الجامعة العربية إلى أين؟ وماذا عن الأمين العام؟

هل نعتبر تهديد عمرو موسى بالتوقف عن العمل إشارة لقرب مغادرته منصبه؟

وهل شكل الاجتماع الأول للبرلمان العربي الانتقالي خطوة على طريق وحدة العرب، أم أنه جاء في إطار العلاقات العامة؟!

بقلم: محمود كعوش كاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك/كاتب رأي في مجلة "البيادر السياسي" المقدسية

أبى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أن ينتهي عام 2005 المنصرم دون أن تحقق جامعته "إنجازاً عظيماًً" يُسجل لكليهما عند مراجعة أحداث العام العربية في وسائل الإعلام، كما جرت العادة مع بداية كل عام ميلادي جديد، وقد تمثل ذلك "الإنجاز العظيم" باحتضان القاهرة فعاليات أول "برلمان عربي انتقالي" في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، استجابة لقرار القمة العربية التي انعقدت في العاصمة الجزائرية بين 22 و23 مارس/آذار الماضي والذي جاء في سياق حزمة أفكار استهدفت تطوير الجامعة العربية.

"البرلمان العربي الانتقالي" انتخب الكويتي محمد جاسم الصقر رئيساً له. الصقر هدد في أول تصريحات صحفية له أعقبت اجتماع البرلمان بالاستقالة من منصبه إذا رفضت الحكومات العربية منح البرلمان دوراً تشريعياً وأصرت على أن يظل دوره استشارياً.

يذكر أن النظام الأساسي "للبرلمان العربي الانتقالي" ينص على سبعة اختصاصات أبرزها "مناقشة الموضوعات المتعلقة بتعزيز العمل العربي المشترك وإصدار آراء وتوصيات بشأنها، وإيلاء الاهتمام بالتحديات التي تواجه الوطن العربي وعملية التنمية خصوصاً في المجالات الاقتصادية والبشرية والتكامل الاقتصادي فيه". وتتضمن اختصاصاته أيضاً "مناقشة مشاريع الاتفاقيات الجماعية العربية"، ولكن لا يحق له إلا إصدار توصيات، وليست له صلاحيات تشريعية.

تعمُد الجامعة العربية وأمينها العام وداع عام 2005 بعقد "البرلمان العربي الانتقالي" اجتماعه الأول افترض طرح السؤال التالي: هل عنى هذا الاجتماع فتح صفحة جديدة بين الجامعة والأنظمة العربية قد تتضمن من الإيجابيات ما لم تتضمنه الصفحات السابقة، بحيث يمكن لنا أن نتكهن بأن الجانبين سيشهدان في قادم الأيام علاقات إيجابية تنعكس خيراً على أعمال الجامعة والشعب العربي، أم أنه مثل حالة تسويقية مؤقتة جاءت في سياق "ذر الرماد في العيون"؟!

الإجابة على هذا السؤال تستدعي الإشارة إلى أن الجامعة العربية قد بدأت تتعرض منذ إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق في مارس/آذار 2003 لحملات انتقاد عنيفة ومركزة من قبل المواطنين العرب بسبب عدم اضطلاعها بدورها في الدفاع عن القضايا العربية وعلى رأسها قضيتا العراق وفلسطين. والمسؤولون في الجامعة درجوا منذ ذلك التاريخ على التلميح إلى أن المشكلة تكمن في حالة التفكك العربي التي عادة ما ترمي بظلالها السلبية على حركتهم وآلية عمل الجامعة، الأمر الذي يعني أن هناك حالة من عدم الثقة بين الجامعة والعديد من الأنظمة العربية يستحيل معها توقع حدوث تغير إيجابي في علاقات الجانبين.

