العوامل التنظيمية في أزمة فتح

عبد الإله بلقزيز

تختلف حركة "فتح" عن غيرها من الحركات والتنظيمات الفلسطينية في كونها ليست حزباً سياسياً بالمعنى الحرفي والتقليدي للكلمة، فهي ليست ذات عقيدة فكرية جامعة وخط أيديولوجي واضح على نحو ما هو الأمر- مثلاً- لدى اليسار القومي والماركسي أو لدى الحركة الإسلامية في الساحة الفلسطينية. والانتماء التنظيمي إليها من المرونة بحيث يسقط تكاليف بيروقراطية عديدة- عرفتها تنظيمات أخرى- ويفتحها أمام حركة هائلة من التدفق الاجتماعي عليها، ولم يكن ذلك ليحصل عفواً، بل بتخطيط رسمه المؤسسون الأوائل الذين أرادوها حركة تحرر وطني وليس حزباً سياسياً (نلحظ ذلك في اسمها الرسمي: "حركة التحرير الوطني الفلسطيني"). والهدف أن تلم شعث الشعب الفلسطيني في الداخل والجوار العربي وتوحده على قضية جامعة مشتركة هي: تحرير الوطن.

كنت تجد لذلك السبب طيفاً واسعاً من التعبيرات الثقافية والأيديولوجية داخل "فتح": الإسلاميين القادمين من أصول إخوانية أو من تجربة سابقة في "حزب التحرير" والليبراليين والعلمانيين المتأثرين بالنموذج السياسي الغربي المدافعين- وقتها- عن الحوار مع أوروبا الغربية، واللينينيين المشدودين إلى المثال الثوري السوفييتي، والماويين الحانقين على المثال السوفييتي وعلى العلاقة السياسية بموسكو، والغيفاريين المؤمنين بحرب العصابات و"الإرهابيين الثوريين" المأخوذين بتجربة "الألوية الحمراء" الإيطالية و"الجيش الأحمر الياباني" ومنظمة "بادر- ماينهوف" الألمانية وعمليات كارلوس على امتداد العالم. وكنت تجد المسلم والمسيحي، الغني والفقير، الشيخ المسن والصبي اليافع، وقد أفاد ذلك كثيراً حركة "فتح" وحولها بسرعة قياسية إلى أم الحركات السياسية في فلسطين: جماهيرية وتأثيراً، في غضون عامين فاصلين بين انطلاقة العمل الفدائي (1965) والهزيمة واحتلال ما تبقى من فلسطين (1967).

لكن كان لذلك أيضاً مضاعفات جانبية في جسمها الداخلي:

بمقدار ما كان التنظيم يكبر ويتوسع وينتشر في سائر قارات الأرض، كانت قيادته تجنح نحو مركزية شديدة يضيق بها إطار "اللجنة المركزية" و"المجلس الثوري" للحركة. كان بضع عشرات من أعضاء المؤسسة التنظيمية المركزية يقود حركة تضم في صفوفها مئات الآلاف من الأعضاء، وما كانت ممثليات "فتح" في العالم كافية لتكون الوسيط الذي يملأ الفراغ التنظيمي بين الجيش العرمرم من الفتحاويين وقيادته المركزية. وكانت النتيجة أن الحركة لم تهتد إلى صيغة تنظيمية فعالة تستوعب بها الطاقات العديدة المتدفقة في كيانها الحركي وتشركها في الإدارة والقيادة وصناعة القرار. ولعلها لم تدرك ذلك جزئياً إلا حين اندلعت انتفاضة العام 1987، فقام الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) بالتقاط هذا المتغير مدركاً الحاجة إلى إدارة تنظيمية ميدانية له، وهو ما أسس لعلاقته المباشرة بـ"القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة" (ويمكن أن نضيف إلى ذلك صيغة "الهيئة الحركية العليا" لـ"فتح" مثالاً آخر لتلك الحاجة التي جرى إدراكها).

ولقد حصل في سنوات التسعينات- بعد استشهاد (أبي جهاد) و(أبي إياد) و(أبي الهول) ورحيل خالد الحسن وإقامة فاروق القدومي في تونس- أن تركزت السلطة القيادية للحركة في يد الشهيد ياسر عرفات، وزادها تركيزاً أنه أصبح رئيساً للسلطة الفلسطينية، وأن حركة "فتح" لم تنجح في عقد مؤتمرها العام وتجديد أطرها القيادية، فكان ذلك سبباً جديداً مضاعفاً لأزمة تنظيمها وعجز بناه عن استيعاب طاقات جديدة متدفقة فيه، وترافق ذلك كله مع متغير حاسم في حالة التنوع والاختلاف التي قامت عليها تجربة "فتح" على الصعيد الفكري والأيديولوجي، فبدل أن يستمر ذلك التنوع عامل إخصاب وإثراء لتجربتها مثلما كان في سنوات الستينات- الثمانينات، تحول إلى قيد مضروب على وحدة موقفها السياسي، منذ عقد من الزمان أو يزيد، حين انقلب من تعدد فكري إلى تعدد سياسي منذ قيام السلطة! أمسينا على "فتح" واحدة ثم أصبحنا على أكثر من "فتح" في التنظيم الفتحاوي الواحد. ففيما كان مثقفو “فتح” قبل ثلاثة عقود يقارعون قيادتهم حول أكفل السبل لتحويل الحركة إلى حركة ثورية على النمط البلشفي أو الماويّ أو الفيتنامي أو الكوبي دون أن يعرضوا وحدة حركتهم للانقسام، بات بعض أطرها السياسية اليوم يقارع قيادته حول أكفل السبل لطمأنة أمريكا و"إسرائيل" على أن "فتح" شريك صادق في "السلام" وأنها مستعدة لدفع الثمن المطلوب منها للعودة إلى مائدة المفاوضات.

كائنة ما كانت الشكوك اليوم حول الخلفيات السياسية الكامنة وراء حركات الاعتراض السياسي داخل الإطار الفتحاوي، التي يقودها فريق سياسي منظم تحت عنوان إصلاح الأوضاع في الحركة، وبصرف النظر عن أن بعض ذلك الاعتراض ركب موجة الضغط النفسي على الأطر القيادية للحركة، وتوسل- أحياناً- بأسلوب التمرد المسلح (كما جرى في صيف العام 2004) أو بالعصيان السياسي على الأطر التنظيمية الشرعية للحركة (مثلما حصل بمناسبة الانتخابات الفتحاوية الداخلية لمرشحي الحركة للانتخابات التشريعية) فإن على "فتح" اليوم أن تقف وقفة جريئة للنظر في أوضاعها الداخلية المتآكلة والمتداعية، وأن لا تكتفي بتسويات شكلية تسكينية من قبيل تأليف قائمة انتخابية موحدة بـ"التراضي". نقول ذلك لأن الأزمة أعمق بكثير مما يظن أنه موطن الأزمة. ونقول ذلك لأن قدرات "فتح" على استيعاب تناقضاتها الداخلية تضاءلت كثيراً. ثم نقول ذلك لأن رأس "فتح" مستهدف، ومستهدف معه رأس الحركة الوطنية الفلسطينية.