في الذكرى (15) لأم المعارك... حتى لا ننسى

ديمقراطية "الحرباء" الغربية!!

- كانت مضرب مثلٍ ومغناطيساً لجذب الناس وبالأخص في "العالم الثالث"!

- هي اليوم "حرباء" تتلون مع تلون الظروف والأهواء وتبدل المصالح!

- إن لم تذق كرابيجها، فلا بد أن تذوقها في المستقبل.. صديقي ذاقها!!

- "الدولة العبرية" هي المستفيد الأكبر من هذه الديمقراطية المزعومة.

محمود كعوش كاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك/كاتب رأي في مجلة "البيادر السياسي" المقدسية

الخوض في موضوع الديمقراطية الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص على خلفية تطويعها لازدواجية المعايير تمثلاً بما هو حاصل مع موضوع السياسة الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص، وذلك عندما يتعلق الأمر بالمسلمين عامة والعرب خاصة، لا يعني بحال من الأحوال التنكر لأهمية الديمقراطية وضرورة إرساء قواعدها في العالم الإسلامي والوطن العربي. فالمسلمون والعرب كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل ردم الهوة بينهم وبين حكامهم، وتمهيد الأرضية الصالحة للديمقراطية وإشاعتها في بلدانهم. لكنهم يسعون وراء ديمقراطية تتواءم مع واقع حالهم وتعاليم دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم لا وراء ديمقراطية مستوردة من الغرب لم تعد هي بالأصل موجودة فيه أو ديمقراطية تُفرض عليهم فرضاً وتكون وفق المقاييس الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص، ووفق ما تفترضه الاستراتيجية الأميركية – (الإسرائيلية) المشتركة. وعلى مدار أكثر من أربعة أعوام أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، تواترت التصريحات الشفهية والخطية وما تزال تتواتر في وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة، الصادرة عن كبار المسؤولين الغربيين وبالذات الأميركيين بدءاً بالرئيس جورج دبليو بوش وانتهاءً بأصغر موظفٍ في الخارجية والبنتاغون حول إصرار وعزم الولايات المتحدة الأميركية على فَرْض "ديمقراطيتها" على المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص. وأستذكر في هذا المقام ما جاء في مقالة لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول نشرتها له صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الذي استقبلت به الفاتح من العام الميلادي 2004، لأن ما جاء في المقالة صور ذلك الوضع بشكل واضح لا لبس فيه.

قال باول يومها: "إن جهودنا في أفغانستان ستستمر في عام 2004، فإننا عاقدو العزم أيضاً على تحويل هدف الرئيس "جورج دبليو بوش" الخاص بشرق أوسط حر وديمقراطي إلى حقيقة واقعة. سنقوم بتوسيع مبادرة الشراكة الأميركية - الشرق أوسطية لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في جميع أنحاء المنطقة، كما أننا سنقف إلى جانب الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة مستبدة أثناء نضالها في سبيل الحرية". وأضاف باول: "لقد شعرت إيران بضغطنا وضغط حلفائنا المتواصل عليها للكشف تماماً عن برنامج أسلحتها النووي، وقد بدأت القيام بذلك. كما نبذت ليبيا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل بفضل استراتيجية الرئيس بوش القوية في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل". لم يُشر وزير الخارجية الأميركي السابق حينذاك إلى أسلحة الدمار الشامل (الإسرائيلية) بالطبع مثله مثل جميع السياسيين الأميركيين وعلى رأسهم جورج دبليو بوش. و كان هذا غيض من فيض ما جاء في مقالة كولن باول "العتيدة" قبل عامين. لكن ما تلاها من مقالات خطها باول بقلمه حول الديمقراطية الأميركية "الموعودة" وما أعقبها بقلم خليفته كوندوليزا رايس كان أدهى وأمر !! وتوارى عام 2004 ثم توارى بعده عام 2005 وولجنا الشهر الأول من عام 2006 ولم يتحقق شيء من "ديمقراطية" الولايات المتحدة "الموعودة"!!

أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 هي الذريعة والمبرر

منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحديث المتواتر بعصبية وتوتر عن الأصولية الإسلامية والإرهاب العربي يتوازى مع الحديث عن "محاسن ومزايا" الديمقراطية الغربية وضرورة إرساء دعائمها في الشرق الأوسط عامة والوطن العربي خاصة، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب. ويوماً بعد آخر بدأت وتيرة هذا الحديث تتصاعد أكثر فأكثر. ومنذ ذلك التاريخ، تحوّلت الديمقراطية إلى سلاح تُشهره الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وبلدان الغرب بشكل عام في وجه أي بلدٍ إسلامي أو عربي لا ينصاع للإرادة الأميركية - الغربية المشتركة، ولا يستجيب لمتطلبات الاستراتيجية الأميركية – (الإسرائيلية) ومشروعها الاستعماري - التوسعي في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الوطن العربي بالطبع. والحقيقة أن هذه الديمقراطية قد عفا عنها الزمن وأصبحت أثراً بعد عين، أكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو في العديد من بلدان الغرب. وهنا قد يجوز لي استثناء اسكندنافيا بشكل عام والدنمارك بشكل خاص... وربما فرنسا أيضاً إلى حد ما. وهذه الديمقراطية لم تعد سوى شعارٍ أو يافطة للمشروع الاستعماري – التوسعي، لإعطائه "المشروعية" وإضفاء الصبغة الواقعية عليه، وبالأخص فيما يتعلق منه بمنطقة الشرق الأوسط، وعلى أخص الخصوص الوطن العربي. وكما أن السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة تكيل بمكيالين عندما يتصل الأمر بالشرق الأوسط وبالأخص بالوطن العربي، فإن الحال هو كذلك مع الديمقراطية التي أصبحت ظرفية وتتلوّن وفق الظروف والأهواء والمصالح ومتطلبات السياسة.

غُيبت الديمقراطية مع تحول العالم إلى أحادية القطبية

غُيبت الديمقراطية مع تغييب الأمم المتحدة ومجلس أمنها لتمرير العدوان الأميركي - البريطاني على العراق في عام 2003، لا بل غُيبت قبل ذلك بكثير وربما مع سقوط جدار برلين وتفكك الإتحاد السوفياتي في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات في القرن الماضي. ولم يتبق من هذه الديمقراطية إلا الشعار واليافطة كما أسلفت الذكر لرفعهما بين الحين والآخر خدمة لمصلحة المشروع الأميركي – (الإسرائيلي) الاستعماري التوسعي. نعم غُيبت الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية والعديد من بلدان الغرب وأدخلت غرفة العناية الفائقة "الإنعاش" مع تحول العالم إلى أحادية القطبية. غُيبت قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001، فكيف الحال مع هذه الديمقراطية بعد ذلك التاريخ ؟ فالحرب على العراق التي شُنّت في عام 1991 وبعدها حرب البوسنة والهرسك "سراييفو" وحرب يوغسلافيا وأفغانستان واحتلالها وحرب العراق واحتلاله أخيراً مثلت شواهد حية للديمقراطية الغربية قبل وبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001. أما ما يجري من استهداف للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة بصورة خاصة والعالم بما فيه الغرب بصورة عامة، وهو ما اعترف وأقر به كل العالم بمن فيه الأمين العام للمنظمة الأممية المُغيبة كوفي أنان، لهو شاهد آخر على الديمقراطية الغربية "وفضائلها ومحاسنها وحسناتها" !! ولعلّ ما هو حاصل من صَمتٍ مُطبقٍ تجاه التقتيل والحصار والتجويع والإذلال للإنسان والفتك بالشجر والحجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ما هو إلا شاهد الشواهد على هذه الديمقراطية المزيفة. ولا ننسى الديمقراطية الغربية المطبقة في معكسر غوانتانامو منذ احتلال أفغانستان عام 2002. إنها الديمقراطية الغربية عامة والأميركية خاصة التي يريدون تصديرها إلى العالم الإسلامي والوطن العربي... لا بل هي الديمقراطية التي يريدون فرضها عليهما قصراً بالعصا بدون جزرة وبالترهيب بلا ترغيب. ولا شك أن "الديمقراطية" (الإسرائيلية) المولودة أصلاً من ضلع الديمقراطية الغربية، لا تقل عنها "سذاجة وسخافة" من حيث "الفضائل والمحاسن والحسنات" !

