ما هي حكاية "إسرائيل" مع السلاح النووي؟

ولماذا كل هذه المخاوف المفتعلة من إيران وغيرها!!

محمود كعوش/كاتب من فلسطين مقيم في الدنمارك

تواتر الحديث الإعلامي بشكل ملفت للنظر خلال الأيام القليلة الماضية حول امتلاك "إسرائيل" أسلحة نووية، وحصولها على المياه الثقيلة من النرويج وإنكلترا في أواخر خمسينات القرن الماضي، وعلى أطنان من الخامات المحظورة دوليا عبر مطارات أوروبية خلال حرب الخليج الثانية. محطة التلفزة النرويجية "أن. أر. كيه" أكدت في فيلم وثائقي، استناداً لوثيقة رسمية، امتلاك "إسرائيل" أسلحة نووية. كما أكدت أن أوسلو كانت على علم بعزم "إسرائيل" إنتاج أسلحة نووية وأن السلطات فيها لم تحاول وقف بيع صفقة من المياه الثقيلة لها في عام 1959. أما محطة التلفزة البريطانية (بي. بي. سي) فقد نقلت في برنامجها (نيوز نايت) إقرار الحكومة البريطانية بأنها باعت قبل نصف قرن 25 طناً من المياه الثقيلة التي يمكن استخدامها في صنع أسلحة نووية إلى النرويج كانت مخصصة في الواقع لـ"إسرائيل"، وكشفت المحطة أن متحدثاً باسم الخارجية البريطانية اعترف بأن بلاده كانت تعلم أن النرويج كان لديها مشروع لبيع تلك المياه الثقيلة إلى منظمة الطاقة الذرية "الإسرائيلية". هذا وأكد مصدر عسكري أوروبي قريب من قيادة حلف شمال الأطلسي "الناتو" أن المخاوف التي تزعمها "إسرائيل" من السلاح النووي الإيراني أو من سوريا غير حقيقية. وأضاف أن "إسرائيل" تمتلك إلى جانب قدراتها النووية أسلحة كيماوية سرية وأسلحة بيولوجية تفوق في قدراتها التدميرية مخاطر الأسلحة النووية، حيث يمكنها خلال ثوان معدودة قتل عشرات الآلاف من البشر. وكشف المصدر عن أن "إسرائيل" حصلت أثناء العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 على آلاف الأطنان من الخامات الكيماوية المحظورة وعلى رأسها الخامات التي يصنع منها غاز السارين المدمر للأعصاب. ما هي حكاية "إسرائيل" مع السلاح النووي؟ ولماذا كل هذه المخاوف "الإسرائيلية" المفتعلة؟

طوال سنوات الصراع العربي ـ "الإسرائيلي" دأبت "إسرائيل" على انتهاج منطق الغموض والتضليل فيما يتعلق بمسألة امتلاكها للسلاح النووي. فهي ومنذ ولادتها القيصرية في قلب الوطن العربي قبل ثمانية وخمسين عاماً وحتى الآن، تتخذ من سياسة التخويف والإرهاب أسلوباً ثابتاً لها، محاولة تحقيق ما تدعيه "ردعاً ضرورياً ومُلحاً"، أي ردع الأمة العربية عن استعادة حقوقها ومنعها من الدفاع عن وجودها حاضراً ومستقبلاً أو التفكير في حقوقها التاريخية ومصالحها المستقبلية.

وفي هذا الإطار طوع قادتها منطق الغموض والتضليل بكل ما يكتنفه من مفردات ومصطلحات زئبقية - رمادية وأدواتٍ ومسلتزمات ضرورية لخدمة هذه السياسة، التي ارتكزت على عدم تأكيد أو نفي امتلاكها للسلاح النووي، وقد تعمّد هؤلاء القادة على الدوام الإيحاء للعالم بأن دولتهم تمتلك ترسانة نووية ضخمة وأن خيارها النووي قائم "طالما أن المخاطر محدقة بها من جيرانها". وقد َجَنّدَ هؤلاء العديد من رجال الإعلام "الإسرائيليين" والغربيين المؤيدين لهم لغرض خدمة الدعاية "الإسرائيلية" في هذا الشأن والترويج لسياسة التخويف والإرهاب التي يعتمدونها، وعادة ما كان ذلك يعبر عن نفسه تارةً من خلال "التلميح" المتعمّد والمباشر إلى هذه الترسانة النووية وطوراً من خلال "التلويح" المتعمّد والمباشر أيضاً بالخيار النووي "الإسرائيلي" خدمة لمزاعم "الردع الضروري والملح"!!

