دعاة الطائفية والعرقية في العراق... إلى أين؟!

د. فيصل الفهد

يثير الوضع المتأزم في العراق شكوكاً كثيرة وتساؤلات هي أبعد ما تكون عما يتمّ تناولـه في وسائل الدعاية، كما أنّ المفارقات التي تحدث على الساحة العراقيّة يتعمّد أصحابها ترسيخها كمظهر أساسي للواقع العراقي لما بعد الاحتلال ومن أبرزها المسألة الطائفية والعرقية.

ورغم أنّ العراقييّن لم يألفوا هذه الظواهر السلبية القاتمة ولم يؤسسوا لها في سياقات حياتهم بمختلف جوانبها إلاّ أنّ المحتلين وعملاءهم يعمدون اليوم على إلصاقها واعتمادها مفصلاً حيوياً في تفاصيل المدركات التي يتعامل بها حشد غير قليل من أبناء الشعب العراقي وهي تكتسب خطورتها من كون أنّ المتعاملين بها هم من الفئات الضعيفة في وعيها وإدراكها لما يمكن أن تشكله هذه الظواهر من مقدمات قد تفضي بالمجتمع العراقي إلى الفرقة والتشتت والانزلاق في نزف الصراع المذهبي والطائفي والعنصري لاسيّما وأنّ المرتكز الذي يساعد في تمرير هذه المؤامرة إضافة إلى الاحتلال الأمريكي الصهيوني وجود تغلغل إيراني تفصيلي في الدهاليز الخلفية لهذه الفئات والتي تحركها كما تحرك جنود الشطرنج بالاتجاهات التي تخدم المحتلين وحلفائهم لاسيّما إيران.

إنّ الأمر المثير للجدل والحيرة أنّه في الوقت الذي تطلق فيه أبواق الدعاية الأمريكيّة المتصهينة دعواتها المبهرجة بما سيؤول إليه العالم في الألفية الثالثة من انتشار لقيم العولمة وانتشار الديمقراطية (الطبخة الأمريكيّة) ومبادئ حقوق الإنسان وحقوق المرأة والتسامح بين الشعوب والقوميات والأديان والسموّ في العلاقات بين المجتمعات البشرية، والدعوات الأمريكيّة وصولاتها السياسية (العزوم) لتحرير الناس من العبوديات الاثنية والانغلاق... نجد أنّ دخول المحتل الأمريكي والبريطاني والصهيوني والإيراني إلى العراق قلب كلّ هذه الشعارات رأساً على عقب وتحديداً عندما نتناول الحديث عن العراق قبل الاحتلال الذي كان أكثر البلدان (على أقل تقدير في المنطقة) المتنورة المتطورة المستقرة سياسياً وأمنياً واجتماعياً ووضعه الاقتصادي رغم ظروف الحصار أفضل بكثير من الدول الأخرى ناهيك عن صيغة العلاقات المتماسكة لأبناء شعبه تلك العلاقة التي لم تؤثر بها النعرات العرقية أو الطائفية بل إنّ في مقدمة مزايا الشعب العراقي إنكاره الحقيقي لأيّة توجهات يمكن أن تضعف متانة نسيجه الاجتماعي المتماسك رغم كلّ المحاولات الضالة التي قام بها الاستعمار البريطاني لعقود طويلة والتي انتهت بفشلها جميعها.

أمّا واقع العراق اليوم وبعد مضيّ قرابة ثلاث سنوات على نكبة الاحتلال فإنّ المستعمرين الجدد وعملائهم ومقلديهم في العمالة والخيانة يركزون على جعل الطائفية والعنصرية البغيضتين هما السمتان البارزتان للصور المخطئة عن الشعب العراقي وعلاقاته الداخلية فأصبحت الأحاديث عن سنّة وشيعة وعرب وأكراد وتركمان ومسلمين ومسيحيين هي المكوّنات الأساسية لأيّ حديث أو سلوك أو تصرّف للقوى التي هيمنت بالعنف والإرهاب على مقدرات العراق وأصبحت هذه المسميات هوية يعلل بها هذا الشخص أو تلك الجهة أو المجموعة جرائمهم البشعة ضدّ الإنسانيّة إلى درجة أنّ ما كان الحديث فيه قبل الاحتلال يُعدّ (سبّة) وانتقاصاً ويعرّض المتحدث بـه إلى الاستهجان والاستخفاف من قبل الآخرين ونعني فيه المسائل الطائفية والعرقية أصبح اليوم (علكة) تلوكها أفواه الأفاقين والدجالين ومن باعوا ضمائرهم للأجنبي، ووجدنا أنفسنا أمام مشهد غريب وعجيب لم نألفه نحن العراقيون من قبل ولم نسمعه من آبائنا أو نعرفه عن أجدادنا وكلّ هذا الذي يجري بفضل عمليات التخريب المبرمج والتهشيم المتعمّد لصورة العراق وشعبه الذي تقوم بـه دوائر الاحتلال وأدواتها من العملاء والجواسيس لاسيّما الذين ازدوجت ولاءاتهم بين الاحتلال الأمريكي الصهيوني وبين إيران.