إن لم تذق "كرابيج" الديمقراطية الغربية، فلا بد أن تذوقها يوماً ما... صديقي ذاقها اسأله عنها يجيبك!

قبل خمسة عشر عاماً قُدِرَ لصديقٍ عزيز أن يتذوق "كرابيج" الديمقراطية الغربية لأربع وعشرين ساعة كاملة "فقط لا غير !!"، ولا يزال طعمها تحت أسنانه، لا بل ما زال يدفع ثمن تلك الكرابيج حتى يومنا هذا. وهي إذا ما قيست بـ"كرابيج" الديمقراطية الغربية التي تذوقها مسلمون وعرب آخرون لا تُحصى أعدادهم منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حتى اليوم، فلا تشكل "إبرة في كومة من قش" حسب تعبير لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد استعمله مراراً وتكراراً قبل تمكن قوات الاحتلال الأميركية من أسر الرئيس صدام حسين في ديسمبر/ كانون الأول 2003. نعم، صديقي تذوقها قبل ذلك بكثير... تذوّقها قبل خمسة عشر عاماً كما أسلفت الذكر، وكان ذلك في واحدة من "ديمقراطيات" الغرب، بل في أُم الديمقراطيات الغربية كما يحلو للغربيين عامة والإغريق خاصة أن يطلقوا عليها. كانت ديمقراطية أبعد ما تكون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ومواثيقها واتفاقياتها وفي مقدمها اتفاقية جنيف "حسنة الصيت والسمعة"... تلك الاتفاقية التي ربّما تُطبق على الجميع ما عدا العرب. تذوّقها صديقي وتذوّقها معه عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب في البلدان الغربية.

كان ذلك في يناير/ كانون الثاني 1991، وتحديداً في الثامن عشر منه بعد ساعات قليلة من قيام الجيش العراقي بتوجيه صواريخه إلى قلب تل أبيب رداً على بدء الحرب الثلاثينية على العراق بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تلك الحرب التي حلا للبعض تسميتها "حرب الخليج الثانية" وحلا لواشنطن أن تُطلق عليها تسمية "عاصفة الصحراء" في حين اختار لها العراقيون اسم "أم المعارك"، والتي وقعت بذريعة احتلال الكويت وضرورة تحريرها. في ذلك الوقت كان صديقي واحداً ممن راعهم ما حدث لألف اعتبار واعتبار، أبرزها خوفه على العراق في الإطار القطري والوطن العربي في الإطار القومي الأوسع. لقد كانت الكويت هي الذريعة والمبرر، ولو لم تكن لأوجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها ألف ذريعة وذريعة وألف مبرر ومبرر غيرها !! كان صديقي في حينه يكتب لإحدى الصحف العربية الكبرى وكانت الصحيفة من أبرز الصحف المعارضة للاحتلال وصدام حسين مع أنها كانت تُطلق عليه لقب "فارس العرب" إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.

