العملية السياسية وأوهام بوش بانهاء المقاومة

عوني القلمجي

واضح بأن تأخير إعلان نتائج الانتخابات كل هذه المدة التي اقتربت من شهر كامل، له علاقة بالمساومات التي يجريها السفير الأمريكي (زلماي خليل زادة)، لتعديل نتائج الانتخابات لصالح المشاركين الجدد، الذين ادعوا تمثيل "السنة"، وفشلوا في تحقيق حصة من المقاعد تحفظ لهم ماء الوجه. فبوش وعدهم "بدور أكبر في الحكومة والبرلمان وإجراء تعديل على الدستور". في حين تمسكت قائمة (عبد العزيز الحكيم) بنتائج الانتخابات بعد أن حققوا فوزا غير متوقع!. ويمكننا القول بأن السفير إياه سيجبر في نهاية المطاف، جميع الأطراف على قبول تقسيم الحصص بما يحكم به الاحتلال وليس بما تحكم به صناديق الاقتراع . وما يفعله (زلماي زادة) ليس بسبب مخاوف الأمريكيين من سيطرة طرف على السلطة كما يظن البعض، ولا من اجل مكافأة المشاركين الجدد لخدماتهم في دعم العملية السياسية، وإنما من اجل الوصول إلى "جمعية وطنية" تبدو عليها ممثلة لجميع أطياف ومكونات الشعب العراقي، وتشكيل حكومة يمكن ان يسميها المحتل "حكومة وحدة وطنية". ليستطيع بوش بعد ذلك استخدمها كورقة رابحة في مواجهة المقاومة الوطنية العراقية، بعد ان عجزت قواته عن مواجهتها عسكريا، ويواجه بها بالمقابل منتقديه داخل الولايات المتحدة وداخل حزبه، وليقول لهم لقد تحققت المهمة التي ذهبنا إلى العراق من اجلها، وها هو الشعب العراقي قد اختار الديمقراطية وسيهزم الإرهابيون وتصبح أمريكا امنة مطمئنة!!!.

اذا صدقت الرؤيا فان مثل هذا التطور أمر لا يستهان به، فخطورة ذلك تكمن في ان هذه القوى، لم تكتف بالمشاركة في الانتخابات والالتحاق بالعملية السياسية و"تكرمنا سكوتها"، وانما تحاول ان تجر القوى الاخرى الى هذا المستنقع لتغطي فعلتها المشينة. ولم يقتصر الامر عند هذا الحد، بل طالبت ولم تزل تطالب العراقيين، بتأييد هذا التوجه واصفة إياه بأنه فعل يدخل في صميم العمل السياسي، ويعتبر طريقا آخر لإنهاء الاحتلال.!!! . وحين يضربون الأمثال بالدول التي تحررت سلميا فكأنهم يريدون ان يقولوا : كفاكم ايها العراقيين حروبا وقتالا وتقديم التضحيات ودعكم من المقاومة، مادام هناك إمكانية لانهاء الاحتلال سلميا عبر مطالبته بوضع جدول زمني للانسحاب. ولتعزيز هذا الرأي أشاعوا بأن هناك مفاوضات سرية تجري بين الأمريكيين وفصائل المقاومة لوضع الترتيبات لرحيل القوات الأمريكية. وهذا ما يفسر نشاط الصحفيين المرتبطين بأجهزة المخابرات العربية والدولية ويلبسون لباس المقاومة، بتأكيد هذه الاشاعات بين الحين والآخر. ان مثل هذه المغالطات قد تجد طريقا لها في صفوف شرائح مختلفة من الشعب العراقي وخصوصا ذات الوعي السياسي المحدود، وأخرى من التي تسعى بأسهل السبل للتخلص من معاناتها المؤلمة وعدم قدرتها على تأمين ابسط مقومات الحياة. اما الادعاء بان من بين اسباب الاشتراك في العملية السياسية، هو تعديل الدستور بما يضمن عروبة العراق ويحمي وحدته من خطر التقسيم ، فهذا ادعاء باطل ولا اساس له من الصحة. فهولاء يعلمون علم اليقين بان تعديل المواد الواردة في الدستور فيما يخص مسالة الاقاليم وكذلك نزع هوية العراق العربية، امر مستحيل في ظل سيطرة الاحزاب الطائفية والانفصالية على الحكومة و"الجمعية الوطنية" المقبلة. فما يسمى بالدستور الدائم فانه يمنع في مادته 123 اي تعديل لاي مادة وردت في "الباب الاول - المباديء الاساسية" والتي تنص على: "لا يجوز تعديل المباديء الاساسية الواردة في الباب الاول الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين وبناءا على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام". ومعلوم ان المادة الاولى والثالثة التي قسمت العراق ونزعت عروبته تدخل في هذا الباب. وفي كل الاحوال فاذا حدثت بعض التعديلات التوفيقية، فأنها لن تتعاكس قطعا مع الاهداف التي صممت من اجلها العملية السياسية، والتي في جوهرها اقامة نظام يقوم على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية وتقسيم البلاد وتمزيق وحدته الوطنية وعزله عن محيطه العربي، لانه الطريق لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط.

