من أرشيف (المحرر) 2/10/1999

احرقوا كتب التاريخ ولا تستغربوا شيئاً بعد اليوم!

اتفاق ما يسمى بـ (السلام) سيترك انعكاسات متعددة على علاقات التطبيع في المجالات التربوية والثقافية.. ويبدو انه ليس من الصعب الإحاطة بكل التحولات الممكنة التي تدخل للوهلة الأولى في عالم اللامعقول.

من هنا نطرح التساؤلات التالية: ماذا بعد أن تراجعت جامعة الدول العربية عن موضوع (ديزني لاند) حول القدس؟! وهل هي المرة الأولى التي يتراجعون فيها؟!!.. وماذا بحثت تلك الجامعة وماذا ستبحث في اجتماعاتها اللاحقة؟!! بما أننا لم ولن نكون هناك وهم أيضاً لن يدعونا لحضور اجتماعاتهم بطبيعة الحال.. وكذلك لن نحصل على جواب رسمي وحقيقي لا نحن ولا أي صحافي في العالم يمكنه ذلك، من هنا يمكننا التكهن أو التقدير أنهم طلبوا من وزارات التربية العربية أن لا تبقي مناهجها الدراسية كما كانت عليه بناء لأوامر الصهيونية العالمية وإدارة الولايات المتحدة وأنه يتعين عليهم أن يعلموا الأجيال القادمة بواسطة (الانترنيت)، وأنه يجب حذف كل ما في المناهج الدراسية من أفكار "هدامة خاطئة"، فالصهيونية ليست حركة عنصرية قامت لاغتصاب فلسطين، خاصة بعد إلغاء أو سحب القرار 3379 من هيئة الأمم، بل هي حركة "تحرر وطني" هدفها إعادة الحق التاريخي لأولئك الذين سباهم نبوخذ نصر قبل آلاف السنين.. وما حدث عام 1948 ليس اغتصاباً لفلسطين وليس تشريداً لأهلها، بل هو "حرب استقلال"، و(الياهو كوهين) الذي أعدمته سورية ليس جاسوسا للعدو، بل هو "بطل قومي" من "أبطال النضال ضد الاستعمار العربي الذي فتح فلسطين"، وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وغيرهم ليسوا أبطالا، بل هم غزاة ومستعمرون. وكذلك عليهم حذف كل الخرائط التي تبين فيها فلسطين بحدودها المعروفة بعد (سايكس-بيكو) التي قسمت الدول العربية إلى أقطار متناحرة، ويجب إضافة "اسرائيل" على اعتبار بأنها أصبحت "قطر شقيق".. هذا عدا عن حذف أو عدم تدريس أي مادة دينية إسلامية أو مسيحية تضر "بالتعايش السلمي" في المنطقة.

لذلك نقول للجميع ألقوا بكتب التاريخ التي كتبت خلال خمسة عشر قرنا الى النار، أقيموا محرقة ضخمة للطبري، وابن الأثير وياقوت الحموي، ومحمد كرد علي وعبد الرحمن الجبرتي وابن خلدون، فكتب التاريخ العربي تهيأ لها اليوم طبعات جديدة ومنقحة، وبنو قريظ وبنو قينقاع هم ضحايا ولم يتآمروا على رسول الله.

لا تستبعدوا في زمن كبريات الكبائر الثلاث أي شيء، لا تستبعدوا أن تطالب "اسرائيل" العرب في مفاوضاتها القادمة بما يتوجب عليهم دفعه من تعويضات للمغتصبين، عفوا على هذه الكلمة وأشد الاعتذار من على صفحات (المحرر) قبل أن نتهم بمعاداة السامية، وربما في المستقبل ستطالب باقتسام واردات موسم الحج الى البيت الحرام، هذا إذا لم تطالب بمشاركة الإشراف عليه! بحجة حقهم التاريخي هناك!!..

لذلك فإن جميع الشعراء والمثقفين والمفكرين والكتّاب الذين كتبوا ضد الصهاينة وضد التوسع "الاسرائيلي" سيصبحون (مطلوبين) عن طريق (الانتربول) والبوليس المحلي في دول العالم بوصفهم مجرمي حرب وبوصفهم أعداء للإنسانية.

لكن "اسرائيل دولة ديمقراطية" باعتراف الدول الصغرى والكبرى معاً ما شاء الله!!..