ديمقراطية المخابرات والاستخبارات وغرف العمليات الأمنية المشتركة

خمسة أشهر وبضعة أيام كانت قد مرّت على دخول الجيش العراقي إلى الكويت وضمها للعراق، قضاها صديقي في تدوين أرقام لوحات سيارات جهاز المخابرات في ذلك البلد الغربي "الديمقراطي" التي كانت تتابعه أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، ومحاولة التملّص من رجال الاستخبارات الدوليين الذين ظهروا علي سطح الأحداث فجأة ومن دون إنذار مبكر ونشطوا تحت أسماء ومسمياتٍ مختلفة ومزيفة. فمنهم من كان يقدم نفسه ككاتب أو باحث يسعى وراء دراسة تختص بمنطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي، وآخر كان يقدم نفسه على أنه صحافي جديد يسعى وراء المساعدة، وثالث كان يدعي أنه رجل أعمال وافد يسعى وراء الإعلان لأعماله ومشاريعه في الصحيفة التي كان صديقي يعمل بها. رجال مخابرات البلد الغربي "الديمقراطي" كانوا يطاردون صديقي متجنبين الاحتكاك المباشر به. كان جل اهتمامهم أن يضعوه تحت ضغط نفسي ثقيل ومكثف فقط. هكذا كانت الأوامر والتعليمات لهم. والوافدون الجدد من رجال الاستخبارات الدوليين ذو المهن المتعددة والمزيفة كانوا يبالغون ويفرطون في دعواتهم لصديقي، ربما ليظل تحت عيونهم وأبصارهم. في حينه تأكد لصديقي أنه مقبل على ما لا تُحمد عقباه "ولربما على أيام سوداء"، إذا ما "وقعت الواقعة" وشنت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الحرب على العراق، لا لأنه كان متعاطفاً مع العراق ومؤيداً له، ولا لأن البلد الغربي "الديمقراطي" كان يملك من المبررات ما يعطيه حق اعتقاله أو ترحيله، إنما لأن إحدى السفارات العربية التي كانت ممثلة في غرفة العمليات الأمنية التي تشكلت في عاصمة ذلك البلد على غرار مثيلاتها في العواصم الغربية الأخرى بذريعة مواجهة "الأخطار المحدقة" كانت قد خاطبت وزارة الأمن في تلك العاصمة وطلبت منها ملاحقة ومتابعة صديقي، وإذا اقتضى الحال ترحيله على أول طائرة (بغض النظر عن الجهة التي يرّحل إليها). المخاطبة تمت عبِرَ كتاب دبلوماسي رسمي. لكن صديقي وإن أخذ الأمر على محمل الجد وتهيأ لتبعاته سلفاً، إلا أنه ظل كغيره يراهن حتى اللحظة الأخيرة على حكمة القيادة العراقية واحتمال انسحاب الجيش العراقي من الكويت طوعاً وسحب الذرائع من أيدي الولايات المتحدة الأميركية وجميع البلدان الغربية المتربصة شراً بالعراق خاصةً والأمة العربية عامة... وهنا لا أستثنى تربص (إسرائيل) بالطبع. لكن حتى ذلك لم يفد، لأن الولايات المتحدة وحلفائها كانوا قد اتخذوا قرار الحرب من قبل.

اليونان كانت البلد الغربي "الديمقراطي" المقصود

البلد الغربي في بيت القصيد هنا كانت اليونان، وقد سبق أن ألمحت إليهاً في سياق الإشارة إلى الإغريق وأم الديمقراطيات الغربية. نعم كانت اليونان حيث كان صديقي يقيم مع عائلته في عاصمتها، وكان يعمل في الحقل الإعلامي كما أسلفت الذكر أيضا ً. وكانت الصحيفة العربية التي أشرت إليها سابقاً من بين وسائل الإعلام التي كان يراسلها، وهي كانت وما زالت تتخذ من عاصمة الضباب وصاحبة الجلالة مقراً لها. كان صديقي في حينه يعتبر اليونان واحدة من بلدان العالم الثالث عشر لما للديمقراطية فيها من "قدسية !!" ندر وجودها في بلدان ديمقراطية حقيقية مثل البلدان الإسكندنافية !! وقد عبّر عن ذلك في عديد مقالاته. كانت الحكومة اليونانية منزعجة من صديقي لأنه لطالما عَبّرَ عن اهتمامٍ إعلامي خاص بشؤون المسلمين في منطقة "تراقيا" شمال اليونان بمحاذاة الحدود مع تركيا. وعبّر عن ذلك في مقالاته أيضاَ، كما وأقام علاقات وصلات طيبة مع تلك الأقلية اليونانية ومع ممثليها في البرلمان... وكانوا لا حول لهم ولا قوة لأن الإعلام المحلي والدولي اعتاد متعمداً تجاهلهم وتجاهل أقليتهم، وكذلك الدبلوماسيون المسلمون والعرب. وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة منزعجاً من صديقي أيضاً مثله مثل الحكومة اليونانية، لكن لسبب أو أسباب أخرى أقلها أنه كان يبدي حضوراً ديناميكيا في الندوات السياسية العامة والخاصة التي اعتاد حضورها كبار السياسيين اليونانيين بمن فيهم رئيس الحكومة لم يكن ليتوفر عند رأس الدبلوماسية المقصود وأقرانه من الدبلوماسيين وبالأخص العرب منهم. فقد امتاز صديقي بجرأة وطنية وقومية كانوا يفتقدونها، وكانت تخوله مماحكة أولئك السياسيين ورئيس حكومتهم ومحاورتهم بحدة وحتى انتقادهم شفهياً وفي مقالاته لأن اليونان في ذلك الوقت كانت قد شرعت في مغازلة (إسرائيل) وبدأت تتخلى تدريجياً عن موقعها ودورها كجسر للعلاقات الطيبة بين الغرب والعرب. في حينه وصل اليمين اليوناني "حزب الديمقراطية الجديدة" بزعامة قسطنطين ميتسوتاكيس الى السلطة بعد هزيمة انتخابية أنزلها باليسار الاشتراكي "حزب الباسوك" وزعيمه التاريخي أندرياس باباندريو، وانحرف بالسياسة اليونانية الخارجية "180 درجة" معاكسة للنهج الباسوكي الداعم للعرب والقضية الفلسطينية. وفي حينه اعترف اليمين اليوناني بـ(إسرائيل) لأول مرة منذ عام 1948. وكانت الحكومة اليونانية منزعجة من مواقف صديقي بهذا الخصوص أيضاً. الحكومة اليونانية لم تستطيع ترحيله وإن تمكنت من ملاحقته ومتابعته. لم تستطع ترحيله لأن حصانته الصحفية كانت تمنعها من ذلك، ورأس الدبلوماسية لم يستطع هو الآخر أن يُحقق مطلبه لأن صديقي كان يتمتّع بحصانة لا تقل قوة عن حصانته.