أما بالنسبة لعلاقات الجامعة بالنظام الرسمي العربي فإنه ومنذ أن دخل هذا النظام في مرحلة "غيبوبته" التي بدأت فعلياً مع توقيع "اتفاقيات كامب ديفيد" مع (...) "الإسرائيلي" في حقبة سبعينات القرن الماضي، دأبت الأنظمة العربية على إلقاء تبعات مشاكلها وأزماتها الداخلية والخارجية على كاهل الجامعة العربية وتحميلها مسؤولية عدم حلها. وبالطبع كان لكل من الأمناء العامين الثلاثة الذين تعاقبوا على ولاية أمانتها العامة بعد تلك الحقبة الشاذلي القليبي وعصمت عبد المجيد وعمرو موسى نصيب وافر من تلك التبعات المفتعلة.

فبنتيجة تلك الاتفاقيات المشؤومة تم نقل الجامعة العربية من مقرها الدائم في القاهرة إلى العاصمة التونسية وانتُخب التونسي الشاذلي القليبي خلفاً لأمينها العام المصري محمود رياض، كإجراء "عقابي" لمصر بسبب خروجها عن الإجماع العربي.

لكن لم يطل الأمر كثيراً مع ذلك الوضع الشاذ إذ عادت الجامعة العربية من جديد إلى مقرها الدائم مع عودة مصر إلى الصف العربي أو عودة العرب إلى مصر، لا فرق في ذلك ولا خلاف حوله، لأن مصر تبقى في كل الأحوال الرئة التي يتنفس منها العرب ولأنها لم تتخل عن دورها القومي لا في حالة الحرب ولا في حالة السلام مع (...) "الإسرائيلي". إلا أن الجامعة العربية ظلت في كل الأحوال "الشماعة" التي تعلق الأنظمة العربية عليها مشاكلها وأزماتها... وكذلك ظل الحال مع أمنائها العامي.

وبموجب استقالة الشاذلي القليبي احتجاجاً على المهزلة "الدرامية" التي شهدتها الجامعة العربية في عام 1990 تهيئة للعدوان الثلاثيني على العراق عادت الأمانة العامة إلى المصريين مع تولي عصمت عبد المجيد شؤونها، لتستقر أخيراً في عهدة أمينها العام الحالي عمرو موسى في مايو/ أيار 2001 الذي كان للجامعة في ظل أمانته لها النصيب الأوفر من تبعات مشاكل وأزمات الأنظمة العربية... ليس لأن الجامعة وأمينها العام أرادا ذلك وإنما لأن الأنظمة نفسها أرادته عن سابق إصرار وتعمد "لغايات في نفس الحاخام يعقوب والعم وسام".

فعمرو موسى، الذي لم يمض على وجوده على رأس الجامعة العربية خمس سنوات بعد، امتاز عن أسلافه من الأمناء العامين بأنه لم يكن في لحظة رجلاً توفيقياً يقبل بأنصاف أو أثلاث أو أرباع الحلول، خاصة إذا جاءت تلك الحلول للمشاكل والأزمات العربية على حساب مبادئه وأخلاقياته، وقبل هذه وتلك إذا كانت على حساب المصالح القومية، لذلك وجد موسى نفسه منذ اللحظات الأولى لانتخابه هدفاً لحملات العديد من الأنظمة العربية التي أرادت أن تطوع الجامعة لأغراض ومصالح دولها القطرية الضيقة، وعلاقاتها مع العالم الخارجي وبالأخص مع الولايات المتحدة.

فمن جانبها اعتبرت الكويت موسى خصماً لها بعدما كسر الحصار الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق والذي أدى إلى قتل ما يزيد عن مليون عراقي معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ. ويوم زار بغداد والتقى الرئيس العراقي صدام حسين، أفصحت الكويت عن عداوتها له وطالبت بإقصائه عن الأمانة العامة للجامعة متهمة إياه بالانحياز للعراق في حربها معه.

