هل يقوم مصرفنا المركزي بواجباته؟

بقلم: الدكتور لويس حبيقة – باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

لكل دولة مصرفها المركزي ذو الأهداف والوسائل المختلفة. بالرغم من خلق اليورو كعملة أوروبية واحدة وبالتالي تأسيس المصرف المركزي الأوروبي في فرانكفورت، حافظت الدول الأوروبية على مصارفها المركزية الوطنية وتمثلت في مجلس إدارة المصرف الأوروبي. للمصارف المركزية الأساسية أدوارا مختلفة في تحديد السياسة النقدية والرقابة المصرفية والإصدار النقدي. يحدد المصرف المركزي الأميركي السياسة النقدية ويشرف جزئيا على الرقابة المصرفية ويصدر النقد لصالح وزارة المالية بتوقيع الوزير وليس الحاكم. أما المصارف المركزية الأوروبية ECB والبريطانية والكندية، فتحدد السياسة النقدية وتصدر النقد لكنها ليست مسؤولة عن الرقابة المصرفية. يحدد المصرف المركزي الياباني السياسة النقدية ويصدر النقد وله مسؤولية جزئية في الرقابة المصرفية. أما المصارف المركزية الأوروبية الوطنية، فتشرف جزئيا (كألمانيا) أو كليا (كفرنسا وايطاليا) على الرقابة المصرفية دون أن يكون لها دور نقدي بسبب انتقاله إلى المصرف الأوروبي، تستطيع كل المصارف المركزية الوطنية (ضمن مجموعة السبعة G7) تأمين السيولة للمصارف في الأزمات أي إقراضها، لجميعها دور في تأمين الاستقرار المالي العام وليس النقدي فقط، أما المصارف المركزية في الدول الناشئة والنامية، فتأخذ شكلا أو آخر من النماذج السابقة مع بعض التعديلات المناسبة للوضع الوطني.

من الركائز القانونية الأساسية التي يبنى عليها المصرف المركزي المتطور هي الاستقلالية، ضمن القطاع العام وليس عنه. بالرغم من نضوج الاقتصاد البريطاني وتطور الأسواق المالية، لم تعط الاستقلالية للمصرف المركزي لأسباب سياسية إلا في سنة 1997. من المؤشرات التي تذكر لتقييم فعالية أي مصرف مركزي هو عدد موظفيه لكل مئة ألف مواطن. تصل هذه النسبة إلى ما بين 2 و3 في بريطانيا (الأفعل في المجموعة السباعية)، حوالي 4 في كل من اليابان واستراليا، 5 في كل من دولة أفريقيا الجنوبية والسويد، 8 في الولايات المتحدة و60 في روسيا. تصل هذه النسبة إلى 17 في المصرف المركزي الأوروبي مما يشير إلى نوع من الفائض التوظيفي المبرر أو غير المبرر، ربما بسبب تضارب المصالح الوطنية، يمكننا أن نتوقع أن معظم المصارف المركزية في الدول النامية والناشئة، بينها اللبنانية والعربية عموما، يتمتع بالفائض الوظيفي أي يستوعب بعض العاطلين عن العمل كي ينعموا بالحياة الهادئة والآمنة.

من الخصائص المشتركة لحكام المصارف المركزية هي أجورهم المرتفعة مقارنة بموظفي القطاع العام والتي تبرر رسميا بالمسؤوليات الدقيقة التي تقع على عاتقهم كما بضرورة تعزيزهم ماديا كي يترفعوا ويبتعدوا عن الفاسد والمفسود، فالأجر الأعلى المعلن لحاكم مصرف مركزي هو للايطالي فازيو (700 ألف دولار سنويا) الذي تنحى (أو عمليا أقيل) مؤخرا بسبب سؤ الأداء في عمليات دمج مصرفية. لم يكن للحاكمية الايطالية مهلة زمنية محددة مما يستدعي اليوم القيام بالتعديلات القانونية لتحديد المهل وحصر الصلاحيات أكثر قبل تعيين البديل. أما الأجور الأخرى فهي 585 ألف يورو لحاكم المصرف الأوروبي (تريشي)، 500 ألف دولار للحاكم البريطاني (كينغ)، وفقط 180 ألف دولار لغرينسبان الحاكم الأميركي الشهير. اذا كانت الدول الغربية القادرة ماديا تعزز أوضاع مسؤولي المصارف المركزية لديها، فبعض الدول الناشئة والنامية العاجزة ماليا بينها لبنان يبالغ بتنفيذ السياسة نفسها مما يستدعي بعض المراجعة والتعديل.

هنالك اتجاهات دولية أربعة فيما يخص عمل المصارف المركزية، نوجزها كما يلي:

أولا: تحديد هدف تضخمي واضح. هذا ما بدأت به نيوزيلاندا في سنة 1989 ويعتمد اليوم من قبل 22 دولة. من واجب المصرف المركزي البريطاني مثلا تبرير أي فارق يتعدى 1% عن الهدف التضخمي المتفق عليه مع السلطات السياسية الرسمية. من الأفكار التي يؤيدها "بن برنانكي"، حاكم المصرف المركزي الأميركي المعين، تحديد هدف تضخمي للاقتصاد الأميركي. يناقش مجموعة أفكاره في جلسات علنية مع المشرعين الأميركيين قبل أن يقروا تعيينه.

