم من العرب. والأب الراعي لقطعان المستعمرين، أو العراب الأكبر لحركة إقامة المستعمرات، وأكثر من عمل بلا كلل من أجل تهويد ما تبقى من فلسطين، وصاحب الحلول الأمنية التصفوية المؤقتة للقضية الفلسطينية... وأخيراً المتطرف المراوغ والأذكى الذي ابتدع سبل فك الارتباطات من طرف واحد، بمعنى التخلص من أخطار الديموغرافيا الفلسطينية عبر مزعوم تنازلاته المؤلمة البخسة التي اختصرها برنامج "كديما" المقترح أو غير المصادق عليه بعد، المشار إليه:

أرض أكثر عرب أقل... واحتلال ما تبقى مما لم يهود بعد من الأرض بالتحكم عن بعد حتى يحين حين "الترانسفير" لقاطنيها... لنأخذ مثالاً طازجاً عمره فقط لا يزيد على الفترة القريبة الواقعة قبل نقل شارون الأخير وبعد نقله الأول إلى مستشفى "هداسا":

سرّب عبر صحيفة "معاريف" اعتزام شارون الإقدام على خطوة تصفوية جديدة بعد خطة فك الارتباط الشهيرة في غزة، وتقضي بالإجهاز نهائياً على ما كانت تدعى "خارطة الطريق"، بدعوى أن هذه الخارطة قد لفظت أنفاسها لأن الفلسطينيين لم ينفذوا المطلوب منهم وفق أول بنودها، إلا وهو نزع أسلحة مقاومتهم أو الشروع عملياً في حرب أهلية تظل منشودة "إسرائيلياً" وأمريكياً... وأن البديل بعد دفن هذه الخارطة هو ما وعد شارون به "الإسرائيليين" في حالة فوزه في الانتخابات، أي ما سبق وأن أشرنا إليه، أي رسم "حدود إسرائيل الشرقية"... وحيث لا "شريك" فلسطيني يعترف هو به وبالتالي يمكن أن يتفق معه على مثل هذه الحدود التي يريدها، فإن واشنطن باعتبارها "قوة عظمى تقرر في الشرق الأوسط هي الشريك الطبيعي" في ترسيم هذه الحدود، أو الاتفاق معه حول وجوب فرضها على الفلسطينيين، الأمر الذي يستدعي الشروع في مباحثات سرية بين تل أبيب وواشنطن لإنجاز هذا الأمر، وقد يسهّل مثل هذا الإنجاز المطلوب إن "حدود الاختلاف بين الطرفين ليست كبيرة". فالاختلاف كما ترى الصحيفة بين واشنطن وتل أبيب يتراوح فحسب على ما لا يزيد عن 8 إلى 12 في المائة من مساحة الضفة الغربية التي تريد "إسرائيل" ضمها، ومن بين بنود الاتفاق الموعود بين الحليفين الشريكين:

إتمام سريع لعملية بناء جدار العزل التهويدي الراسم عملياً لهذه الحدود، وإخلاء "إسرائيلي" تدريجي لبعض المستعمرات، وبالطبع مساعدة مالية أمريكية سخية "لإسرائيل"... مع "توقيع أمريكي على رفض تام لحق العودة وسيادة كاملة على القدس القديمة"... المهم أن الصحيفة تقول أن هذه الخطة قد تم عرضها فعلاً على كبار المسؤولين الأمريكان، والأهم أنها، كما ألمحت الصحيفة تعد من بنات أفكار هنري كيسنجر، حيث لاحظ هذا الداهية الشهير أن ترسيم هذه الحدود بتوقيع أمريكي سوف يوحي لعرب التسوية بأن ذلك كان فرضاً من قبل الولايات المتحدة وبالتالي إكراها "لإسرائيل"، أو كما تقول الصحيفة على لسانه:

"يجب أن توضع هذه الطبخة على المائدة متبلة يشتم منها نوع من الأكراه لإسرائيل"، وبما يحسن صورة الإدارة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي... وبما أن أي اتفاق تصفوي نهائي للقضية الفلسطينية لابد وأن يحتاج في نهاية المطاف إلى توقيع فلسطيني، وهو الأمر الذي من "غير المعقول توقعه في المستقبل القريب أو المتوسط" فإن القصد "الإسرائيلي" من هذا الاتفاق "الإسرائيلي" – الأمريكي على ترسيم ما يدعى "حدود إسرائيل الشرقية"، كما تراه "معاريف"، هو "استغلال نافذة فرص السنتين القادمتين، وهما الأخيرتان لإدارة بوش شديدة التعاطف" مع "إسرائيل"... وإذا ما لاحظنا مخططات موازية مثل المسارعة في عملية تهويد الجليل والنقب باعتبار ذلك وفق المصادر "الإسرائيلية" ضمانة "مستقبل إسرائيل"، والإعلان عن توسيع جديد لمستعمرات في الضفة، وانفضاح أمر بناء "كنيس يهودي" تحت الحرم القدسي الشريف... فالسؤال المنطقي هو:

وبعد رحيل شارون الجسدي أو السياسي، ترى من من "الإسرائيليين" بشكل عام، أو ممن سوف يخلفونه في الحكم بشكل خاص، أسواء جاءوا من "كديما" مثل خليفته الذي ناب عنه راهناً في رئاسة الوزراء بالوكالة أيهود أولمرت، أو الجنرال شاؤول موفاز لاحقاً أو الموسادية تسفي ليفن، أو حتى جاؤوا من الأحزاب الأخرى وعلى رأسها عمل عمير بيرتس - طبعاً باستثناء ليكود نتنياهو ومستعمري الحرم الإبراهيمي في الخليل الذين احتفلوا بالعقاب الالهي الذي حل بشارون – من من هؤلاء يختلف حقاً مع الراحل على مثل هذه الخطوة التصفوية للقضية الفلسطينية؟!

الإجابة قطعاً لن تعني سوى أن الشارونية باقية وإن رحل شارون... باقية كرؤية سياسية ونهج تهويدي وأسلوب وحشي وأدوات بطش تم توسلها إلى أقصى حدّ في إدارة صراع... شارون شغل "الإسرائيليين" والمنطقة والعالم بمكيدة فك الارتباط وبعدها بما دُعي "إسرائيلياً" حينها بتسونامي الخروج على "الليكود"، ثم بعجيبة خلق "كديما"، وأخيراً بدخوله المستشفى... أما الشارونية فستشغل لا ريب الجميع بعد رحيله، وإلى أمد ليس بالقريب... لأن هذه الشارونية أثبتت أنها بحق النسخة الأحدث والأكثر شعبية في مجتمعه من بين تلك النسخ العائدة لذات الطبعة الصهيونية إياها!