النهايات

محمد ملكاوي/باحث مستقل من الأردن

يبتدئ عبد الرحمن منيف رائعته (النهايات) بعبارة: أنه القحط... مرة أخرى!، ويضيف: وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون، وطباعهم تتغير، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة أول الأمر، لكن لحظات الغضب، التي كثيرًا ما تتكرر، تفجّرها بسرعة، تجعلها معادية، جموحًا، ويمكن أن تأخذ أشكالاً لا حصر لها. أما إذا مرَّت الغيوم عالية سريعة، فحينئذ ترتفع الوجوه إلى أعلى وقد امتلأت بنظرات الحقد والشتائم والتحدِّي!

ومقدمة رواية النهايات هذه عند أديبنا المبدع، لا تقتصر في معناها على الرواية، بل تجدها تحلق فوق الزمن لتنطبق على تنبؤات المنجمين في مطلع كل عام، ونحن على أعتاب العام الجديد نكون قد وصلنا إلى نبؤات النهاية عند سيمون بيرسون التي خص لها كتابه المعنون  بالحرب الشاملة 2006 (Total War 2006) حيث يدرج توقعاته المستمدة من عقيدة الألفية، بإعادة تشكيل الأقطاب السياسية العالمية، و انخراطها في معسكرين شرقي و غربي ضمن حرب كونية.

ولا يخفى بأن هذه التنبؤات قائمة في أساسها على أسفار الرؤى (ارميا ويوحنا واشعياء، و سفر زكريا الإصحاح 12، وسفر القضاة الإصحاح 5)  في (العهدين القديم والجديد)، وللتذكير فإن عقيدة المحافظين الجدد قائمة على حتمية مشاركتهم في التمهيد لعودة المسيح المخلص عبر إشعال أرمجدون نووية، قائمة على أساس الأحقاد الثأرية التاريخية ضد (بابل)، وما الحرب على العراق وتركه قاعاً صفصفاً، وألعوبة بيد حكام طهران، إلا تنفيذاً دقيقاً لهذه النبؤات الدموية.

ولهذا السبب تحولت مجدو، (تل المتسلم) جنوب شرق حيفا في مرج بن عامر، إلى مزار مقدس ليكرس عند المتطرفين المسيحيين والجماعات المسيحية الصهيونية عقيدة الحرب الدينية، مؤمنين بقرب وقوع المعركة النهائية الحاسمة بين الخير والشر المعروفة لديهم في أسفار الرؤى بمعركة أرمجدون، (وهي ترجمة يونانية للكلمة العبرية التي تعني ملتقى الجيوش).

وأهمية وقوع هذه الحرب بالنسبة للمتطرفين المسيحيين، تنبع من كونها ستمهد للمسيح المنتظر بظنهم، الذي سيجلس على عرش داود بالقدس محاربا أعداء "إسرائيل". ومن هنا تظهر لنا حقيقة الناحية الدينية في سياسات السيد بوش، التي ادعى فيها مشاهدته لرؤيا روحانية كلفته شخصيا بإنقاذ العالم من الطغيان! هذه العقيدة التي تمثلت جلياُ في الحرب على العراق ثم في إعلانه لاحقا لما اسماه بالحرب الكبرى على الإرهاب. مترجماً بذلك أحقيته في رياسة العالم وترهيب كل من يقف ضده، ليعيد أمريكا والغرب معه إلى دائرة الخوف التي أرعبتهم بها المكارثية ومحاكم التفتيش.