تجدر الإشارة إلى أنه وعلى ضوء احتلال الكويت وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين اليونان و(إسرائيل) انعقد في أثينا مؤتمر دولي سري تحت عنوان "مواجهة الأصولية القادمة من الشمال", رعته وكالة الاستخبارات الأميركية "C.I.A" وأشرف عليه إحدى محطات التلفزة اليونانية وتدعى Antena. ورأس المؤتمر وسيط السلام الأميركي المغفور له فيليب حبيب. صديقي كان الصحافي الشرق أوسطي الوحيد المشارك في ذلك المؤتمر بحكم علاقاته مع أحد كبار العاملين في محطة التلفزة المذكورة، وكان الشاهد العربي الوحيد على مشاركة عدد من السياسيين الدوليين والعرب و(الإسرائيليين) السابقين في ذلك المؤتمر. وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة نجماً من نجوم ذلك المؤتمر. وقد تصدر الطاولة الرئيسية أثناء العشاء الختامي للمؤتمر إلى جانب فيليب حبيب والسفير الأميركي والوفد (الإسرائيلي). وكان صديقي أيضاً شاهداً على جلسته "الشاعرية" التي لم يحسده عليها أحد من الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين لبّوا دعوة العشاء، وهو ما زاد في انزعاج سعادته من صديقي أكثر فأكثر. ذلك المؤتمر مثّل "بالطبع !!" وجهاً من وجوه "الديمقراطية" الغربية !! لأنه شكل حلقة من حلقات التآمر عل المسلمين والعرب في العالم وبالأخص في الغرب!!

الرئيس بوش الأب اتخذ قرار الحرب وأعلن عن ساعة الصفر، فكشرت الديمقراطية الغربية عن أنيابها

