نعم.. كذابون ومجرمون
السيد زهره/البحرين
في العدد الأخير من مجلة (نيوزويك) الأمريكية الشهيرة (عدد 19 ديسمبر - أيلول) رسم كاريكاتوري معبر حقاً. وزيرة الخارجية الأمريكية رايس تقول: "نحن لا نمارس التعذيب. إننا ضده، إنه ضد ما ندعو إليه". وقبالتها ملقى على الأرض شخص يمثل أوروبا يكاد (يموت ضحكا) ويقول لها: "توقفي. إنك تقتلينني".
الرسم الكاريكاتوري يتعلق كما هو معروف بفضيحة رحلات التعذيب التي أثارت احتجاجات أوروبية، وما قالته رايس أثناء جولتها الأوروبية الأخيرة.. والمعنى واضح. حين قالت رايس إن أمريكا لا تمارس التعذيب اعتبر الأوروبيون وغيرهم هذا الكلام بمثابة النكتة السمجة.. لا أحد أخذ كلامها بأي جدية.
بعبارة أصح تم اعتبار ما قالته من قبيل الكذب الذي تمارسه إدارة بوش ليل نهار بشكل اعتيادي جدا. لهذا حين خرج المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي وعلق على اتهامات صدام حسين بأنه تعرض للضرب والتعذيب على يد الأمريكيين، وقال إن هذه الاتهامات (منافية للعقل والمنطق)، لا أظن أحداً في العالم ولا حتى في داخل أمريكا نفسها استقبل هذا النفي إلا بمثل ما عبر عنه الرسم الكاريكاتوري. أي لا أحد صدقه أو أخذه بجدية، وحين خرج صدام في اليوم التالي، وقال في قاعة المحكمة إن الأمريكيين يكذبون، أظن أن العالم كله صدقه.
فأولاً: السجل الأمريكي فيما يتعلق بالتعذيب والانتهاكات الإجرامية لحقوق المعتقلين منذ ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) بصفة خاصة هو سجل أسود ملطخ بالعار، من أبوغريب.. إلى غوانتنامو.. إلى رحلات التعذيب المتجولة، ارتكبت أمريكا جرائم تعذيب وانتهاكات وإهانات لآدمية المعتقلين هي جرائم حرب تخجل منها البشرية. وهي جرائم أصبحت ثابتة موثقة ليس بشهادات المعتقلين فقط، ولا بالصور والوثائق فقط، ولا بتقارير المنظمات الدولية فقط، وإنما أيضا بشهادات الضباط والجنود الأمريكيين أنفسهم في (أبوغريب) و(غوانتنامو).
وثانيا: إن إدارة بوش هذه لم تترك للعالم ولا للشعب الأمريكي نفسه أي مجال لتصديقها في أي شيء، هذه إدارة احترفت الكذب من أكبر الأمور إلى أصغرها، وبالأخص في كل ما ارتبط بغزو واحتلال العراق.
هذه إدارة، كما قلت سابقاً ارتقت بالكذب إلى مستوى العقيدة والاستراتيجية الرسمية المعتمدة، والكذب هو السبب الجوهري في انقلاب الرأي العام الأمريكي على إدارة بوش ومطالبته بالانسحاب من العراق، فلقد أفاق الشعب الأمريكي على هول ما مارسته هذه الإدارة من خداع وكذب وتضليل.
وثالثاً: صدام حين قال إن الأمريكيين ضربوه وعذبوه لم يلق كلاماً على عواهنه. قدم أدلة محددة. قال: إن آثار الضرب والتعذيب ما زالت على جسده. وقال في اليوم التالي إن ثلاثة طواقم طبية أمريكية بالذات على علم بذلك وأثبتت ذلك.
إذن، إثبات من يكذب في هذه القضية سهل جداً أن تتولى أي جهة مستقلة التحقيق في المسألة وأن يكشف فريق طبي محايد على صدام ويتأكد هل تعرض للتعذيب فعلاً أم لا. ولو كان البيت الأبيض واثقا فعلاً من نفيه لما قاله صدام لكان هو الذي بادر باقتراح التحقيق المستقل في القضية. لكنه بالطبع لا يجرؤ، فهو يكذب ويعلم أنه يكذب. الذي طالب بهذا التحقيق المستقل هو رجل نزيه مثل باولو بيوبياني (رئيس الفرع الإيطالي لمنظمة العفو الدولية) الذي لم يفته أن يسجل أن النفي الأمريكي ليس كافيا (على ضوء تكذيب مماثل لحادث تعذيب السجناء العراقيين في أبوغريب)، الذي طالب به المسؤول الدولي نحن الأولى في العالم العربي بأن نطالب به.
حين يتعرض رئيس عربي إلى الضرب والتعذيب على يد محتل غاصب، هذه إهانة لنا جميعاً، وهي إهانة لكل الحكام العرب بوجه خاص إن كانوا يعلمون. صحيح أنه لا يقلل من شأن العراقيين ولا من شأننا أن تقدم قوة احتلال همجي على جرائم تعذيب وما هو أشنع منها من مذابح. هذه سبة عار على جبينهم هم، لكن حين يقول رئيس عربي أمام العالم إنه تعرض للضرب والتعذيب، فإن كل من يعنيهم الأمر في "العالم" العربي يجب أن يطالبوا في أضعف الإيمان بتحقيق مستقل وبمعاقبة المجرمين الهمج.. تحقيق ليس فيما تعرض له صدام فقط، ولكن في كل جرائم التعذيب التي تعرض لها العراقيون.