هل حقاً إنّ النظام الإيراني خصم للغرب وأمريكا؟

د. فيصل الفهد

لا يزال الأسلوب الذي يتعامل بـه الغرب مع إيران مثير للجدل، فهذه المرونة وطول البال يضعان كثيراً من علامات الاستفهام، فهل هو بسبب ضعف الغرب وأمريكا أم لأنّ إيران دولة قوية؟ أم أنّ كلّ ما نسمعه ونشاهده هو جزء من مسرحية تمرّر على العالم بحبكة حرفية عالية؟ أم تراها لا هذه ولا تلك، بل بسبب تعقيدات الوضع الدّولي بشكل عام، وفي منطقتنا بشكل خاص، لاسيّما بعد التوحل الأمريكي في المستنقع العراقي؟!

ولكي نحيط بهذه الأسئلة الملحّة لابدّ وأن نسلّط الأضواء على أوضاع وظروف القوى التي تتنازع مع النظام الإيراني (إعلامياً) بما أطلقوا عليه ( الملف النووي الإيراني).

إنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة ومنذ عودة الحزب الجمهوري إلى السلطة عام 2000 ورئيس الإدارة الأمريكيّة مهووس بإسقاط بعض الأنظمة وفي مقدمتها النظام الوطني في العراق، إضافة إلى التلويح باستخدام العصا الغليظة على أنظمة أخرى في المنطقة ليس لإسقاطها بل لإبقائها في المربع الذي وضعت فيه والذي يمكن فيه أن تستمر في تقديم خدماتها للإمبراطورية الأمريكيّة، وفي مقدمة هذه الأنظمة النظام الإيراني.. وهذا ما يفسّر لنا - في جانب منه – أنّ الظرف الحالي الآني لا يدفع إلى الصدام المسلّح مع إيران، وهنا يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

1 - إنّ سياسة إيران تجاه أمريكا والغرب و(إسرائيل) اليوم هي ذاتها التي كانت أيام الشاه بمعنى أنّ الحديث عن تغيّر (ثوري؟!) قد وقع في إيران بمجيء مجموعة الملالي يجانب الصواب لأنّ أمريكا ومعها الغرب و(إسرائيل) لم يكونوا يسمحوا لهكذا نظام أن يرى الحياة دون أن يضمنوا سلفاً أنّه سيخدم أغراضهم ربما بشكل أكبر مما كان يفعله الشاه قبل خروجه من إيران.

2 - إنّ النظام الحالي في إيران ذا النفس الفارسي الصفوي يلعب على جميع الحبال ويستخدم جميع الألوان إلى درجة يصعب بها على بعض السياسيين المسطحين إدراك جوهر وحقيقة مواقف هذا النظام في هذه القضيّة أو تلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر لا يزال كثيرون (لحد الآن) وللأسف الشديد يعتقدون أنّ النظام الإيراني يدعم نضال الشعب الفلسطيني ضدّ (الاحتلال الإسرائيلي) ويدعم مقاومة الشعب اللبناني (ضدّ العدوان الإسرائيلي) والحقيقة أنّ إيران أمس واليوم وغداً أقوى حليف (لإسرائيل) وأمريكا والغرب في المنطقة.

3 - إنّ الفلسفة التي ينطلق منها نظام الملالي ذو النزعة العنصرية الفارسية في طهران تتمحور حول الانتقام من العرب والمسلمين بشكل عام والعراق بشكل محدد لأنّهم كانوا وراء إسقاط دولتهم، ولذلك يتوهم كثيراً من يعتقد أنّ هؤلاء المتسلطين على رقاب الشعوب في إيران يمكن أن يكونوا مسلمين حقاً، بل إنّهم لا يقلون خطراً على العروبة والإسلام من الصهيونيّة ذاتها... بل هم أكثر خطورة منها، لسبب وجيه وهو أنّ النظام الإيراني لبس رداء الدين بما يمكنه من إلحاق ضرر أكبر في جسد الإسلام لأنّه ينهش بـه من الداخل، وهذا ما يجعل هذا النظام أقرب الحلفاء لأعداء العروبة والإسلام وفي مقدمتهم اليمين المسيحي المتصهين في أمريكا و(إسرائيل).