لكن تصميم ما تبقى من أنظمة وشعوب عربية قومية ووطنية على التصدي للعدوان والسياسة "الإسرائيلية" التوسعية والتشبث بالحقوق والدفاع عن الوجود الذي تمثل بالمقاومة الفلسطينية وحرب تشرين عام 1973 وحرب اجتياح لبنان عام 1982 وهزيمة "إسرائيل" في جنوبه عام 2000 والانتفاضتين الفلسطينيتين المجيدتين والمقاومة العراقية التي أفرزها غزو واحتلال العراق، أفشل سياسة التخويف والإرهاب "الإسرائيلية" المرتكزة على منطق الغموض والتضليل، كما وأكد ثبات الإرادة العربية وصعوبة بل استحالة انكسارها أمام جميع الخيارات العدوانية "الإسرائيلية"، بما في ذلك الخيار النووي.

من هنا جاء التحول "الإسرائيلي" باتجاه تصعيد وتيرة فبركة الأكاذيب والإدعاءات المستمرة والمتلاحقة حول امتلاك العرب والمسلمين أسلحة نووية. ولا شك أن نفوذها داخل الإدارات الأميركية المتعاقبة وبالأخص في مراكز نفوذها ساعدها في الترويج لذلك، مع عدم إغفال ما كان من أثر في هذا الصدد للتحول المدروس والمخطط له سلفاً الذي طرأ على السياسة الأميركية في ظل القطبية الأميركية الوحيدة في العالم وإماطة اللثام عن السياسة الأميركية الاستعمارية الجديدة التي تطابقت مع السياسة "الإسرائيلية" التوسعية.

وظل الغَرَضُ "الإسرائيلي" يتمحور في دائرة تطوير السلاح النووي بذريعة "ضرورة الردع المُلح". وفي سياق التحول هذا بدأت "إسرائيل" تُشيع تارةً أن العراق يمتلك هذا السلاح، وتارة ثانية أن ليبيا بصدد تطوير قُدرات نووية، وتارة ثالثة أن إيران بصدد التحضير لصناعة القنبلة النووية، وتارة رابعة أن الأسلحة النووية العراقية انتقلت "بسحر ساحر" إلى سورية!!. وبذلك وضعت معظم البلدان العربية والإسلامية المحاذية لها والواقعة في دائرة تشكيل خطر عليها تحت شبهة امتلاك السلاح النووي، وِفقَ أكاذيب وأضاليل مصادق عليها من قِبل دوائر الحكم في واشنطن. وبالطبع فإن هذه الدوائر المحكومة من قبل ثُلة من الصهاينة والمتصهينين في تيار المحافظين الجدد تبقى دائماً وأبداً جاهزة وعلى أَهبة الاستعداد لتبني الأكاذيب والأضاليل "الإسرائيلية" والترويج لها، وتهديد خصوم تل أبيب بأقصى العقوبات التي عادة ما تتراوح بين المقاطعة والحصار والاجتياح والاحتلال، وبالطبع فإن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لعام 1968 N.P.T تبقى هي الأخرى جاهزة للتطبيق على البلدان العربية والإسلامية وقت الضرورة، مع الحفاظ على إبطال مفعولها عندما يتعلق الأمر بـ"إسرائيل".. "بإسرائيل" فقط دون غيرها!!

أكثر من 32 شهراً مر على اجتياح العراق واحتلاله، في خرق فاضح للشرعية الدولية وتحدٍ صارخ للمجتمع الدولي ولم تستطع الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية إقناع العالم بشرعية ما اقترفتاه من جريمة بشعة وبربرية بحق هذا البلد العربي، خاصة وأن السلاح النووي العراقي كمسوغ للاجتياح والاحتلال قد تأكد بطلانه في الشهور الأولى للاحتلال. فكل المعطيات أكدت خلو العراق من هذا السلاح. كما وأن جميع الخبراء الدوليين المحايدين والمنحازين بدءاً بهانس بليكس وانتهاءً بدافيد كاي أثبتوا عدم وجوده منذ عام 1991. وقد اعترف المسؤولون الأميركيون بذلك، بمن فيهم الرئيس جورج بوش نفسه. وبالرغم من ذلك ما تزال إدارة الشر والعدوان في واشنطن تصر على عدم برمجة انسحاب قواتها الباغية من العراق بذرائع واهية مختلفة.