فالشرفاء المدافعون عن بلدهم ضدّ الاحتلال أصبح وفقاً لتصنيف المحتالين وعملائهم إرهابيون، أمّا من يدعم الاحتلال ويمعن في قتل العراقييّن فهؤلاء هم من يلقبون أنفسهم بالوطنيين.. فأية مفارقة عجيبة غريبة هذه التي تحدث في العراق المحتل؟

إنّ المثير في الأمر أنّ من يتحدث عن الإرهاب في العراق ويوجه أصابع الاتهام في صناعته إلى الآخرين هو من يقف وراءه ويتفنن في ابتكاراته. ففي الوقت الذي تنفق فيه ملايين الدولارات وتزدحم فيه وسائل الدعاية وبالذات القنوات التلفزيونيّة بالدعايات والإعلانات التي تمجّد بـ (الشرطة والحرس الوثني) وأنّهم المدافعون المضحون عن العراق وأهله نجد في الواقع اليومي لمجريات الأحداث التي تهدد المواطنين العراقييّن تشير بوضوح وبالأدلة القاطعة إلى أنّ من يرهب الناس ويقتلهم ويختطفهم ويسرقهم ويرمي بالجثث بعد تشويهها وبأساليب التعذيب المبتكرة هم الشرطة والحرس الوثني. وأصبحت مسميات (ألوية الحسين وعلي و...) للأسف الشديد عناوين للبطش بالعراقيين. أمّا عمليات الخطف والاعتقالات فقد وصلت إلى أرقام فلكية وأصبحت العوائل تحت رحمة طلبات هذه الأجهزة الإجرامية (أجهزة الشرطة والحرس الوثني) التي تطالبهم بدفع مبالغ (مئات الآلاف من الدولارات). وحتى إن دفعوا فإنّ الأمل في نجاة أبنائهم المحتجزين من القتل ضعيف، لأنّ أغلب من يدفعون الأموال لتخليص أبنائهم يجدون جثثهم مرمية في أماكن جمع النفايات أو على أرضية الشوارع المظلمة أو أماكن تصريف المياه الآسنة.

إذن لم يكتفِ عملاء الاحتلال في حكومة الأشيقر (الجعفري) بتكوين هذه الأجهزة كدرع واقٍ لحماية المحتلين من هجمات أبطال المقاومة الوطنية العراقيّة بل ذهبوا (بعد أن فشلوا بحماية المحتلين) إلى ممارسة المهنة الوحيدة التي تدربوا عليها (في الخارج قبل الاحتلال) وهي السرقة والقتل والتعذيب وجمع الأموال استعداداً للهرب من العراق قبل هروب قوات الاحتلال.

إنّ ما يدور في أروقة العملاء ودهاليزهم سواء في بغداد (المنطقة الخضراء) أو في إربيل أو السليمانية أو خارج العراق من مساومات وطبخات واستعراضات للعضلات لا تخرج كلها عن السيناريو الأمريكي المعدّ سلفاً والذي يؤكّد أنّ الأمور تتجه نحو قيام حكومة يضيع فيها (الحابل بالنابل) وتفشل فشلاً ذريعاً ليأتي على أعقابها تنفيذ باقي السيناريو الذي بموجبه يتحدد شكل الوضع الجديد في العراق والذي لن يكون فيه للعملاء المزدوجين (لأمريكا وإيران) ذات الحظوة التي تمتعوا بها خلال المرحلة السابقة وسيكون الفيصل الحاسم في العراق هو المقاومة الوطنية العراقيّة التي أصبحت بفضل الله وصلابة واقتدار وشجاعة أبطالها تسيطر بالكامل على أرض الواقع وسيزداد فعلها على الأرض أضعاف ما كانت عليه في الأعوام الماضية.. ولذلك نقول: سيندم كثيراً كلّ من لم يضع نفسه في خدمة بلده ويتخندق مع المجاهدين العراقييّن لينعم برضا الله وحب الوطن وبنشوة النصر المؤزر القريب. أمّا من يريد الذلّ والهوان فليبق حيثما هو مع العملاء والخونة والجواسيس وعندها لن يجد من العراقييّن غير لعناتهم ولينفذوا فيه حكم الله والوطن وليدافعوا عن حقوق كلّ من راحوا ضحية جرائم الاحتلال وعملائه وخيانة من خانوا وطنهم وشعبهم وهذا اليوم لن يكون ببعيد.