4 - كان العراق القوة العربيّة الحقيقية القادرة على مواجهة النظام الإيراني في المنطقة، وكان بمثابة صمام الأمان لدول الخليج العربي، إلاّ أنّ عمالة الأنظمة الكارتونية المطلقة لأمريكا أعمى بصيرتها عن تلمّس خطورة غياب العراق القوي عن ميزان القوى في المنطقة وجعل هذه الأنظمة الهزيلة تستسلم لمصيرها المعتم وتحول دولها إلى فريسة سهلة تتنازعها الهيمنة الأمريكيّة من جهة وطموحات المشروع الإمبراطوري الفارسي القديم الجديد للعبور إلى الضفة الأخرى من الخليج العربي وتحويلها إلى منطقة فارسية.

5 - إنّ تدخّل إيران في العراق ودعمها المباشر المكشوف لعملائها (الأشيقر والحكيم والجلبي...) لتحقيق خطوة متقدمة على صعيد بناء الإمبراطورية الفارسية في المنطقة عبر ما أسموه الفدرالية الشيعية في الجنوب والوسط العراقي يمثل انعطافاً خطيراً في تنفيذ مؤامرة إعادة تقسيم المنطقة ابتداءً من تقسيم العراق، وهذه المؤامرة لا يمكن لها أن تنفّذ لولا وجود تنسيق واتفاق مسبق بين (أمريكا و"إسرائيل" وإيران) لأنّ هذه الأطراف هي أكثر المستفيدين منها.

فأمريكا لن يزعجها بعد تقسيم العراق وجود نظام وطني قومي يؤمن بوحدة الأمة العربيّة وبروح الإسلام ويريد إحياء أمجاد العرب ويعيدهم إلى تصدّر المشهد الإنساني العالمي.

و(إسرائيل) ستكون قد تخلّصت من عدوها الأول وخصمها اللدود الفعال (العراق) وسيمثل لها تقسيم العراق فرصة للوثوب نحو الإمام لتحقيق هدفها المنشود (إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل)، كما أنّ وجود دويلات صفوية الهوى والسلوك يضمن لها توجيه ضربة لعدوها الجبار الإسلام الحقيقي.

أمّا إيران فسوف تطأ قدمها بشكل فعّال المناطق الشرقيّة من الجزيرة العربيّة (شرق ما يسمى بالسعودية) وهي مناطق تقطنها غالبية شيعية وفيها أهمّ الثروات النفطية، وستكون لها فعاليات مؤثرة أكثر مما تحققه الآن في قمة هرم المسؤوليات في الأنظمة الحاكمة في دويلات الخليج العربي وكلما ستضعف أمريكا خارجياً كلما سيقوى النفوذ الصفوي الإيراني في المنطقة بالتوافق والتناسق مع الكيان الصهيوني وليس بعيداً عنه.

6 - إنّ ما يشاع ويكثر الحديث عنه عما يسمى بأزمة الملف النووي الإيراني هو أمر مبالغ فيه وتدلل الطريقة التي تتعامل بها إدارة بوش مع هذا الموضوع على أنّها فبركات دعائية أكثر منها مواقف جدية حقيقية حيث يمكن لنا تأشير الملاحظات التالية:

- إنّ انطلاق المشروع الإيراني النووي كان منذ لحظته الأولى تحت مرأى ومسمع وعلم الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ولو كانت أمريكا تريد إجهاضه لأجهزت عليه وقوضته منذ بداياته، ولو أنّ هذا البرنامج النووي يمكن أن يمسّ ولو من بعيد (أمن إسرائيل) لما سكتت الأخيرة عليه. وكلنا نتذكر كيف تعامل الكيان الصهيوني مع البرنامج النووي العراقي حيث دمّرت (إسرائيل) المفاعلات النووية الفرنسية التي كان العراق قد تعاقد على شرائها من فرنسا (مفاعلات تموز) قبل أن تصل إلى العراق، وفي المرة الثانية هاجمت المفاعلات الأخرى السلمية قرب بغداد أثناء الحرب العراقيّة الإيرانية بتنسيق واضح مع إيران... فهل يستطيع أحد أن يدّعي أنّ المشروع النووي الإيراني يمكن أن يوجه ضدّ (إسرائيل)؟!

- يحتمل أنّ الذي يخشى من المشروع النووي الإيراني ليست (إسرائيل) بل السعودية ودول الخليج الأخرى وهذه كلها (محمية أمريكية) بل إنّ أمريكا يمكن أن توظّف الضغوط الإيرانية المفتعلة لزيادة عمليات (حلب البقرات السعودية والخليجية الأخرى) ونهب ثرواتها وتحقيق أكبر الصفقات لصالح شركات إنتاج الأسلحة الأمريكيّة والبريطانية لأنّ هذه الشركات مع الشركات النفطية هي أكثر المستفيدين من السياسة العدوانية الأمريكيّة لاسيّما في منطقتنا باعتبارها الممول الرئيس لحملات بوش الانتخابية.