"الله دعاني لترشيح نفسي رئيسا لأميركا، ولقد سمعت الدعوة"!، كانت هذه كلمات من حديث هاتفي بين السيد بوش الابن موجهة للقس الذي تحدث قبلها في إحدى مواعظه عن الناموس الذي تنزل على النبي موسى يأمره بقيادة بني "اسرائيل"، حيث يقال أن والدته قد التفتت له خلال الصلاة لتقول له بأن القس كان يوجه حديثه لك، وهكذا كان قرار ترشحه لقيادة أمريكا مبنياً على وحي ذاتي بأنه سيمهد للمسيح. وهو يحاول تطهير المجتمع الأمريكي من الآفات الاجتماعية، حين يعلن في أوج كارثة كاترينا، الحرب أيضاً على الأفلام الخلاعية!. فيما تتساءل وقتها (الواشنطن بوست) عن أيهما أخطر على أمريكا، (بوش.. أكثر تهديداً من بن لادن، أم من الأعاصير والكوارث؟) ونجد أيضاً أن اندرياس رينر وزير الشؤون الاجتماعية في ولاية بادن فيرتمبرغ الألمانية قد طالب بإعدام بوش.

هذا الهوس بمسألة النهاية من منظور ديني متطرف والذي يسيطر على قادة من مثل بوش في الغرب ونظيره المشرقي احمدي نجاد، لم يسلم منه حتى العوام، ففي أحد أيام الماضي القريب في فلسطين المحتلة يتم اعتقال أحد العامة متعرياً كما خلقه الله مدعياً بأنه "الميسيا المنتظر"، الذي سيعمل على تحرير الـهود كمقدمة "للميسيا" الحقيقي، والضيم المترتب على إبراز هذا الاعتقاد علانية من قبل أحد العوام، أن صاحبه تم الزج به في مشفى الأمراض النفسية لوحده، بينما أصحاب النفوذ ممن يظهرون هذا الاعتقاد هم حكام الكيان الصهيوني والولايات المتحدة!.

قبل إحقاق العدالة بهذا العامي، وإيداعه المصح النفسي، تصدرت الصحف "العبرية" تحذيرات منسوبة إلى أحد كبار القبالة الصهاينة (الذين يدعون التصوف الـهودي) وهو "الحاخام" (بنايهو شموئايل)، يبين فيها خشيته من كارثة ضخمة على الكيان الصهيوني تأتي من ايران متمثلة بقتل "الميسيا"!، فكيف سيحدث هذا الأمر إن كان وعد المخلص حقاً!، إلا أن الأمر عند هذا الكاهن وأمثاله لا يعدو عن كونه تحريضا سياسيا ضد ايران.

نعود لنجاد والعود احمدي!، ففي ايران نجد أن نجادي يقابلهم بما يأملون، وبما يتطابق مع مفهومه الخاص بالمخلص (المهدي المنتظر) من وجهة النظر "الإسلامية شيعية المذهب"، فنجادي أعلن عن ذات مرة على الملأ لرؤيا شاهد فيها هالة من نور حول رأسه!، ناهيك عن تصريحاته المثيرة تجاه الكيان الصهيوني، من نقلها من المنطقة إضافة لإنكار المحرقة، إضافة إلى سياساته الداخلية.

وفي اجتماع وزاري، يتم توقيع الجميع على ميثاق ظاهر الفحوى مستور النص، بين الوزراء المجتمعين والمهدي المنتظر، وقعها الحاضرون مباشرة، ليتم إلقاء الوثيقة في بئر (جامكاران) قرب مدينة "قم المقدسة"، لتصل إلى الإمام الغائب (الإمام الثاني عشر أبو القاسم محمد) مؤملين أن يوقعها من جانبه، وهذا الاعتقاد يلقي بظلاله القوية على البرنامج النووي الايراني، لأهمية كونه تمهيداً لزمان للمهدي، وينقل عنه قوله: "أن المهمة الرئيسية لثورتنا هي تمهيد الطريق لظهور الإمام المهدي الثاني العشر،.. اليوم.. يجب أن نعرف سياساتنا الاقتصادية والثقافية والسياسية استناداً إلى سياسة عودة الإمام المهدي. ينبغي أن نتجنب تقليد سياسات الغرب وأنظمته"..

ونتيجة لهذا الاعتقاد، أصدر السيد نجاد قراراً يقضي على بث الموسيقى الغربية عبر الإذاعة الحكومية وكافة برامج البث التلفزيوني.

فتأمل خيراً يا رعاك الله، من أين تأتي الحكمة وأين هو مكان الفهم!