ومما يزيد من مساوئ هذا التوجه هو اصرار هذه القوى على التمسك بالعملية السياسية، على الرغم من اعتراضاتها على نتائج الانتخابات. ومرد ذلك يعود الى ان انتقال هذه القوى الى معسكر الاحتلال والاعتراف به كامر واقع والتعامل معه لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة، لم يكن اجتهادا سياسيا خاطئا ويمكن التراجع عنه، وانما كان نتيجة جهود بذلها بوش منذ عدة شهور وبالتعاون مع الانظمة العربية وعلى وجه الخصوص السعودية والبحرين اضافة الى مصر والاردن، حيث انتهت كما هو معلوم الى عقد مؤتمر "الوفاق الوطني" في القاهرة، الذي شاركت فيه هذه القوى الى جانب احزاب الاحتلال . وكان من اهم نتائجه التوقيع على بيان ختامي نص في فقرته الثامنة على: "احترام موقف جميع اطياف الشعب العراقي، وعدم اعاقة العملية السياسية والمشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة، والاحتكام الى صناديق الاقتراع، واحترام رأي الشعب العراقي في اختيار ممثليه". وحتى القوى التي وقعت على بيان "مؤتمر الوفاق" كـ"هيئة علماء المسلمين"، فهي حين اعلنت في بيان لها عدم مشاركتها في الانتخابات، اكدت في نفس البيان على: "احترام خيارات العراقيين في الاشتراك في الانتخابات او عدم الاشتراك فيها وتدعو الهيئة في هذه المناسبة العراقيين جميعا الى عدم محاولة فرض ارادة بعضهم على بعض في هذا المجال واحترام كل منهم لاختيار الآخر". وهذا ما تؤكده دعوة العراقيين الى الذهاب لصناديق الاقتراع ، وتكفير كل من يتخلى عن اداء هذا الواجب من قبل 1000 عالم ديني بينهم حوالي 700 عالم ينتمي الى الهيئة العتيدة، وهذا بالضبط ما فعله السيستاني في الانتخابات الاولى وجرى وصفه عن حق بالمتعاون مع الاحتلال. ترى هل تغير المحتلون خلال هذه الفترة واصبحوا محررين؟ ام ان هذه القوى بمجموعها هي التي تغير موقفها، من موقع المؤيد للمقاومة الى موقع المؤيد للعملية السياسية وبفعل فاعل.؟

ضمن هذا السياق لا بد وأن نأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد ونتصرف على ضوئه. فاعادة الحياة الى العملية السياسية وتوسيع اطارها، وانضام قوى واحزاب اليها تدعي انها تقف الى جانب المقاومة ولها حضور سياسي بين العراقيين، لا بد وأن ينعكس سلبا على المقاومة الوطنية المسلحة، كونها تعمل وتتحرك في وسط الجماهير وبتأييد ودعم منها، على خلاف المقاومة في بلدان أخرى والتي اتخذت من الجبال او الغابات او الموانع الطبيعية حصونا لحمايتها. خاصة وان من بين هذه القوى من يمثل كتل بشرية دخلت مباشرة في العملية السياسية كالتيار الصدري، وأخرى دخلت بشكل غير مباشر كهيئة علماء المسلمين وغيرهم، وهذا من شانه ان يكسر الحاجز الوطني والنفسي لدى البعض، وبالتالي يصبح التعامل التعامل مع العدو واجراء التطبيع مع عملائه أمراً سهلا.