والإمارات العربية المتحدة وإن لم تفصح عن خصومتها للأمين العام بشكل علني، إلا أن علاقاتها معه شابها التوتر والتدهور عندما امتنع عن طرح مبادرة الراحل الشيخ زايد آل نهيان أثناء القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ، والتي كانت تقضي بتنحي الرئيس العراقي عن السلطة في العراق مقابل "ضمان منع شن الحرب عليه!!".

أما الجزائر فقد بدأت "تنقر على دفوف" تدوير منصب الأمين العام للجامعة العربية منذ قمة تونس، الأمر الذي أدى إلى توتير العلاقات فيما بينها وبين عمرو موسى. وقد بلغت الأزمة بين الجزائر وموسى ذروتها بعد التفجيرات التي شهدتها مدينة شرم الشيخ في 23 يوليو/تموز الماضي إثر دعوة الرئيس المصري حسني مبارك إلى عقد قمة عربية في المدينة في خطوة لم تخلُ من التحدي المباشر للإرهاب والإرهابيين. وبالرغم من إن القمة لم تعقد، إلا أن "ذنب" موسى "ظل كبيراً" في نظر الجزائر لأنه دعا لتلك القمة دون التشاور معها باعتبار أنها رئيسة القمة العربية.

والحكومة العراقية المعينة من قبل سلطة الاحتلال الأميركي والتي انتهت ولايتها في 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قامت بعملية "لطم على الخدود" بعدما اعترض عمرو موسى على عملية تهميش الهوية العربية للعراق في الدستور الجديد الذي أقره العراقيون في تصويت شعبي "أكروباتي" جرى قبل ذلك التاريخ بشهرين. فتلك الحكومة فاقدة الشرعية رفضت اعتراض موسى وحملته مسؤولية عدم مبادرة الدول العربية في إقامة علاقات دبلوماسية معها. وزاد الطين بلة أن "مؤتمر الوفاق العراقي" الذي انعقد في القاهرة برعاية الجامعة العربية، تسبب بتباعد بين الجامعة وأمينها العام من جهة وبعض الأطراف العراقية الرافضة لذلك المؤتمر من جهة أخرى.. بالرغم من أن ذلك المؤتمر ماثل من حيث نتائجه "الجبل الذي تمخض فأنجب فأراً.. ويا له من فأر!!

والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ووجه قبل بضعة أيام بعاصفة عنيفة من قبل المحافظين الجدد الذين ظهروا فوق سطح الأحداث اللبنانية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط 2005 في عملية إجرامية أجمع العالم على إدانتها. والعاصفة فجرها في وجهه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومعادو سوريا في الحكم اللبناني، بزعم أن مبادرة موسى لرأب الصدع في العلاقات السورية - اللبنانية جاءت في إطار "صفقة الغاية من ورائها التغطية على قتلة الحريري !!". وبنتيجة تلك العاصفة الهوجاء اضطر الأمين العام عمرو موسى إلى تجميد مبادرته التي كان قد أطلقها في منتصف الشهر الماضي لتجنيب لبنان مخاطر التدويل المحدقة به، وبالتزامن مع ذلك جمدت كل من المملكة العربية السعودية ومصر مبادرتهما الخاصة بلبنان أيضاً والتي حملت اسميهما، لاعتبارات مماثلة!!

الأمين العام بنفسه لخص بكثير من المرارة علاقاته المتوترة بالعديد من الأنظمة العربية عقب اجتماع وزراء الخارجية العرب الاستثنائي الأخير الذي انعقد في مقر الجامعة العربية عشية احتضان القاهرة فعاليات أول "برلمان عربي" في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي. الأمين العام هدد بالتوقف عن العمل إذا تتابعت ما أسماها "الحملات المسمومة" ضده. وفيما أكد أن بإمكان الجامعة العربية منافسة أي منظمة دولية، اعتبر أن ضعفها هو وليد لضعف أعضائها والخلافات بينهم، مشيراً إلى أن الجامعة هي "شبكة الأمان للعرب جميعاً". وقد جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده بحضور وزير الخارجية الأردني عبد الإله الخطيب. تجدر الإشارة إلى أن (11) وزير خارجية من أصل الوزراء العرب ال (22) حضروا الاجتماع الاستثنائي، وهم وزراء كل من مصر، المملكة العربية السعودية، الجزائر، ليبيا، موريتانيا، قطر، سلطنة عمان، السودان، الأردن، جيبوتي وفلسطين، وهذا بحد عينه يعني الكثير!!