كلنا نذكر أن ليبيا فتحت جميع خزائنها النووية أمام التفتيش الدولي وحوّلتها إلى "مشاع" للأميركيين و"الإسرائيليين"، دون قيد أو شرط. وأكثر من ذلك أجازت للطائرات الأميركية نقل المعدات والمواد المتعلقة بالسلاح النووي الليبي إلى الولايات المتحدة مجاناً. وقد بكرت إيران فسبقت ليبيا في الإنصياع للإرادة الأميركية حين وافقت على إخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، ومن السذاجة التوقف كثيراً عند ما يشاع من "ضجة بلا طائل" حول السلاح النووي الإيراني لأغراض دعائية بحتة. أما سورية فلم نعلم أنه سبق أن وُجه لها اتهام بامتلاك مثل هذه الأسلحة إلا بعد اجتياح واحتلال العراق وسقوط القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها في مستنقعه القاتل. ولا شك في أن الزعم بامتلاك سورية مثل هذه الأسلحة من قبل "إسرائيل" ودوائر صنع القرار في واشنطن بين الحين والآخر إنما يجيء في إطار ممارسة أقصى الضغوط الممكنة عليها في محاولة يائسة لثنيها عن مواقفها الوطنية والقومية.

بالرغم من منطق الغموض والتضليل "الإسرائيلي" فيما يخص السلاح النووي، فإن الخبراء الدوليين وحتى بعض "الإسرائيليين" أجمعوا على أن "إسرائيل" هي القوة النووية الخامسة في العالم. وأظهرت استطلاعات للرأي العام نُشرت في تل أبيب أن 77.4 % من "الإسرائيليين" يعتقدون أن "إسرائيل" تمتلك أسلحة نووية، وأن 81.7 % منهم يشككون بوجود أمنٍ وطني في "إسرائيل" في ظل امتلاكها هذه الأسلحة. وأسهم العالم النووي "الإسرائيلي" (مردخاي فعنونو) الذي أطلق سراحه في أبريل/ نيسان 2004 بعد اعتقال دام 18 عاماً في الكشف عن برنامج "إسرائيل" النووي عندما سرب أسرار مفاعل ديمونا لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية في عام 1986. وفعنونو يحذر منذ إطلاق سراحه من مخاطر حقيقية تتهدد المفاعل!!

لا شك أن ترسانة السلاح النووي "الإسرائيلي" لم تغب عن جدول أعمال (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) منذ عام 1980 وإن تم تجاهلها بشكل متعمد كما أشرت سابقاً بعد "حرب الخليج الثانية" عام 1991، بضغط "إسرائيلي" وأوامر أميركية، بذريعة إفرازات تلك الحرب. ولا شك أيضاً أن واشنطن رفضت على الدوام المطالب العربية بوضع المنشآت النووية "الإسرائيلية" تحت رقابة دولية أو إشراف منظمة الأمم المتحدة في إطار عملية إزالة شاملة لأسلحة الدمار الشامل في "منطقة الشرق الأوسط بما فيها (إسرائيل)". وفي كل مرة كانت لجنة متابعة الأسلحة النووية "الإسرائيلية" التابعة للجامعة العربية أو المجموعة العربية في منظمة الأمم المتحدة تخطو خطوة في هذا السبيل، كان الصد الأميركي يسبق الصد "الإسرائيلي".. وإذا اقتضى الحال فالتلويح بالفيتو (حق النقض) جاهز!! لكن وبرغم ذلك فإن العرب والمسلمين سيستمرون في مطالبتهم بإخلاء "منطقة الشرق الأوسط" من السلاح النووي حتى يتحقق لهم ما يريدونه من أمن واستقرار.

إذاً العين العربية والإسلامية بصيرة واليد العربية والإسلامية قصيرة... وليس على العرب والمسلمين غير المضي في المطالبة وانتظار رحمة الله!!