مع اتخاذ الرئيس الأميركي في حينه جورج بوش الأب قرار شن الحرب على العراق وتحديد ساعة الصفر، أعلنت حالة الطوارئ القصوى في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الغرب... وبالطبع في اليونان. ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر، سقطت الديمقراطية الغربية، بل غُيبت، وسقطت وغُيبت معها جميع حقوق الإنسان وبالذات الإنسان العربي، واتفاقيات هذه الحقوق بما فيها اتفاقية جنيف. ولم يعد هناك من قيمةٍ تُذكر لجميع الحصانات، الصحفية منها والدبلوماسية. نعم سقطت الحصانات جميعها. وكما كان مفترضاً أن يدفع العراق ورئيسه ونظامه ثمن التمرّد على الإرادة الغربية عامة والأميركية خاصة وكذلك الإرادة (الإسرائيلية)، أصبح من واجب كل بلد أن يصفي حساباته مع خصومه السياسيين الذين تجرأوا على توجيه الانتقاد والنقد له ولسياسته !! وكانت "الديمقراطية" الغربية هي الشعار واليافطة. والتقط ممثلو البلدان في غرفة العمليات الأمنية في أثينا كغيرهم في الغرف المماثلة في العواصم الغربية الأخرى الفرصة للإنتقام من خصومهم كذلك. ومع قرار شن الحرب وتحديد ساعة الصفر أُطلق العنان لـ"الديمقراطية" الغربية لتصول وتجول. كانت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة و(إسرائيل) وبلدان عربية إضافة إلى البلد المُضيف ممثلين في غرفة العمليات الأمنية "سيئة الصيت والسمعة" تلك. ومع القرار وساعة الصفر انتشر رجال مخابرات تلك البلدان على عجلٍ سعياً وراء "خصومهم" من الشبان العرب لاصطيادهم والحصول على أوسمة رفيعة من الولايات المتحدة الأميركية و(إسرائيل) وترقيات من بلدانهم. وكل ذلك جرى بسرعة البرق في ظل "الديمقراطية" الغربية التي لطالما تغنت بها بلدان الغرب وسعى الرئيس جورج بوش الأب إلى تطبيقها بل فرضها في الوطن العربي، كما يسعى الآن الرئيس جورج بوش الإبن إلى تطبيقها وفرضها على الوطن العربي، لكن بأكثر حدة وصرامة... وحماقة. فأيام الأب كان العالم ثنائي القطبية أما الآن وفي عهد الإبن فالقطبية واحدة ومحصورة بالولايات المتحدة.

بدأت الحرب، وبدأت "الديمقراطية" الغربية معها تعبّر عن ذاتها بشراسة ما بعدها شراسة

