الانتخابات العراقية: الاحتلال يلعب الورقة الطائفية

د. إبراهيم علوش/باحث وأكاديمي من الأردن *

لو كانت الأولوية الأولى في العراق اليوم هي تمثيل السنة العرب في أجهزة الدولة الخنفشارية النابتة كالفطر السام في ظل الاحتلال، لتوجب علينا الاكتفاء بالمندوب السامي خليل زاد... لأن الذين دخلوا معمعة الانتخابات التشريعية بذريعة تمثيل طائفتهم في العراق لا يمثلون السنة، أو الشيعة، أو أي شيء أخر في العراق، أكثر منه!

حيثما وضع الأمريكيون حوافرهم المعفرة بالدماء، تتسلسل فقرات المسرحية هكذا: احتلال مفروض أو هيمنة على الموارد والقرار السياسي والموقع الاستراتيجي خلف مهرجانات انتخابية لا غنى عنها سوى أنها لا تغني ولا تسمن، فيبقى الأمر بأيديهم فيما يتحول الممثل الثانوي المشارك بالمسرحية إلى قفاز بلاستيكي، تماماً كذاك الذي يستخدمه الأمريكيون في تفتيش العراقيين، أو إلى ممسحة سياسية، وفي أحيان أخرى يجاز له أن يوسعهم شتماً ليفوزوا بالإبل.

شيءٌ عظيم أن يحظى السنة العرب بالتمثيل في أجهزة عملاء الاحتلال التشريعية والتنفيذية، أليس كذلك؟! بل يذكرنا هذا التخريف "الديموقراطي" بالطموح المعلن لبعض المنظمات العربية والإسلامية في أمريكا لأن يشترك عددٌ كافٍ من العملاء العرب والمسلمين في صفوف أجهزة المخابرات الأمريكية، حتى يتم تمثيلهم بشكل جيد أيضاً في تلك الأجهزة...

وفي بعض الجوامع في بلاد العم سام، تقيم المخابرات الأمريكية أف بي أي طاولة معلومات لها في صلاة الجمعة للتواصل مع المصلين الراغبين بالحصول على المطويات التي تعرفهم بشروط وطريقة الانتساب والمهارات المطلوبة وجدول الرواتب والمكافآت، ولمَ لا؟! فالمهم حسب مدرسة "الديموقراطية الأمريكية" هذه هو المشاركة، والسعي للحصول على حصة في "النظام"! هذا هو فحوى "نضال" حركة الحقوق المدنية في أمريكا نفسها: "الحصول على حصة في النظام"، أي امتصاص وتشتيت المعارضة داخل أطر النظام القائم، وهو الأمر الذي لا يهدد "النظام" أبداً بل يسهل عليه الوصول للاستقرار والتوازن اللازمين لتحقيق غاياته الإستراتيجية سواءٌ داخل أمريكا أو خارجها.

لا مشروعية لانتخابات أو لعملية سياسية في ظل احتلال! هذه هي الحقيقة الأساسية التي لا تقبل التمييع. فهدفنا لا يمكن أن يكون الحصول على تمثيل أو "حصة" في النظام الأمريكي أو الصهيوني، كما في الكنيست الصهيوني مثلاً، أو في الكيانات الممسوخة التي تقيمها قوى الاحتلال، كما في العراق، بل بالتخلص من الاحتلال برمته، ومن إفرازاته السياسية أو غير السياسية، بكل الوسائل غير المشروعة حسب عرف الاحتلال وأعوانه التي تقتضيها الحال.

بالمقابل، جاءت سياسة التعذيب ب"الدريل" Drill التي استخدمتها قوى التحالف الأمريكي-الفارسي في العراق فقط لإقناع بعض العراقيين بأن الحل لمعاناتهم يكمن باندماجهم في النظام العميل، وبإيجاد تمثيل لهم في أجهزته التنفيذية والتشريعية والأمنية لكي تكف تلك الأجهزة عن اختطافهم وتعذيبهم. هكذا تم استدراج البعض للمشاركة في صبغ المشروعية على عملية سياسية مزيفة بالتعريف. وهي مشاركة ثبت خطؤها من قبل من تجربة التصويت على دستور تقسيم العراق الذي زيفت نتائجه. فالنتائج معروفة مسبقاً، بغض النظر عن الأرقام...

ومع كامل الاحتقار لأي منطق طائفي، فإن مقاطعة السنة العرب سابقاً لما سمى الانتخابات التشريعية، حتى لو شارك فيها مائة مليون ناخب غيرهم، كانت تعني فعلياً أن مكوناً أساسياً من مكونات الشعب العراقي لا يقبل بالعملية السياسية في ظل الاحتلال، وهو المعنى الذي يتجاوز الأرقام، وعدد المصوتين، ما دام الاحتلال وحلفاؤه يطرحون الأمور بلغة الاصطفاف الطائفي.

فعلياً، إذن، نجح الاحتلال وعملاؤه بلعب الورقة الطائفية لاجتذاب السنة العرب للعملية السياسية من خلال سياسة الدريل! وكان المطلوب هو تصعيد المقاومة، لتصعيد مأزق الاحتلال وأعوانه الميداني والسياسي، لا المشاركة في العملية السياسية لإنقاذ الاحتلال من مأزقه السياسي داخل أمريكا نفسها، ومأزقه الميداني في العراق.

هذه الانتخابات حرة بقدر ما تعبر سياسة الخطف والتعذيب بالدريل عن الحرية الأمريكية. وهي لا تعني شيئاً على الإطلاق، مثلها مثل كل شيء يخلفه الاحتلال. ولكن الملاحظة التي لا بد منها هي أن الممارسات الطائفية ضد الشيعة تمثل الوجه الأخر من سياسة الدريل التي تصب في الحالتين في مصلحة الاحتلال وتقسيم العراق. بل أن سياسة الدريل تؤكد سقوط المنطق الطائفي بجميع تلاوينه، وأن المقاومة إما أن تكون وطنية أولاً وإما أن تنزلق للمشاركة بصبغ المشروعية على الاحتلال.

www.freearabvoice.org