أي مستقبل للصراع العربي-الصهيوني؟
د. حسن طوالبة/باحث وأكاديمي من الأردن
من دون العودة إلى المحطات التاريخية التي شكلت محور الصراع بين مشروعين، الأول: المشروع الصهيوني الاستيطاني المدعوم من قوى الغرب الاستعمارية. والثاني: المشروع العربي التحرري، ذاك الصراع الذي تنبأ به المفكر العربي نجيب عازوري منذ عام ،1904 في كتابه "يقظة الأمة العربية"، فـ"اسرائيل" الآن كيان سياسي فوق الأرض العربية الفلسطينية، في حين ما زال الفلسطينيون يناضلون بالسلاح والكلمة من أجل إقامة دولة، وما زال غالبيتهم يعيشون في الشتات.
ومن الحقائق الراهنة أن حكومة شارون الليكودية، والحكومة اللاحقة باسم آخر، لا تعترف بحدود لكيان "اسرائيل"، وقد تجاوزت نص قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967.. ولم تعترف بأن حدود عام 1967 هي الحدود التي يجب العودة إليها، ولذلك أقامت جدار الفصل العنصري الذي ضم أراضي كبيرة من المواطنين العرب، وقسمهم في القرى والمحلات والمدن، وقد زرع غابة من البنايات في الحي العربي في القدس الشرقية، ضمن خطة كشفت عنها بريطانيا في الاتحاد الأوروبي تقضي بتهويد القدس الشرقية وعزل ما تبقى من سكانها العرب عن محيطهم في الضفة الغربية. كما أكدت "حكومات اسرائيل" وكتلها السياسية أن لا عودة للاجئين، ولا تفكيك للمستوطنات في الضفة الغربية، ولا تنازل عن القدس الموحدة، بل جعلها عاصمة أبدية "لدولة اسرائيل".
وبالمقابل فأن أطراف الصراع من العرب قد أصبحوا كيانات واهنة، مجردة من القوة العسكرية القادرة على الوقوف بوجه القوة العسكرية "الاسرائيلية"، فخرجت مصر من المواجهة بعد "اتفاقيات كامب ديفيد"، وكذلك الأردن بعد "اتفاق وادي عربة"، واحتل العراق الذي كان يشكل تهديدا غير مباشر "لاسرائيل"، وسوريا تعاني من الضغوط الدولية والتهديد الأمريكي، وكذلك حال ايران الحليفة لسوريا. و"حزب الله" طوق بقرار دولي يطالبه بنزع أسلحته قبل أن تنسحب "القوات الاسرائيلية" من مزارع شبعا.
أما الولايات المتحدة حليفة "اسرائيل" فأنها تتواجد بقوات عسكرية ضاربة في العراق والكويت والسعودية وقطر والبحرين ومياه الخليج العربي.
في ظل هذه الصورة المظلمة تم اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وما زالت الحادثة في علم الغيب، والسلطة الفلسطينية تريد أن تمسك العصا من الوسط بين "اسرائيل" التي تطالبها بضرب الفصائل الفلسطينية، وبين الفصائل التي قادت الجهاد ضد المحتلين في قطاع غزة وأجبرتهم على الرحيل من جانب واحد. فالفصائل وخاصة حماس خاضت الانتخابات البلدية وحصدت أرقاما كبيرة، وها هي تستعد للانتخابات التشريعية في شهر كانون الثاني المقبل، رغم معارضة "الحكومة الاسرائيلية" على اشتراك حماس في هذه الانتخابات، ونيل حصة مهمة من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني المقبل. كما أن تصدر السجين المناضل مروان البرغوثي قائمة (فتح) الانتخابية، وهو مؤشر على تصاعد نفوذ الشباب في حركة (فتح).
لماذا هذا البون الشاسع في حركة الصعود "الاسرائيلية"، والهبوط العربية..؟ أهو صعود دائم وهبوط دائم، أم حالة مؤقتة، تعبر عن لحظة تاريخية في حياة الأمة العربية، ومراحل الصراع العربي - الصهيوني! هل هذا الخلل عائد إلى اختلال في ميزان القوة بين الطرفين..؟
لقد كتب العديد من الباحثين العرب حول مقومات القوة والضعف لدى الجانبين، فوجد البعض أن عناصر القوة المادية العسكرية متوفرة لدى "اسرائيل" أكثر من العرب، لأن "اسرائيل" صارت منتجة للسلاح المتطور وخاصة سلاح الجو والصواريخ والرصد والاتصالات، وأصبحت شريكاً للولايات المتحدة في بعض الصناعات العسكرية، أما العرب فما زالوا يشترون الأجيال القديمة من الأسلحة الجوية والبرية والبحرية، أي الأجيال التي تم شطبها من الخدمة الفعلية في دول المنشأ، ولا تعطى أسلحة إلا لأغراض الدفاع، وخاصة أسلحة الهجوم الاستراتيجية.