مع فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991 بدأت الحرب وألقت الطائرات الأميركية والغربية حِممها وجميع أنواع قنابلها فوق العراق وفي المنطقة الحدودية مع الكويت، كما وجهت البوارج جميع أنواع صواريخها باتجاه العراق والمنطقة الحدودية أيضاً، وتحوّلت منطقة الخليج إلى جحيم حقيقي أتى على الأخضر واليابس والبشر والشجر والحجر. القنابل والصواريخ الأمريكية والغربية أتت على كل ما كان يتحرك في العراق وعلى حدوده من الأهداف البشرية والآلية، بكل ما امتلك واختزن أصحابها من حقد على العراق والوطن العربي. أصبح العراق والمنطقة الحدودية مقبرة مفتوحة للجثث المحترقة، كما أن الآليات العسكرية والمدنية تحولت إلى ركام من المعادن المُحطمة والمحترقة. ومع بدء الحرب في فجر ذلك اليوم، استُنفرت غرفة العمليات الأمنية في أثينا كما استُنفرت جميع غرف العمليات الأمنية في بلدان الغرب "الديمقراطية... استنفرت بشراسة ما بعدها شراسة. ومع قصف تل أبيب بالصواريخ العراقية مع صبيحة اليوم التالي، رفعت غرفة العمليات في أثينا مثلها مثل غرف العمليات في العواصم الغربية الأخرى من درجة استنفارها إلى الحد الأقصى، وبدأ رجال المخابرات في استدعاء... بل القبض على كل من أشَّرَ إليه أركان تلك الغرفة، وبالأخص العرب. كان صديقي يتناول الغداء مع واحدٍ من رجال استخبارات البلد العربي المُمثل في غرفة العمليات كان قد قَدَم نفسه له كرجل أعمال قادم من الولايات المتحدة الأميركية ويريد الإعلان عن مشاريعه في الصحيفة العربية "المذكورة" التي كان صديقي يراسلها. كان صديقي يتناول الغداء مع "رجل الأعمال" الإستخباراتي بناءً لدعوة مبكرة وعاجلة على ما بدا حتى يكون تحت عين الغرفة الأمنية وفي متناول أيدي الممثلين فيها. اتصل أبناء صديقي به على عجل وأبلغوه بضرورة العودة إلى البيت لأمر عاجل وتعليمات من رجال المخابرات. اعتذر من مُضيفه الإستخباراتي ليستقبله رجال المخابرات على الباب ويطلبوا منه مرافقتهم مصحوباً بإقامته وجواز سفره بذريعة أن وزير الأمن ينتظره في الوزارة لأمرٍ هام. كانت الوزارة تعُجُ بالعرب، وبالأخص الفلسطينيين، ممن أوقفتهم أجهزة الأمن والطوارئ. قيلَ لصديقي أنه مهدد بالقتل وأن الوزارة بصدد حمايته والحفاظ على سلامته. استضافوه في غرفة مزودة بهاتف لإجراء مكالماته الهاتفية، وكانت مفتوحة على بهو يمتلئ بالموقوفين العرب وبالأخص الفلسطينيين ممن كانوا يقيمون في اليونان بحكم أعمالهم أو دراساتهم الجامعية. أجواء من "الديمقراطية" المتناهية كانت تُخيم على وزارة الأمن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه رئيس الوزراء اليوناني في حينه قسطنطين ميتسوتاكيس أنه "سيكنّس أثينا من العرب وينظفها منهم"... وهذا تعبير غربي "ديمقراطي" أيضاً. ومع ساعات الليل الأخيرة ساقوا صديقي إلى زنزانة مليئة بالموقوفين العرب معظمهم من الفلسطينيين، فأيقن عندها أنه سيكون ضيفاً ثقيلاً على ديمقراطية اليونان وأن الآتي سيكون أعظم وأخطر. في حينه كانت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية تبث خبر اعتقال صديقي وقرار الحكومة القاضي بترحيله، وفق ما علم فيما بعد. ظهر اليوم التالي وبدل أن يتمَ الإفراج عنه حسبما قيل له، اقتادوه إلى سيارة تحمل لوحة من اللوحات التي كان قد دونها إبانَ فترة متابعته بعد احتلال الكويت توجهت به إلى المطار مصحوبة بآلية مصفحة تابعة للأمن اليوناني. أدخلوه مُدرج المطار عِبرَ بوابة جانبية لتحاشي الحشد الإعلامي الذي كان ينتظره في بهو المطار. أدخلوه المدرج باتجاه طائرة كانت وجهتها ليبيا التي لم يسبق له أن زارها برغم عديد الدعوات التي كانت توجه إليه أثناء احتفالات الفاتح من سبتمبر/أيلول والتي لم يُلبِ واحدة منها. حاول التمنع وطلب تسفيرهُ إلى لبنان أو الأردن أو يوغوسلافيا، فكان الرفض وتخييره بين الطائرة المتوجهة إلى ليبيا أو طائرة "العال" (الإسرائيلية) التي كانت متوقفة على مسافة ليست ببعيدة. كانوا يعنون ما قالوه له... لم يكن ذلك من باب التهديد والتخويف. في النهاية دفعوا به دفعا بكل ما تحمله الديمقراطية الغربية من وحشية داخل الطائرة. نعم كان ذلك الدفع من "آليات الديمقراطية" الغربية !! لم يُسمح لصديقي أن يودع عائلته أو أن يمرّ على بيته للحصول على بعض الملابس والنقود أو كتابة توكيل لزوجته للتصرف في ضرورات المنزل والعائلة "النقدية". دخل الطائرة بالملابس التي كان يرتديها وفي جيبه آلاف الدراخمات التي لم يكن لها قيمة خارج اليونان لتعذر استبدالها بعملات أخرى. هي "الديمقراطية" الغربية بعينها التي يريدون تصديرها للوطن العربي أو فرضها بقوة الترهيب... "ديمقراطية إذلال الكرامة والإرادة والروح عند الإنسان العربي... نصف ساعة أو أكثر قضاها صديقي في الطائرة وحيداً قبل أن يتدافع الدبلوماسيون العراقيون وعائلاتهم إلى داخلها مرحلين أيضاً، تنفيذاً لقرار دولي شمل جميع البعثات الدبلوماسية العراقية في العالم قضى بتخفيضها إلى الحد الأدنى. وهال صديقي أن يعرف منهم أن اسمه كان مدرجاً أيضاً على القائمة الدبلوماسية التي سلمها وزير الخارجية اليوناني للسفير العراقي... قائمة الدبلوماسيين غير المرغوب في بقائهم فوق الأراضي اليونانية، علماً أن صديقي لم يكن في يوم من الأيام دبلوماسياً.. لا عراقياً ولا فلسطينيا ً. لكنها الديمقراطية اليونانية التي تمثّل وجهاً من وجوه الديمقراطية الغربية التي تعمل على وضع العربي في القالب الذي تريد وتهوى.. المهم أن يتشكل ذلك ويتواءم مع آليات ومتطلبات تلك الديمقراطية البائسة. وصل صديقي إلى لبيبا مع انفراط عقد مظاهرة المليون التي تصدرها في 19 يناير/ كانون الثاني 1991 في طرابلس العقيد معمر القذافي تأييداً للعراق ورفضاً للحرب ضده. وصل وأحسنت وفادته وضيافته. أيام قلائل بعدها انتقل إلى تونس للالتحاق بأبناء جلدته الذين كانوا ما يزالون في تونس كواحدة من المنافي الفلسطينية. هناك عرف أن مئات بل ألوف العرب جُلهم من الفلسطينيين ممن حملوا الفكر القومي العربي قد سبقوه إليها مُرحلين من اليونان وبلدان غربية "ديمقراطية" أخرى كثيرة، لا لسببٍ إلا لأن الفكر القومي العربي يتعارض بل ويتصادم مع متطلبات الديمقراطية الغربية ذات "المحاسن والمزايا" العديدة التي يريدون تصديرها للوطن العربي، بل فرضها عليه فرضاً.

