عفوك سيدي الجنرال.. مايرز

حمدان حمدان/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في دمشق

في كتابه المعنون ضد جميع الأعداء حرب أمريكا على الإرهاب، فأن السيد ريتشارد كلارك، مدير مكتب مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، والذي استقال مع خريف العام 2004، يعيد الفشل في محاربة الإرهاب، إلى أسباب ذاتية مصممة من حكومة بوش اليمينية، على رأسها عدم استجابة الإدارة لفهم ما هو الإرهاب، وهذا طبيعي من حيث إن إساءة الفهم، بما فيه رفض إقامة تعريف قانوني وأخلاقي للإرهاب، إنما يقع في قلب سياسة انتهازية مفتوحة، لمصلحة الاتهام لدول مارقة وراعية للإرهاب من جهة، في حين يتم الصمت عن أعمال إرهابية صريحة، من دول أخرى، وسوف نجد بأن الولايات المتحدة نفسها، ظلت تقدم المساعدات المالية واللوجستية والاستخباراتية، للعديد من عصابات القتل في أمريكا الجنوبية، ولعصابات مماثلة في عوالم أخرى، فيما هي تسبغ عليها، صفات الديمقراطية والحرية والليبرالية.

لا شيء يقع في سوء تفسير الإرهاب، إلا ما تأمله إدارة اليمين الأمريكية، في القصد والتعمد، فالمسألة ليست أحجية بذاتها تتطلب عصر الفكر في قواميس التعريفات والمصطلحات حتى الآن، فمنذ قرون كانت الكولونياليات الاستعمارية، الهولندية والاسبانية ثم البريطانية.. تصف مقاومات الشعوب الوطنية، بأوصاف مشابهة (بربرية وغير متمدنة وعصابات إجرام) إلى آخر المعزوفة، غير أن غالبية الشعوب التي كانت تقع تحت براثن الغزاة من المستعمرين، والتي كانت تحارب باستماتة من اجل التخلص من الوضع الاحتلالي الشاذ، إنما كانت تلجأ إلى موفور إمكانياتها المتواضعة في القتال، وما من شك أنها كانت أساليب بدائية، إذا ما قورنت بإمكانيات المقابل الاستعماري، لكن الأهم هنا، يبقى في أسباب اندلاع القتال الذي لا يمكن أن يكون نظيفا حتى في المستويات النظرية، فالحرب كما يقول الغرب نفسه، هي الحرب، وهذا معناه في الجوهر، أن نصف القتلى أو ما يزيد، يكونون من غير المحاربين، أي من المدنيين العزل، ولما كان الإرهاب، هو الصفة الأمثل، بعيون استعمارية تطلقها على المقاومة، فإن قتل المدنيين لا يذهب إلى إرهاب الدولة، من حيث هو الأفظع في التقتيل والتدمير، بل يذهب بكليته إلى ما يسمى ظلما، بإرهاب الأفراد أو الجماعات.. اليائسة والمتطرفة.

مع ذلك، فأن أحراراً أمريكيين يقولون كلاماً مخالفاً، فالبروفسور وليم بولوك، مؤسس (مركز دراسات الشرق الأوسط) في جامعة شيكاغو، يقول في دراسته الأخيرة (نحو سياسة خارجية أمريكية ناجحة)، إن هذا الشكل من الصراع الوطني قديم، ففي العراق يدور الصراع ضد احتلالنا، كذلك في فلسطين ضد المحتلين - المستوطنين "الاسرائيليين"، وهو في بلاد الشيشان ضد الروس.. وقد استخدم إسلافنا الإرهاب في حرب العصابات الرئيسية، التي نسميها الثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني، واستخدمه الأوروبيون ضد النازيين، والايرلنديون ضد الانكليز، والأرمن ضد العثمانيين..

وحين كانت توافقنا مثل تلك الأعمال، فإننا نطلق عليها صفة القتال من أجل الحرية، أما حين لا توافقنا، فأنه سرعان ما نسبغ صفة الإرهاب عليها.. إنها لا أخلاقية المكاييل في جميع القياسات).