ثانيا: تغييرات في الرقابة المالية. في الدول الاسكندينافية (النروج والسويد والدانمارك)، هنالك رقابة مالية موحدة منذ أواخر الثمانينات مستقلة عن المصارف المركزية وتقوم بواجباتها على أكمل وجه. هنالك دولا اعتمدت فيما بعد الطريقة الرقابية الموحدة نفسها ككوريا الجنوبية (سنة 1998) واليابان (2000) وبريطانيا (2001) والنمسا وألمانيا وبلجيكا (2002). هنالك فائدتان أساسيتان للتوحيد الرقابي أولهما أن الأسواق المالية الداخلية أصبحت مترابطة كما أن المؤسسات المالية أصبحت متنوعة في أعمالها ووظائفها. أما الفائدة الثانية المهمة جدا، فهي إبعاد السلطة النقدية عن الأخطاء أو الأزمات المرتبطة بالرقابة المصرفية حفاظاً على الثقة بالنقد. فالأزمات المرتبطة مثلا ببعض المصارف كال BCCI وبيرينغز ألحقتا ضررا كبيرا بالسلطات النقدية الوطنية والدولية مما استوجب تحقيق الفصل بين السلطتين النقدية والرقابية، يحصل نفس الشيء في لبنان اليوم مع مشكلة بنك المدينة بحيث تدور شبهات كثيرة مالية وسياسية وأمنية حول ما جرى، لذا من الضروري التفكير جديا بإبعاد الرقابة عن مصرف لبنان حتى لا ينعكس أي تقصير أو فشل رقابي على ثقة المستثمرين بالسلطات النقدية اللبنانية وبالتالي بالليرة.

ثالثا: الاستقرار المالي. يشمل الاستقرار المالي الاستقرار المصرفي ويتعداه للقطاعات الأخرى كالتأمين والقطع والبورصة والوساطة والخدمات المالية المتنوعة. بسبب ترابط هذه الأسواق، من غير الممكن وضع سلطات مسؤولة منفصلة لكل منها. من أسباب الأزمات الأسيوية والأميركية اللاتينية والروسية غياب سلطات قادرة على تأمين السلامة المالية. لم تكن المشكلة نقدية فقط وإنما مؤسساتية مالية أيضا، لذا ضاعت المسؤولية بين المؤسسات المختلفة.

رابعا: التوقعات الشعبية. هنالك موجة شعبية عالمية تطالب المصارف المركزية والمسؤولين عنها بالشفافية وتدعو لمحاسبتهم على أعمالهم، من واجب حكام المصارف المركزية مخاطبة الرأي العام كل فصل وعند الضرورة لشرح الواقع النقدي والمالي الوطني. من واجب المسؤولين عن مصرف لبنان مثلا شرح ما جرى بخصوص بنك المدينة وبقية عمليات الدمج والشراء بحيث يعرف الرأي العام اللبناني حقيقة ما جرى، فالتكتم المقصود أو غير المقصود عما جرى بخصوص بنك المدينة وغيره يضعف الثقة حكما بالوضع النقدي والمصرفي، ثقة المواطنين والرأي العام بأعمال المصارف المركزية مهمة جدا، وبالتالي يجب عدم إضاعتها عبر التكتم. من معالم الشفافية كيفية تعيين حكام المصارف المركزية بحيث تكون واضحة أمام الرأي العام والمجتمع المالي الداخلي والدولي، من الخطاء تعيين حكام المصارف المركزية لتأمين مصالح سياسية أو مالية أو مصرفية معينة تضر بمصالح المواطن العادي والشباب تحديدا، يمكن أخذ طريقة ترشيح وتثبيت خليفة غرينسبان كنموذج وطني ودولي يحتذى به.

يلخص الاقتصادي المعروف وأحد الحكام المركزيين الأميركيين السابقين "فريديريك ميشكين" مبادئ المصارف المركزية وأهدافها كما يلي: تحقيق استقرار الأسعار على المدى الطويل، اعتماد مؤشر واضح لغلاء الأسعار، يكون للمصرف هدف تضخمي رقمي محدد ومعلن متفق عليه مع السلطات السياسية، يكون المصرف حراً في اختيار الأدوات التي تحقق الأهداف المعلنة (استقلالية القرار)، يخضع المسؤولون للمحاسبة العلمية والقانونية الجدية دعما للثقة، تعتمد الشفافية في العمل والتي تؤمن عبر مصارحة الرأي العام دوريا بما يجري، أخيراً يهدف المصرف المركزي إلى تحقيق الاستقرار المالي وليس المصرفي فقط بسبب واقع الترابط المتزايد.

فهل اقتبسنا في لبنان والدول العربية بعضاً من هذه الأفكار دعماً لاستقرارنا المالي وتشجيعا للثقة في اقتصادياتنا؟