هي حكاية العربي مع ديمقراطية "الحرباء" الغربية!!

حكاية صديقي مع "الديمقراطية" الغربية التي ما تزال تؤرق جفونه وتقض مضاجعه وتُنغص أحلامه حتى أحلام اليقظة منها، والتي ما يزال طعمها تحت أسنانه حتى اليوم، هي حكاية عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001. أما حكايات بل مآسي عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة بعد ذلك التاريخ مع تلك الديمقراطية، فهي أدهى وأمر وأكثر إيلاماً. وإذا كانت الكرامة والإرادة والروح العربية قد تعرضت للإذلال والمهانة قبل ذلك التاريخ، فهي معرضة الآن للقتل والفتك والإبادة. هذا إذا قُدّر لـ(إسرائيل) أن تحافظ على استئثارها أو تستأثر أكثر فأكثر بملف السياسة الغربية وبالأخص الأميركية في الوطن العربي. وكذا الحال مع الديمقراطية الغربية وبالأخص الأميركية، وهي بيت قصيدنا الآن. فهذه الديمقراطية التي كانت مضرب مثل في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومغناطيساً يجذب الناس وبالأخص في العالم الثالث إليها، فقدت بريقها مع بداية العقد الأخير من ذلك القرن وأصبحت بلا جاذبية تُذكر. فهي بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تحوّلت إلى "حرباء" تتلوّن وفقاً للظروف وضرورات السياسة الاستعمارية - الاستيطانية التوسعية الجديدة. إنها الديمقراطية التي (تارة تتبنى لغة الدفاع عن حقوق الإنسان كما هو الحال في الصين، وتارة أخرى تتبنى لغة مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق المرأة كما هو الحال في أفغانستان، وتارة ثالثة تتبنى لغة مصادرة أسلحة الدمار الشامل لتدميرها لخطرها على السلم والاستقرار والأمن في العالم كما هو الحال في العراق، وتارة رابعة تتبنى لغة الدعوة إلى تطوير الأنظمة وتغيير بنيتها لتنتج ثقافة التسامح بدلاً من إنتاج ثقافة أصولية تشكل تربة "خصبة" للإرهاب كما هو الحال في بعض البلدان الإسلامية التي تعتمد القرآن دستوراً لها). وقبل هذه مجتمعة "لا ننسى وجه هذه الديمقراطية" المكشر عن أنيابه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ترى إلى متى سيستمر العرب على ما هم عليه من استكانة واستسلام مهينين أمام هجمة "الديمقراطية" الغربية وبالأخص الأميركية؟!