هل يُصلح "مورو" ما أفسده بوش!!

محمود كعوش كاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك/كاتب رأي في مجلة "البيادر السياسي" المقدسية

في مسعىً جديدٍ لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم وبالأخص في الدول العربية والإسلامية، أطلقت وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً ما أسمته برنامج "إدوارد مورو للصحافة". وجاء ذلك البرنامج في سياق مجهودات يائسة لكسب "عقول وقلوب" الأجانب خارج الولايات المتحدة، بعد ما واجهته الدبلوماسية الأميركية من إخفاقات متكررة على هذا الصعيد جراء احتلال أفغانستان والعراق، واستهداف الإسلام كدين وعقيدة بدعوى محاربة الأصولية والإرهاب، وبسبب التحيز الأميركي الأعمى إلى جانب "إسرائيل" على حساب الحقوق العربية عامة والفلسطينية خاصة.

فصورة الولايات المتحدة في العالم وبالأخص في الوطن العربي والعالم الإسلامي هي في حالة يُرثى لها. وقد دللت على ذلك استطلاعات الرأي التي تم تداولها عقب جولة موفدة الإدارة الأميركية كارين هيوز في عدد من العواصم العربية والإسلامية في شهر تشرين الأول الماضي، إذ أنها مثلما جاءت إلى تلك العواصم غادرتها من دون أن تنجح في تجميل الوجه القبيح للسياسة الأميركية لدى الرأيين العامين العربي والإسلامي.

وفي أوروبا هاهي الشكوى تكبر وتتضخم نتيجة الممارسات الأميركية الحمقاء، خصوصاً بعد فضيحة المعتقلات السرية و"الطيارة" وما كان يجري فيها من تعذيب بحق المعتقلين يتنافى مع أبسط القوانين الإنسانية، ويبدو أن جولات وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لم تنفع حتى الآن في تبديد ملامح الصورة السيئة التي كونها الرأي العام الأوروبي عن الاستباحة الأميركية لأرضه وفضائه، خصوصاً وأن كثيرين من المسؤولين الأوروبيين نأوا بأنفسهم عن هذه الفضيحة حتى لا ينزل عليهم غضب شعوبهم.

وفي الداخل الأميركي فإن الصورة ليست وردية أو أجمل مما هي في الخارج، بدليل تدهور شعبية الرئيس جورج بوش وإدارته التي يتحكم بها المحافظون الجدد إلى أدنى مستوى منذ وصولهما إلى البيت الأبيض قبل خمسة أعوام، مما يعني أن الأميركيين في وادٍ غير الذي يحاول الرئيس وإدارته سوقهم إليه.

الإدارة الأميركية تسخر جميع الجهود والإمكانات المادية لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم بما في ذلك إنشاء محطات التلفزة والراديو، مثل ما هو حاصل مع محطتي "تلفزيون الحرة" و"راديو سوا" الموجهتين إلى الشعب العربي واللتين يمولهما ويشرف عليهما الكونغرس الأميركي بنفسه. نعم تسخر جميع الجهود، باستثناء محاولة الانسجام ولو مرة واحدة مع ما تدعيه من مبادىء وشعارات براقة وكاذبة. لكن ما لم تعمل هذه الإدارة من أجل إيجاد حل عادل ودائم لمسألة الصراع العربي – "الإسرائيلي" بما في ذلك القضية الفلسطينية بالطبع وتبادر إلى سحب قواتها من أفغانستان والعراق وتترك شعوب العالم تعيش حياتها في أوطانها بحرية وعزة وكرامة، فإن أياً من هذه الجهود لن يثمر ولن ينجح في تبييض صفحة "صغيرة" واحدة من السجل الأميركي الأسود!!

وبالعودة إلى برنامج "إدوارد مورو للصحافة"، فإنه حسب زعم ولتر إيزاكسون رئيس معهد "أسبن" والشخص المخول بإدارته والإشراف عليه بالتعاون مع وزارة الخارجية الأميركية "سيتمكن من أن يمزج بنجاح بين المصالح والمثل الأميركية، مثلما نجح مشروع مارشال الذي تم تطبيقه بعد الحرب العالمية الثانية في ضمان عدم خروج غرب أوروبا عن سيطرة الولايات المتحدة وانضمامها للمعسكر السوفييتي آنذاك!!".