رغم أن "اسرائيل" متفوقة في هذا الجانب، فإن توفر القوة العسكرية لا يعني الانتصار دائماً، والثبات في مواقع القوة على طول الخط. ولاسيما إذا كانت تقف في أراضي غيرها.. والأمثلة كثيرة على ذلك، فالقوات الأمريكية انهزمت في فيتنام رغم تباين ميزان القوة العسكرية بينها وبين الفيتناميين، وانسحبت القوات الأمريكية من لبنان إثر عملية فدائية اقتحامية واحدة، وانسحبت قواتها من الصومال بعد عملية مواجهة واحدة مع ميليشيات صومالية، وانسحبت القوات "الاسرائيلية" من جنوب لبنان، رغم اختلال القوة بينها وبين قوات "حزب الله"، وانسحبت من قطاع غزة رغم الاختلال العسكري بينها وبين قوات المقاومة الفلسطينية في القطاع، وسوف تنسحب القوات الأمريكية من العراق بفعل ضربات المقاومة العراقية رغم اختلال الميزان العسكري بين الطرفين.
والأمر الآخر المؤذي "لاسرائيل" هو أنه رغم التقدم الذي تحرزه في إقامة علاقات مع الحكومات العربية تجارياً ودبلوماسياً وسياسياً، فإنها ما زالت مرفوضة من الجماهير العربية، ولم تستطع أن تحقق تطبيعاً من أي نوع مع مؤسسات المجتمع المدني في الأقطار العربية، ورغم توقيع الاتفاقيات مع مصر والأردن، فلم يحصل تطبيع لأي نوع من العلاقات مع منظمات المجتمع المدني، وخاصة الثقافية، ولا أعتقد أن يحصل تطبيع من هذا النوع مع أي قطر عربي خلال المدى المنظور.
والأمر الثالث والمهم هو المعتقدات الدينية، فهذا المحلل الصهيوني (يهوشفاط هركابي) يقرأ صورة المعادلة بين العرب والصهاينة، ويرى أن العرب أقوى حتى وإن ظهروا ضعفاء لأن قوة "اسرائيل"، كما يقول، "ليست قوة موضوعية، بقدر ما هي انعكاس للضعف لدى العرب" ويتقدم (هركابي) خطوة أجرأ فينتقد الصهيونية بقوله "إنها كانت عبارة عن قيمة مقدسة، وصارت الآن هدفاً لسخرية الشباب".
ومع ذلك فإن أحلام الصهاينة التوسعية تمت صياغتها بشكل آخر، فبدلاً من احتلال الأرض من "النيل إلى الفرات" فإن المهمة العاجلة هي تثبيت حدود "دولة اسرائيل" داخل "الجدار العازل"، ومن ثم دخول الوطن العربي سياسياً واقتصادياً.. وقد تكون هذه المهمة سهلة لأنها ترتبط بالاتفاقات مع الحكومات العربية، ولكن دخول الأقطار العربية ثقافياً فهو المحال، لأن "اسرائيل" لا تملك هوية ثقافية واحدة، والهوية الدينية وحدها لا تشكل هوية ثقافية، إذ أن "المجتمع الاسرائيلي" خليط من القوميات جاء من الغرب والشرق، وكل قومية ما زالت تحتفظ بتراثها الثقافي، ولذلك فأن "الإعلام الاسرائيلي" مطالب أن يلبي حاجات كل قومية على حدة. وعليه فإن ما تقدمه "اسرائيل" هو ثقافة العولمة المرفوضة من قطاعات واسعة من العرب، بل دفعت الشباب العربي إلى ردة فعل مضادة وسلبية على خطاب ثقافة العولمة.
والأمر الرابع والمهم هو أن عمليات الإصلاح والديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي في الأقطار العربية، لا يتوقع أن تخدم المخطط المعروف بـ"الشرق الاوسط الكبير"، بحيث يكون "لاسرائيل" دور مهم فيه، ورغم أن المشروعين "الشرق أوسطي" و"الشراكة الأورو-متوسطية" قد مضى عليهما عشر سنوات، إلا أنهما لم يتقدما خطوة واحدة في أي مجال وخاصة الاقتصادي.
وإذا ما تم تطبيق الديمقراطية من منطلقات وطنية فأن نتائج أية انتخابات تشريعية لن تكون لصالح المشروعين آنفي الذكر، ولن تكون لصالح "اسرائيل"، وكذلك الإصلاح الاقتصادي والثقافي، فإنه لن يصل إلى حد التخلي عن الثوابت المزروعة في ضمائر الشباب العرب.
ومما تقدم فإن الصراع مستمر ودائم، لأن ما قام على الباطل سوف ينهار، كما أن الشعوب الحية مهما أصابها من نكسات وهزائم فأنها قادرة أن تنهض من تحت الرماد وتوقد النفق ليمر المناضلون نحو هدفهم الكبير في التحرير الكامل.