أيها السادة "الفساد" لا يتجزأ؟؟؟

عباس المعلم – لبنان

لا شك أن قضية الفساد في لبنان تشغل السياسيين واهتماماتهم في هذه الأيام، ويحاول كل طرف من هذه الأطراف توصيف الفساد وفق رؤية خاصة تتناسب مع مصالحه وطروحاته، ومما لا شك فيه أيضا أن الشعب اللبناني يريد أن يعرف حقيقة من سرق وهدر أمواله واغرق الوطن بالديون الباهظة التي تلف عنق كل مواطن وتفرض على الأجنة في بطون الحوامل دفع 13 ألف دولار أمريكي خدمة للدين العام.

ومنذ أن طل موسم الانتخابات النيابية أخذ كل زعيم وفريق سياسي على عاتقه إطلاق الوعود بمحاربة الفساد والهدر واسترجاع الأموال المسروقة من جيب المواطن، مما جعل المواطن اللبناني بحالة من التعجب و الاستهجان، فمن غير المعقول أن يتحدث فريق حكم البلاد خمسة عشر عاما عن محاربة الفساد والمفسدين، وهذا أمر بغاية السخرية، لكن سرعان ما انتهت هذه الشعارات المطالبة بمحاربة الفساد مع البدء بتشكيل الحكومة، وعملت عدة أطراف في ذلك الحين على منع تمثيل العماد ميشال عون على سبيل المثال في وزارة العدل؟؟

هدأ الحديث عن هذه القضية وكأنها سحبت من التداول، وبرزت قضية التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري على الساحة اللبنانية، وعندما لم تستطع بعض الأطراف السياسية الاقتصاص من أطراف أخرى عبر هذا التحقيق، راحت تفتش عن وسيلة أخرى تحقق رغباتها، لكن سوء حظها أوقعها جنوحها وغبائها السياسي في فخ فتح ملفات الفساد، كالذي ينبش قبره بيده، وتجلى هذا الغباء بتطرقها إلى ملف يبدو صغيرا نسبة لواقع الفساد بشكل عام في لبنان، بمعنى آخر أن هذه الأطراف تريد فتح ملف الفساد بشكل مجتزء وهذا أمر لا يعبر عن صدقية شعار محاربة الفساد.

ذلك لأن الفساد لا يتجزأ فهناك جرائم فساد بشعة حصلت في لبنان أصغرها ملف (بنك المدينة) وثمة من يريد أن يلقي الضوء على هذا الملف بشكل مجتزء لمكاسب سياسية خاصة، فهذا الملف واضح جدا ومعروفة الجهات المتورطة به وهو موجود لدى القضاء اللبناني، ومن يسمع اليوم في وسائل الإعلام عن تورط بعض الأطراف والشخصيات السياسية في ما بات يعرف بفضيحة بنك المدينة، يدرك تماما حجم هذه الأسماء على الساحة اللبنانية، وأن الأسماء التي ذكرت هي القليل القليل من الذين شاركوا فعليا بفضيحة هذا "الكهف الأسود" وقد أشارت معلومات وثيقة نشرتها وسائل الإعلام مفادها ضلوع شخصيات وزعماء لهم ثقلهم السياسي بشكل أو بآخر في هذا الملف

قد يصور البعض أن الأولوية اليوم هي للأمن بسبب الظروف الأمنية الصعبة التي يمر بها لبنان لكنه قد لا يكون صائبا بهذا الخصوص، والسبب أن الأولوية لدى الشعب اللبناني هي للقمة عشيه والاطمئنان على مستقبل اقتصاده المتهاوي بسبب حفنة من اللصوص التي حولت ممتلكات ومقدرات الدولة إلى مزارع تنهب وتسرق دون حسيب او رقيب.