ولكن هل يجوز التعامل مع الواقع الجديد كحقيقة ثابتة وقعت على رؤوسنا، أم ان هذا الواقع قابل للتغير بفضل وجود المقاومة الوطنية العراقية وعلى وجه الخصوص المسلحة منها، كونها الرقم الصعب كما يقال في معادلة الصراع مع المحتل؟

من المفترض ان ما حدث ليس غريبا ، فالمقاومة الوطنية العراقية تواجه عدوا لديه امكانات هائلة عسكرية وسياسية واعلامية، ومسلحا بأدوات محلية من احزاب وتجمعات على امتداد مساحة العراق، ودول جوار تقدم المساعدة للأمريكيين كلما احتاجوا لها. وحتى بعض الاحزاب من ذوي القربى، فهي اما قليلة الخبرة والتجربة أو أنها رهنت قرارها السياسي ليس أما بمصالح فئوية ضيقة او بمصالح دول عربية . ومع كل ذلك فأن الأمر لم يصل حتى الآن الى حد التهديد لموقع المقاومة في الصراع مع قوات الاحتلال، ولا التقليل من شانها ولا في وتيرة عملياتها العسكرية . اضافة الى ذلك فان المقاومة ومن ورائها القوى الوطنية المعادية للاحتلال فعلا لا قولا، لن تقف مكتوفة الأيدي امام التعامل مع الوضع الجديد بصرف النظر عن جميع الاحتمالات، وقد يكون ما حدث يدخل ضمن مقولة (رب ضارة نافعة)، فهؤلاء المتخاذلون الذين خلقوا لنا في الماضي معسكرا ثالثا ومتذبذبا بين المقاومة والاحتلال، قد رفعوا عن المقاومة الوطنية عبئ ثقيل حين حسموا امرهم بالالتحاق في العملية السياسية، ليصبح الصراع واضحا وخاليا من الشوائب، بين معسكرين لا ثالث لهما، هما معسكر الاحتلال ومناصريه ومعسكر المقاومة الوطنية العراقية ومناصريها. اما من سيصر من بقايا هذا المعسكر على العمل مستقلا عن المقاومة والاحتلال ، فانه لن يجد له مكانا بين المعسكرين الكبيرين وسيتوارى حتما عاجلا ام اجلا.

ولكن ليس هذا كل شيء فأن أصحاب المبادرات مثل مبادرة خيري حسيب التي تحولت فيما بعد إلى مبادرة (للمؤتمر القومي العربي)، والتي تريد تحرير العراق عبر الأمم المتحدة، وأصحاب المؤتمرات التي تعقد بين الحين والاخر من قبل إطراف عراقية كمؤتمر بيروت الذي عقد في اواخر تموز من العام الماضي ستتوقف وستنتهي معها مقولة ان الشعب العراقي ينقسم قسمين شعب مقاوم بالسلاح وشعب مقاوم بالوسائل السلمية، بينما معسكر الاحتلال ينضوي تحت خيمة واحدة هي خيمة الاحتلال، وعندها وبعد ان يجني المتخاذلون واصحاب المبادرات والداعين للمفاوضات مع الاحتلال الفشل الذريع ستترسخ بين الجماهير العراقية وجهات النظر الصحيحة والتي قوامها احتل العراق بالقوة ولا يتحرر الا بالقوة، وان لا قدسية لمن يتعاون مع الاحتلال وان المقاومة الوطنية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي. وان اي نضال او فعل سياسي لا يساوي أي قيمة ان لم يكن ضارا اذا لم يصب في خدمة العمل المسلح.