إن تعدد زوايا النظر الاستراتيجية والسياسية في جسم المقاومة، هو من طبيعة الأشياء وليس شذوذاً عليها، لكن الجامع الوحيد في تعددية المقاومة، هو مقاومة الاحتلال، وهذا بدوره يتطلب الوفاق والتنسيق، ضمن مروحة وطنية كاملة، لا تعرف الخلاف والشقاق، مهما كانت وجاهة الأسباب، فالخلافات في جسم المقاومة، أعظم هدية للاحتلال، وفي الأساس فأن الاحتلال نفسه، هو من يعمل على زرع الشقاق بين أبناء الصف الوطني المقاوم، ولعل في بدعة الدستور والانتخابات ورد السيادة، ما يعتبر بمثابة خطوات تمهيدية، لشق الصف العراقي المقاوم للاحتلال.

في هيكلية المقاومة العراقية اليوم، ما يشي بالتماثل مع مقاومات تاريخية للشعوب، إذ غالباً ما تنشأ مجموعات مقاتلة على هامش المجموعة المبادرة للمقاومة، ورغم القلة العددية مع نقطة البدء، إلا أن (بحر الشعب) كما يسميه ماوتسي تونغ، يزودها بالإمدادات والمعلومات والتخفي.. فبحر الشعب هو ساحة التجنيد التي يستعاض منها، عن أولئك الذين استشهدوا أو أسروا من المقاتلين، أما المجموعة الثالثة في رديف المقاومة، فهي تلك الجماعة من الناس التي ترغب ببساطة أن تترك لشأنها في تسيير شؤون حياتها، بعيدا عن الانخراط في فعالية قد تجلب الهلاك لأصحابها.. إلا أن سياسات الاحتلال، (أبو غريب، اغتصاب النساء، الإساءة للقرآن..) يمكن أن تدفع بالكثرة الكاثرة من مجموعة الحياد هذه، إلى الاندفاع وراء المقاومة، ثم لينضم قسم منها إلى أسماك البحر المقــاتلة، فيما تصبح البقية المتثاقلة من هذه المجموعة، في عداد ضحايا السلبية المجانية بصورة عامة.

على الضفة المقابلة في الوضع الاحتلالي، فإن مجموعتين رئيسيتين، تقفان مع الاحتلال وضد المقاومة، إلا أنهما ليستا من نسيج واحد، رغم أنهما يصبان في استهداف واحد، فالمجموعة الأولى، تمثل الموالاة للاحتلال، تحت شتى الذرائع الهابطة، من طلب الديمقراطية وسيادة القانون، علما بأن قانون الغاب، هو السيد الوحيد في ظل احتلال العراق اليوم، ومثل هذه المجموعة، كانت تكتسب أوصاف (الموالين) للاستعمار البريطاني أثناء الثورة الأمريكية، وفي الجزائر كانوا يسمون (بكلاب المستوطنين الفرنسيين)، وفي فلسطين (مستعربي قطعان المستوطنين "الاسرائيليين")، وفي فيتنام (عملاء الطغمة الأمريكية).

وفي هذا ما يكفي للوصف والتوصيف، لعمالة عراقية مرتهنة لواقع احتلالي أمريكي، سواء كانت لجهة واشنطن أو لجهة طهران، طالما أن الموقف هو ذاته مع الاحتلال، وأن استهداف العراق، هو مصلحة خارجية في النهاية.

ثم يأتي الدور الموضوعي، للعنصر الإجرامي - الانتهازي الذي يتاح له المجال نتيجة انهيار النظام العام، وهو موجود في كل تواريخ الشعوب، لكن عدم ظهوره جليا، إنما يعود إلى رغبة الشعوب في إخفاء المشهد الخلفي لمرحلة الفوضى المتسببة بفعل الاحتلال وتدمير نظام الأمن في الدولة الواقعة تحت هيمنة الاحتلال، ومثل هذه العصابات الإرهابية، موجودة في تواريخ الحرب والسلام في المجتمعات البشرية، إلا أن نشاطها يزداد مع وقوع الاحتلال، وفي هذه المناسبة، فأنه بالإمكان، استرجاع مشاهد إرهابية متشابكة مع أعمال مقاومة وطنية، حين كان ثوار الأرمن يسرقون البنوك في استانبول، والجيش الجمهوري الايرلندي، يفعل الشيء نفسه في ايرلندا، فيما تلعب تجارة المخدرات دورا فاعلا في ثورات الشعوب في كولومبيا وأفغانستان والشيشان.

