الجاحظ يرتدي عباءة التدويل
سوسن البرغوتي/ناشرة موقع مبدعون عرب
لم يجرؤ أحد على توجيه إصبع واحد من أصابع الاتهام إلى "المعارضة اللبنانية" في سلسلة الاغتيالات التي طالت السياسيين والإعلاميين في لبنان، رغم أن "المعارضة اللبنانية" هي المستفيد الثاني بعد "إسرائيل" في تحقيق مطلب التدويل وإسقاط رئيس الجمهورية اللبناني وتجريد "حزب الله" من أسلحته وإنهاء التواجد الصوري لفصائل المقاومة الفلسطينية، وهو مطلب تسعى المعارضة اللبنانية إليه كهدف معلن، ومن خلال مطالباتها المستمرة بلجان وقضاء ومحاكم أجنبية.
وبعد حادث اغتيال التويني صرح السيد جنبلاط مباشرة وبعد أقل من ثواني على الحادث اتهامه المؤكد إلى سوريا..! فهل هناك من يشرح لنا ويُعلِمنا كيف توصّل السيد جنبلاط إلى هذا الاتهام، وهل هكذا تكال التهم جزافاً، وهل يُسمح لنا أن نقول بأن للسيد جنبلاط مثلاً مصالح مؤكدة من موجة الاغتيالات هذه والتي تعرّضه أيضاً للشبهة..؟
جنبلاط يبدو بعد كل حادث اغتيال، وفوضى في الساحة اللبنانية، أكثر تشدداً في المطالبة باستيراد المزيد من المحققين الدوليين وهو يدرك بأن ذلك نيل واضح من سيادة لبنان ومن هويته العربية، ويعلم بأن ذلك سينتهي بلبنان إلى "التدويل" وهذا بذاته مطلب ملحّ لـ "إسرائيل" وأمريكا ليس للبنان فقط ولكن كوصاية على المنطقة، وهو سلوك استعماري جديد بعد فشل القوات الأمريكية في العراق.
السيد جنبلاط بتصريحاته المتأرجحة والمتذبذبة والمتبدّلة بين لحظة وأخرى والتي تبدو أحياناً وكأنه حمَل وديع ووطني مخلص يرفض النيل من سيادة وإرادة الصمود في سوريا، لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى توريط سوريا في كل شأن وشكل جنائي وبخاصة في وقت يتزامن مع تسليم تقرير ميليس إلى مجلس الأمن.
هذه التصريحات لا تنسجم مع الغيرة الوطنية المصطنعة، بل تكيل التهم جزافاً في وقت لا أعتقد بأن أحداً في النظام السوري يمكن أن يتصرف أو يفكر في التصرف بهذه الطريقة الغبيّة التي ستؤدي بأي شكل وبأي حال إلى تورط واتهام سورية، وهذا ما نسمعه ونراه اليوم.
ولا يمكن بأي حال ولأي سبب أن تقوم أي مجموعة وطنية في سورية أو في لبنان بتفخيخ سيارة الإعلامي جبران التويني مع اقتراب بل في اليوم المقرر لاجتماع مجلس الأمن المتوقّع أن يُصدِر قراراً دولياً لحصار سوريا وتهديدها تهديداً مباشراً من المجتمع الدولي القابع تحت تخدير وسحر البيت الأبيض!، وهي المتضرر الأول من عملية الاغتيال.
تتصاعد الأصوات "المعارضة" التي صافحت مشروع التدويل اللبناني، ومن المتوقع استقالة الرئيس لحود من منصبه الرئاسي، ولكنهم لم ولن يكتفوا، وبعد عملية أخرى تخريبية، سنجد السيد جنبلاط نفسه ينسحب من عهود الصداقة مع "حزب الله"، ليكيل التهم إلى المقاومة الوطنية، وذلك سعياً لتجريدها من أسلحتها.
أما فصائل المقاومة الفلسطينية، فهي مقلمة الأظافر أيضاً، احتراما لوحدة لبنان ولأنها أصبحت شكلية لا أكثر، ولن تقوى حتى على حماية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وربما سنشهد قريباً مذبحة جديدة كالمذابح التي جرت في مخيمات صبرا وشاتيلا والتي لم تهزّ ضمير سادة الديموقراطية ولا ثعالب المعارضة..!، عندها تُرى كيف ستبرر المعارضة والسيد جنبلاط الأمر..؟؟
جنبلاط أيضا وتاريخه القريب متهم بعمليات قتل وتخريب لتحقيق أهداف أعلنها بعد اغتيال الرئيس الحريري مباشرة، فاختراق الأمن اللبناني، يدل على أن هناك جهة متابعة بدقة الوضع اللبناني وبتقنية وحرفية عالية ينفذ خطوات على طريق تدويل لبنان ونزعه من الهوية العربية، كسلسلة في تأسيس أقاليم عربية تتبع الهيمنة الصهيونية.
من يصلب لبنان تحت شعارات مزدوجة يعبث بحريته وباستقلاله الحقيقي، ويدعم مشروع "دولة" صهيونية معترف بها عربياً "من الفرات إلى النيل".
فالحقيقة يجب أن تبدأ بتحقيقات داخل منبر "المعارضة اللبنانية" أولاً، كونها تحقق مطالب تصب في إعادة تشكيل لبنان بظروف تتيح خروجه من دول الطوق، والتي لم يعد لها أي وجود على ساحة الصراع العربي "الإسرائيلي".
إن الإصرار على طلب لجان تحقيق دولية، ومحاكم مسبقة الصنع ومبرمجة لا يعني سوى أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن تحقيق العدل للمواطن اللبناني، وهذا ما تود المعارضة أن ترصده بتكريس الحاجة إلى طلب العون من جهات استخباراتية أمريكية "وإسرائيلية"، وهذا يستهدف مباشرة أمن وسيادة واستقرار لبنان، والمنطقة بكاملها، والأمن العربي، ومن يقوم بهذه العمليات الإجرامية يهدف إلى حقيقة ضرب لبنان وسوريا بحجر واحد.