ليس من الحكمة السياسة ان نستثمر هذه المكاسب وننام على وسادة من حرير فالمحتل بالمقابل سيحاول بدوره ان يطور مكاسبه ويرسخها بقوة، بمعنى ادق ان الصراع الدائر في العراق سيتخذ من الان فصاعدا طابع التصعيد بمختلف الوسائل، وسيفرض علينا من جديد ادارة الصراع بما ينسجم مع الواقع الجديد. ولكي لا نعيد ونركز على المهام التي طالما تحدثنا عنها وتحدث الكثيرون غيرنا بغية انجازها مثل توحيد فصائل المقاومة الوطنية العراقية وبناء الجبهة الوطنية العريضة وتوحيد البرماج السياسية في برنامج سياسي واحد وملزم ، قوامه التحرير واقامة النظام الديمقراطي بمفهومه الواسع، نستعير اضافة لما ذكرنا، استراتيجيته عدونا الجديدة التي اطلق عليها اسم الاستراتيجية القومية للنصر في العراق ومنها ما يتعلق بموضوعنا. وظني انه الجزء المهم منها والذي يتلخص في ثلاث كلمات : (اعزل، شارك، ابن) فإذا هي عرفت البند الاول "بعزل العناصر العدوة عن الجمهور الاوسع"، فأن علينا ان نقوم بحملة سياسية واسعة النطاق، لعزل ادوات الاحتلال وخاصة الذين التحقوا بالعملية السياسية عن الجمهور الأوسع الذي يؤيد المقاومة، خاصة وأن عموم جماهير هذه القوى أبدت استيائها من موافقة قادتها على هذا التوجه. واذا هي عرفت البند الثاني << بمشاركة الاشخاص الموجودين خارج العملية السياسية وضم المستعدين للتخلي عن استخدام العنف اليها عن طريق وسائل المشاركة السلمية المتزايدة باستمرار>>، فان علينا التوجه الى جميع الاشخاص بل والاحزاب والتجمعات للتخلي عن المشاركة في العملية السياسية عن طريق الحوارات المكثفة معها باستثاء العملاء والمرتشين بملايين الدولارات من قوى عربية واجنبية، ومطالبتها بدلا عن ذلك بالمشاركة في عملية تحرير العراق كل حسب قدرته واستطاعته. واذا هي عرفت البند الثالث بـ "بناء مؤسسات قومية مستقرة وتعددية وفعالة قادرة على حماية مصالح جميع العراقيين وتسهيل اندماج العراق التام بالمجتمع الدولي"، فان علينا بناء مؤسسات الجبهة الوطنية العريضة بما يسهل علينا بناء مؤسسات الدولة بعد التحرير لحماية مصالح جميع العراقيين فعلا وليس كما يقصد المحتل حماية مصالحه تحت هذا الوصف، وبدل ان نسهل اندماج العراق المحتل في المجتمع الدولي، نطالب هذا المجتمع وان كان لا حياة لمن تنادي، نطالبه بادانة الاحتلال وخروج المحتل ومعاقبته وعدم الاعتراف بحكومته.

وتضيف لنا هذه الاستراتيجية قضية هامة جدا فهي تذكر ان النصر يحتاج الى وقت طويل على الرغم من الانجازات التي حققها حسب اعتقاده، وعلى الرغم من ان المحتل يحتاج فعلا الى وقت طويل لتمرير قضية غير عادلة، وان المقاومة لا تحتاج الى مثل هذا الوقت لان قضيتها عادلة، فان تعبئة الجماهير العراقية على الاستعداد لمعركة قد تتطلب وقتا اكبر مسالة في غاية الأهمية، فنفس النضال او القتال القصير يولد احباطا له نتائج وخيمة، خاصة وان عدونا مسلح بكل الإمكانات من الرأس حتى أخمص القدمين. ترى هل من حقنا وحق شهدائنا علينا ان نرى هذه المهام وقد جرى الشروع في تحقيقها اليوم وليس غدا؟