نعم يريد ان يعرف هذا الشعب العظيم من سرق ونهب وطنه؟ وكيف ارتفعت بسحر ساحر تكلفة إعمار لبنان من 8 مليار دولار إلى ما يقارب 45 مليار دولار؟ يريد ان يعرف ما حصل في ملف الخليوي الذي اختزل لسنوات طويلة حقوق الدولة لصالح شخصيات وجهات سياسية عديدة وقدرت الأموال المهدورة من هذا القطاع بمئات ملايين دولارات ولم يجري حتى اليوم أي تحقيق أو مساءلة في هذا الشأن؟ كذلك يسأل المواطن اللبناني أين أصبح ملف المهجرين وقد صرف عليه أضعاف أضعاف ما رصد له من أموال، ولم يقفل هذا الملف حتى هذه الساعة لأنه استعمل أيضا لمصالح خاصة وقدرت الأموال التي صرفت على هذا الملف بحوالي 2 مليار و300 مليون دولار أمريكي؟ ماذا عن الأملاك البحرية والنهرية ومن يسيطر عليها ويحرم الدولة من حقوقها ؟؟ يريد أن يسأل ماذا يحل بقطاع الكهرباء ولماذا تزداد الديون على هذا القطاع الحيوي الهام على الرغم من تحسن الجباية التي وصلت إلى 80% وهذا رقم قياسي لبلد مثل لبنان؟؟

يريد أن يسأل عن الصرف السخي والخيالي على مشاريع الإعمار والبنى التحتية ؟ ولماذا لم يقدم حتى اليوم أي مستند رسمي عن تكاليف هذه المشاريع ومن هي الشركات التي فازت بمنقاصات هذه المشاريع ؟ماذا عن النفط ورواسب النفط ؟؟ ماذا عن الضمان ؟؟ماذا عن كازينو لبنان ؟ ماذا عن المطار والمدينة الرياضية وغيرها ؟؟ ماذا عن حقوق المساهمين في تعاونيات لبنان ؟

بالله عليكم عن أي فساد يتحدثون أولئك الذين انتهكوا الدولة ومؤسساتها! أليس الحق أنهم اليوم يمثلون دور "العاهرة عندما تتحدث عن الشرف" بئس أولئك المتنكرين للماضي القريب، أليست الأوجه هي نفسها، أليست الأدوار والأشكال هي نفسها.

نعم تعرض هذا البلد وشعبه العظيم الجريح إلى حروب بشعة وعانى الكثير من ويلاتها ومبيقاتها وتعرض في الآونة الأخيرة إلى أحداث أليمة تجلت باغتيالات وتفجيرات متنقلة زعزعة أمنه واستقراره، لكن الجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق هذا الوطن وشعبه هي جريمة الفساد الذي لحق بمؤسسات دولته وجرّدها من كل مقوماتها، جريمة طالت شعب بأسره اي الملايين، إنها حقا إبادة جماعية لحقوق الشعب اللبناني، إن من غير المقبول بعد اليوم ان يسكت الشعب اللبناني عن هذه المهزلة التي تمارس عبر أبواق بعض الشخصيات السياسية التي وصل بها حد الجنون إلى المتاجرة بملف الفساد وهي أصلا شريكة به بشكل أو بآخر، إن ما يجمع عليه اليوم فعليا أكثرية الشعب اللبناني هو محاسبة الفاسدين والمفسدين واسترجاع الأموال التي سرقت وهدرت والمطالبة بإنشاء محكمة دولية خاصة بجرائم الأموال العامة، تعمل على محاسبة كل من تثبت إدانته بأي شكل من أشكال الفساد وهدر المال العام.

الفساد لا يتجزأ ولن يسمح الشعب اللبناني لأي أحد أن يتاجر بحقه من اجل مصالح سياسية ضيقة

لا حرج بعد اليوم، ولا عفا الله عما مضى، فلتفتح جميع الملفات بدون استثناء أو تحفظ لنرى من باع وسرق وخان هذا البلد، فما هو الفرق بين عدو يغتصب الأرض والسيادة وبين عدو يسرق ويغتصب حقوق وأموال الشعب، صدق القول المأثور "أن الساكت عن الحق شيطان اخرس"؟؟