7 - إنّ إيران كانت ولا تزال الشريك الفعال الذي أسهم في احتلال أفغانستان ثمّ العراق وكلّ ما يحدث في هذين البلدين يتمّ بتنسيق استخباراتي وميداني بين الطرفين وغبيّ جداً من يتصوّر غير ذلك.

8 - إنّ النظام الإيراني مهترئ من الداخل ويخطئ من يتصوّر أنّه أمام مجتمع متوازن متناسق بل إنّه أمام وعاء يغلي محكم الغلق مرحلياً لا أحد يدري في أيّ لحظة ينفجر.. ونار تحت الرماد!!

9 - إنّ أحداث 11 أيلول وما تبعها من تحقيقات أثبتت ضلوع إيران (مع دول الخليج ومصر) بجانب مهم مما جرى بشكل مباشر أو غير مباشر ولو كانت هذه الأطراف فعلاً تمثل خصماً لأمريكا و(إسرائيل) لما أسدلت الستار عنهم وتوجهت بعدوانها نحو العراق بذرائع كاذبة (امتلاك أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة) في حين تمتلك أجهزة الاستخبارات الأمريكيّة و(الإسرائيليّة) الأدلة الواقعة على علاقات النظام الإيراني بالقاعدة وامتلاكه المشروع النووي ومع ذلك كان هذا النظام حليف لأمريكا في احتلاله العراق وقبله أفغانستان... فكيف يمكن تفسير ذلك؟!

وإذا افترضنا أنّ المصالح الأمريكيّة وليست (الإسرائيليّة) في المنطقة تستدعي إعادة النظر وتغير بوصلة التعامل مع النظام الإيراني لاحتمال أنّ أمريكا استنفذت أغراضها منه فما الذي نتوقعه لاسيّما بعد ازدياد مخاوف أنظمة السعودية والخليج العربي من سياسة النظام الإيراني وتحديداً من التمدّد والنفوذ الفارسي في العراق؟

1 - ستعمل أمريكا على تقليم أظافر النظام الإيراني عبر حرمانه من حليفيه السوري واللبناني والانفراد بكلّ منهم على حدة لا سيّما بما نراه اليوم من ممارسة أميركية مبرمجة من الضغوط الاقتصاديّة والسياسية والإعلامية ضدّ الدول الثلاث.

2 - تعمل أمريكا ومعها دول غربية على تأجيج الصراعات والخلافات العرقية والإثنية والطائفية داخل إيران، فرغم سيطرة الفرس (ثلث الشعوب الإيرانية) إلاّ أنّ هذا لا يعني أبداً استسلام بقية مكونات الشعوب الإيرانية للسطوة الفارسية، بل إنّ الواقع الفعلي يؤكّد أنّ القوميات الأخرى في حراك سياسي متصاعد قد ينفجر في أيّ فرصة قريبة لا سيّما وأنّ بعض المظاهر قد طفت على السطح عبر العمليات العسكريّة المنظمة سواء كانت في المنطقة العربيّة (الأحواز) أو في مناطق أخرى عديدة وهي عمليات مؤثرة وفعالة رغم كلّ محاولات التعتيم الإعلامي عليها والمؤشرات تؤكّد أنّ هذه العمليات ستزداد كماً ونوعاً وستتبع قاعدتها أفقياً في مناطق مختلفة من إيران.

3 - إنّ الخيار العسكري ضدّ إيران أو حتى ضدّ سوريا مستبعد (في الوقت الحاضر) فأمريكا تركن إلى الرهان على نتائج ضغوطها وتهيئة الظروف والمناخ المناسب للتغيرات الداخلية وهي لا تريد أن تكرّر تجربتها المرة التي تورطت بها في العراق وهي إن اضطرت وهو أضعف الاحتمالات فإنّها ستستخدم القصف الجوي والصاروخي والبحري وربما بعض عمليات الإنزال الخاصّة هذا بالنسبة لإيران أمّا سوريا فيكفي أن تعطي الضوء الأخضر (لإسرائيل) لتقوم بما يحلو لها القيام بـه.