عندما يكون هذا بعض الظاهر في العلاقات المتوترة بين الأمين العام للجامعة والعديد من الأنظمة العربية، فإن الخافي يكون أدهى وأمر. فغالبية الأنظمة العربية تبطن مواقف شديدة السلبية تجاه خطط عمرو موسى الخاصة بتفعيل دور الجامعة وتطويرها، وتحرص على عرقلة محاولاته لإصلاحها، إما عن طريق الحيلولة دون تمكينها من اتخاذ القرارات الحاسمة والصائبة التي ترضي طموحات الجماهير العربية أو عن طريق التلكؤ بتسديد الحصص المالية المترتبة عليها، في الوقت الذي تهرول لسداد حصصها في منظمة الأمم المتحدة تماماً كما تهرول لخدمة المشروع الأمرو – "إسرائيلي" في الوطن العربي خاصة و"الشرق الأوسط" عامة.

إن ما شهدته علاقات الأمين العام بالأنظمة العربية من توترٍ وجفاءٍ حتى الآن، هو غيضٌ من فيض ما ينتظره في الأيام المقبلة، فهذا الرجل الذي عُرف عنه مواقفه الثابتة بشأن الصراع العربي "الإسرائيلي" عندما كان وزيراً لخارجية مصر وبعدما أصبح أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، مقبل على مرحلة جديدة من العلاقات المتوترة مع الأنظمة العربية المهرولة باتجاه التطبيع مع (...) "الإسرائيلي" إرضاءً للإدارة الأميركية التي أعادت العراق إلى ظلمات التاريخ وتريد الإجهاز على الأمة العربية خدمة للمشروع الأمرو - "إسرائيلي" في الوطن العربي.

ففي الوقت الذي يرى عمرو موسى ضرورة انسحاب المحتل الأميركي من العراق وضرورة عدم منح "إسرائيل" أي مكافأة على هزيمتها من قطاع غزة التي حدثت تحت وطأة ضربات المقاومة الفلسطينية البطلة، يُظهر بعض المسؤولين العرب تأييداً للمحتل الأميركي في العراق وتغافلاً متعمداً عن جرائمه بحق أهله الأبرياء، ورغبة مجنونة للتطبيع مع تل أبيب عبرت عنها اللقاءات التي جرت مؤخراً بين قادة ووزراء عرب والإرهابيين آرئيل شارون وسيلفان شالوم.. في السر والعلن.

وعلى ضوء ما شاب علاقاته من توتر مع العديد من الأنظمة العربية في الأيام السابقة وما ينتظرها من توتر أكبر وأخطر مع أنظمة عربية أخرى في الأيام القادمة في ظل صمت رسمي مصري مطبق، تُرى هل أصبح عمرو موسى مقتنعاً بعدم جدوى بقائه على رأس الجامعة العربية التي تمثل آخر مظاهر وحدة العرب وأنه سيكتفي بـ"النصر الأخير" الذي حققه هو والجامعة على صعيد انعقاد الاجتماع الأول "للبرلمان العربي الانتقالي"، أم أنه ما يزال بحاجة لمزيد من الوقت ومزيد من الخلافات مع أنظمة عربية أخرى؟!

وهل حقاً أن الأمين العام قد اتخذ قراره وأنه سيعلنه في وقت لاحق من العام الجديد، وأن القاهرة هي التي تستمهله بانتظار أن تجد البديل لضمان استمرار سيطرة المقر على أمانة الجامعة ؟! سؤال تجيب عليه الأيام القادمة!!