وفي مقارنة مصطنعة بين "مارشال" و"مورو"، زاد إيزاكسون في الزعم أنه "منذ ستين عاماً كانت الولايات المتحدة تواجه تحدياً دولياً جدياً للحرية وهو انتشار الشيوعية، غير أن قادتها ردوا بمذهب جديد ومجموعة من المؤسسات المبتكرة مثل خطة مارشال والبنك الدولي وحلف الناتو والأمم المتحدة. واليوم يواجهنا تحد جديد وخطير يتمثل بالتشدد والتطرف والإرهاب لنجد أنفسنا مرة أخرى بحاجة إلى فكر مذهبي يمكنه خلط مبادئنا مع الواقعية!!".

برنامج "مورو" يستضيف عشرات الصحافيين الأجانب في الولايات المتحدة، ويمنحهم فرص الإلتقاء مع نظرائهم الأميركيين عبر حلقات دراسية تعقد في ست مؤسسات تعليمية أميركية بارزة للصحافة، ويسهل لهم زيارة جميع الولايات الأميركية وحضور ندوات نقاش دولية ينظمها معهد "أسبن" في ولاية كولورادو. ومن المتوقع أن تكون الدول العربية والإسلامية أكثر دول العالم استفادة من هذا البرنامج...لأنه موجه بالأساس لها ولأبنائها.

ويشكل هذا البرنامج جزءاً من البرنامج العام لمكتب الشؤون التعليمية والثقافية في الخارجية الأميركية المسمى "البرنامج القيادي للزوار الدوليين" الذي تشرف عليه دينا حبيب باول الأميركية من أصل مصري، والذي يرمي إلى خلق قيادات في المجتمعات الأجنبية "تكون أكثر تفهماً وتقديراً للدور الأميركي في العالم، وتتبنى مبادىء متقاربة مع المبادىء الأميركية"!!

ووفقاً لمعلومات سربتها وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً فإن "العشرات من رؤساء وملوك الدول وأكثر من 1500 وزير من العالم قد شاركوا كطلاب في إحدى المراحل الأولية لـ "البرنامج القيادي للزوار الدوليين"، وإن مئات آخرين اعتلوا مواقع قيادية بارزة في دولهم، وهو ما شجع الوزارة على إطلاق "مورو للصحافة"، على حد زعم مسؤولين كبار فيها!!

مجهودات وزارة الخارجية الأميركية لتحسين صورة الولايات المتحدة في الخارج ترافقت مع حملة قادها الرئيس جورج بوش ومعاونوه لشرح سياستهم تجاه العراق في الداخل، في محاولة لتحسين صورة الإدارة الأميركية لدى الأميركيين. لكن في الوقت الذي دللت جميع المؤشرات على أن وزارة الخارجية لم تنجح حتى اللحظة الراهنة في استعادة محبة وثقة العالم بالولايات المتحدة، فإن حملة الرئيس ومعاونيه لكسب محبة وثقة الأميركيين لم تكن أوفر حظا ً. والأسوأ من ذلك أنه على الرغم من أن استطلاعات الرأي العام داخل الولايات المتحدة سجلت أخيراً قفزة نسبية في شعبية الرئيس وإدارته إذا ارتفعت من 38 في المئة إلى 48 في المئة، إلا أن الأخبار الواردة من واشنطن بدأت تنذر باحتمال تعرض الرئيس إلى جهد أميركي منسق يهدف إلى إقالته خلال العام الجاري، وتحديداً بعد انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني القادم...!!

فلا برنامج "إدوارد مورو" قادر على إصلاح أو تعديل ما أفسده الرئيس جورج بوش على صعيد صورة الولايات المتحدة الدولية منذ أحداث 11 أيلول 2001 حتى الآن، ولا حتى كل البرامج المماثلة منفردة أو مجتمعة قادرة على ذلك... فالحل العادل والدائم للصراع العربي – "الإسرائيلي" بما في ذلك القضية الفلسطينية... والمبادرة الفورية بسحب قوات الاحتلال الأميركية من أفغانستان والعراق... وترك شعوب العالم تعيش حياتها في أوطانها بحرية وعزة وكرامة، هي العوامل الحقيقية القادرة على الإصلاح والتعديل... وربما مع الوقت تبييض السجل الأميركي الأسود الذي فتحه الرئيس بعد تلك الأحداث!!