ويبقى الفرق قائما في التأويل، فالإرهاب بجوهر تعريفه، لا يمكنه أن يكون إلا في أنانية استمرار الحياة والبقاء، لا الموت، وقد تعلمنا أن الإرهاب يكون على يد عصابات أو أفراد، طامعين بثروات غيرهم دون وجه حق، وهم على استعداد للقتل، من أجل فدية حرام، أو لسرقة مال حرام، أو تهريب مواد (أسلحة، مخدرات، أموال عصابات..) تعمل على هلاك الإنسان وموته، وبإيجاز فأن الإرهاب ينشأ من دوافع مجتمعية، فيما المقاومة تنشأ من دوافع سياسية، وفي الفارق، يكمن سلوك الإنسان نفسه، ففيما الإرهابي يؤثر الحياة على الموت، طمعا بالعيش (الرغيد) جراء أكل المال الحرام، فأن المقاوم يؤثر الآخرة على الدنيا، في استحقاقات مطالب دين ووطن وكرامة، فهو لا يعيش لنفسه أو حاضره، بل على استعداد للموت في سبيل آخرين، بل ولمستقبل حريتهم وعزتهم في وطنهم.

إن هذه القيم، القادمة من جذور عميقة، تاريخية ومذهبية ووطنية، هي ما تتعمد الإدارة الأمريكية تجـــاهله، علماً بأنها كانت واقعة في التاريخ الأمريكي، مع جورج واشنطن وأبراهام لنكولن وودرو ويلسن.

مع دورة الجهل والتجاهل، من أسوأ إدارة عرفها تاريخ الإدارات في الولايات المتحدة، ومع جرعة زائدة من العناد وركوب الرأس، فإن صراع أمريكا في العراق، تزداد عواقبه عمقاً، فالصدام المطول لا بد أن يجلب المزيد من شعب أمريكا إلى ساحات الاعتصام والاحتجاج، فمع تجاوز إلفي كفن بأعلام أمريكية، ومع تجاوز خمسة عشر ألف إصابة في شباب أمريكا اليافع، يزداد لهيب الحريق الذي بدأ الشعب الأمريكي يشعر بآلامه، وها هي المقاومة تنتقل من المئات إلى الألوف، ومنها إلى عشرات الألوف، حيث ينهار الوضع تدريجيا، أو ربما دفعة واحدة، حيث تتشابك مآسي الرئيس بوش (صاحب الحوارية مع الأب الأعلى)، من قتلى وجرحى، وعجوز ميزانيات وموازين، إلى كاترينا ومشاكل الزنوج المستيقظة، إلى سكوتر ليبي وكارل روف، إلى تشيني نائب الرئيس أو على كاهله، إلى جوزيف ويلسون والجلسات المغلقة في مجلس الشيوخ، إلى هاري ريد والمطالبة باسترجاع شريط التضليل المتطاول في ذرائع الحرب على العراق.

بالاستفاقة على حرب العراق، لا تتم كرمى لعيون العراق، بقدر ما هي استهلالات توحي بخسارة القرن القطبي الأمريكية كله، وبهذا المعنى وفي سياقه، قال جنرال أمريكا المتقاعد، ريتشارد مايرز كلاما مشابها، (إن خسارة الحرب في العراق، أشبه ما تكون بخسارة الحرب العالمية الثانية) ورغم المغالاة في القول، فأن الصورة باتت شديدة الوضوح، فقناص بغداد، يقلق جيشاً هو في عداد الجيوش الأولى في العالم، ووتائر المقاومة تتسارع في كل قصبة عراقية دون تمييز، والجندي الأمريكي، ما زال يتساءل بكآبة، لماذا أنا هنا؟ وعصبة الاحتلال جارية في عمليات النهب الأسرع، ونقل العائلات إلى الخارج.

وعفوك سيدي الجنرال مايرز، أنكم ستخسرون الرهان على القرن، في العراق وليس في سواه.