4 - إنّ الجانبين الأمريكي والغرب من جهة والإيراني من جهة أخرى يمارسان المماطلة في موضوع الملف النووي، فها نحن نشرف على عامين ونصف والملف لا يزال في أروقة منظمة الطاقة الدوليّة وفي درج البرادعي، وحتى إن أحيل الملف إلى مجلس الأمن، فكم من الوقت سيأخذ لكي يتحوّل إلى قضية جدّية قابلة لاتخاذ القرار فيها وكلا الطرفين (الأمريكي والإيراني) يراهنان على الزمن القادم. فأمريكا تعتقد أنّ إيران مقبلة على أوضاع داخلية مساعدة للتغير الجذري فيها وقدوم حلفاء أكثر حرصاً على خدمتها حتى ولو كان في إيران مفاعلات نووية (غير سلمية) مثل نظام باكستان وإيران تراهن أنّها ستتمكن من إنتاج السلاح الذي نعتقد أنّه كفيل بإبعاد شبح العدوان العسكري الأمريكي عنها مثلما هو حال كوريا الشمالية، والأشهر القريبة القادمة هي وحدها من ستفرز أيّ الخيارين سيرى النور قبل الآخر.

5 - في المقابل فإنّ إيران إضافة إلى استعجالها في الوصول إلى المرحلة المفصلية التي ستمكنها من إنتاج الأسلحة النووية ستعمد ومن باب تحشيد القوى ولغرض تطويق الوجود الأمريكي في العراق إلى تفعيل علاقتها مع سورية وربما إلى عقد اتفاقية دفاع مشترك، هذا من جانب.

ومن جانب آخر ستمارس إيران أبرع فنونها لاستغلال الأوضاع المتهاوية في العراق وإحراز النقاط ضدّ الأمريكيّين وزيادة فعالية عملائها وربما دفع قسم منهم لرفع العصا (السلاح) في مواجهة الأمريكان ولا نستبعد في حالة وصول القناعة لدى نظام الملالي أنّ وضعهم أصبح معقداً وصعباً نتيجة الضغوط الأمريكيّة عليهم فإنّهم سوف لن يتورعوا عن تقديم أنواع الأسلحة الأكثر فعالية لفصائل من المقاومة العراقيّة تحت شعار (عدوّ عدوّي صديقي).

6 - أمّا الحديث عن دور روسي فإنّه حديث قد يخيب آمال النظام الإيراني لأنّ روسيا بالأساس هي مستهدفة من قبل أمريكا والغرب ومشاكل الدب الروسي أكبر من أن تمكّن روسيا من لعب الدور المؤمل الذي تتمناه إيران في مواجهة أمريكا والغرب.

أين العراق من كلّ هذه النزاعات؟

إنّ قدر العراق كان وسيبقى محكوماً بكونه:

1 - العراق بكلّ عظمته حضارةً وتاريخاً وشعباً.

2 - صاحب النهرين العظيمين دجلة والفرات الخالدين.

3 - يمتلك الثروات التي يحسده الآخرين عليها ويسيل لعابهم للوصول إليها.

4 - في هذا الموقع الجغرافي من العالم وابتلي بكونه جاراً لإيران وتركيا وما أتعسهما من جارين.

5 - بنى تجربة على مدى 35 سنة عظيمة عظمة شعبه وعظمة الحزب الذي قادها وعظمة الأهداف النبيلة التي سعى إليها.

6 - حوصر واعتدي عليه ثمّ احتل فكان ردّ فعل شعبه أعظم ظاهرة في المقاومة الوطنية المسلحة عرفتها الإنسانيّة في التاريخ المعاصر.

وعندما نقول إنّ العراق أسير كلّ هذه العوامل لا يعني جانباً سلبياً بقدر ما هو تشخيص دقيق لعدم استطاعة العراقييّن الشرفاء تخطّي أو تجاوز أيّ من الحقائق التي أشرناها وهذا ما يفرض عليه التعاطي مع كلّ تداعيات الوضع الداخلي أوالذي يحيط بالعراق انطلاقاً منها وعليه فإنّ الذي سيؤمن للعراقيين العبور الأسلم نحو السلام والاستقرار هو التحرير الكامل للعراق من أيّ وجود أجنبي سواء كان من قوات الاحتلال الأمريكيّة وحليفاتها أو من الاحتلال الإيراني والصهيوني والتخلص من كلّ البؤر العفنة للعملاء الذين جاءوا مع الاحتلال، وهذا كلّـه سينجز عبر المقاومة الوطنية العراقيّة البطلة ويتوهّم كثيراً ويتغابى من يعتقد أنّ هناك حلاً لمشكلة العراق غير المقاومة الوطنية وفي مقدمتها المقاومة المسلحة.