وستنقل عدوى ديمقراطيتها إلى العرب، عرب المصالحات وعرب الاستسلام والاستزلام. لذلك نطمئن هؤلاء المثقفين إلى أنهم لن يدخلوا السجن لعقود طويلة من الزمن دون محاكمة، وأنهم سوف يلاحقون وفق القوانين التي سوف تعدل بأثر رجعي لتشمل جميع "الجرائم ضد الصهيونية" بوصفها جرائم ضد الإنسانية لا يسري عليها التقادم سواء كان تقادما مسقطا للحق أو للادعاء به.

وأن كل من يفكر أو سيفكر بالكتابة أو حتى لو أنه رأى في منامه أنه سيحرر فلسطين من النهر الى البحر أو في أي عمل حتى لو لم يقم به عملياً فإنه سيحاكم في (محاكم التفتيش) العربية وليس غيرها بحجة أنه (إرهابي) كما حصل ويحصل في البلاد العربية اليوم.

وكذلك أيضاً في هذه الديار وكما في باقي ديار الاغتراب أو المهجر التي ضمتنا بعد تشريدنا أو لنقل هجرتنا إليها ستصدر قوانين تحت اسم (الحقد) أو (الذم العنصري) ونؤكد أن هذه القوانين ستصدر إن عاجلا أم آجلا، وهذه القوانين في حقيقتها "رائعة" تحمينا جميعا من كتاباتنا بحيث ستمنحنا فرصة كبيرة للتفكير قبل أن نكتب أو ننشر ما نقول، وبذات الوقت ستحمينا من قول كلام متسرع إن في الشارع أو في الأماكن العامة أو الخاصة..

وكما أعلن (باراك) وسلفه (رابين) "إن القدس العاصمة الأبدية لاسرائيل" وأكدت ذلك سيدة البيت الأبيض (هيلاري)، فإنه ليس من حق أحد الكتابة عن تاريخ القدس وقدسيتها إلا بعد ترخيص أو إذا كان يحمل لقباً جامعياً مثل (دكتور) في أقل تقدير.. لذلك أن المفاوضات القادمة ستجري على المسجد الأقصى وليس على القدس كما يصور البعض لأن عاصمة دويلة سلطة حكم الذات ستكون كما أكد كبار قادة الصهاينة هي (ابو ديس) وهنا ربما تتكرم علينا "اسرائيل" بالسماح في المقابل بإنشاء مسجد بديل في الحزام الأمني.. لذلك نؤكد عليكم بأن تطمئنوا فلن يكون هناك بعد اليوم هماً عربياً لأن الأمن العربي ستتولى "اسرائيل" الدفاع عنه لأنها هي الأقوى والأقدر كما أكد (باراك) وهي أيضاً ستتولى الدفاع عن جميع الجيوب الآمنة إن في جنوب لبنان أو في شمال العراق، أو في جنوب السودان أو في أي جمهورية من الجمهوريات الواقعة ما بين المحيط الأطلسي والخليج العربي، فماذا تريدون أكثر من ذلك؟..

أيها القراء الأعزاء كلنا نعرف أن الكلمة تصبح (قوة) منذ دخولها في عقول الناس.. ويصبح القمع حقيقة عندما يتقبله الناس كقضاء وقدر لا مرد له، ولا ينتصر العدو بالسلاح، بل بقوة الفكرة التي يستطيع زرعها في عقولنا فتتحول إلى سلاح أشد مضاء من جميع طائرات الـ (فانتوم) و(الأواكس) و(الشبح)، وصواريخ (كروز) و(توماهوك).. وأنه في الصراع بين الحق والباطل لا توجد منطقة وسطى إلا التخاذل والاستسلام..

إن القضية بكل بساطة هي أن الله واحد والحق واحد، ولن يستوي في ضمير الكون مؤمن وجاحد، ولئن اعتدي على الحق في جنح الظلام، فللحق في ضمير الكون شاهد.

وفي الختام أيها السادة الكرام، لنتذكر مسرحية شكسبير قبل أن يمنع هذا الكاتب بسبب ما ورد في مسرحيته المعروفة بـ (تاجر البندقية).. ولنتذكر أيضاً ما قاله (هاملت): "أن أكون أو لا أكون.. تلك هي القضية"!.. فهل نكون أو لا نكون نكرر مرة أخرى تلك هي القضية..

المحرر