ميليس المشبوه
السيد زهره/البحرين
نشرت جريدة "الشرق الأوسط" (17/12/2005) حواراً مع ميليس رئيس لجنة التحقيق في اغتيال الحريري والذي ترك عمله للتو. الذي قاله ميليس في الحوار يثبت فعلاً أنه ليس نزيهاً، وليس فوق مستوى الشبهات. في الحوار، سئل ميليس: هل تعتقدون بشكل قاطع أن سوريا وراء اغتيال الحريري؟. أجاب بحسم: نعم.
بداية، هذا كلام لا يقوله محقق دولي نزيه ومسؤول. التحقيق مازال في بدايته. وكل ما طرحه ميليس نفسه في تقريريه حتى الآن هو مجرد شبهات عامة لا تتضمن اتهامات قاطعة لأحد ولا لجهة. ولو كان التحقيق قد توصل إلى نتيجة حاسمة يطمئن إليها الجميع، ويطمئن إليها حتى الذين يشنون حملة على سوريا ويريدون توريطها، لما كانت هناك حاجة لأن يقرر مجلس الأمن الدولي تمديد عمل لجنة التحقيق لستة أشهر أخرى قابلة للتجديد. فعلى أي أساس إذن، وأتت ميليس الجرأة لأن يقرر بهذا الشكل الحاسم أن سوريا وراء الاغتيال؟. قد يقول البعض أن من حق ميليس أن يعبر عن رأيه أو اجتهاده الشخصي في القضية وخصوصاً أنه لم يعد مسؤولاً عن التحقيق.
لكن هذا لا يصح ولا يجوز، فرغم أنه ترك مسؤوليته عن اللجنة، إلا أن لديه مسؤولية أخلاقية وقانونية أيضاً المفروض أن تحكم ما يقوله ويصرح به. فهو ليس أي شخص من حقه أن يدلي برأي شخصي في القضية في حوار أو مقال، المفروض أن يحترم المقتضيات الأخلاقية والقانونية لسير عملية التحقيق، وحين يصدر ميليس مثل هذا الحكم الجازم حول تورط سوريا، فهو لا يسيء فقط إلى التحقيقات الجارية، ولا يناقض حتى معنى قرار مجلس الأمن بتمديد عمل لجنة التحقيق، ولكنه يكشف عن تورطه هو شخصياً في عملية استهداف سياسي مسبق لسوريا.
ويكشف ما قاله عن انه يريد لمن سيتولى مسؤولية لجنة التحقيق بعده أن يسير على نهجه، ويوحي له بأن التحقيق لا بد أن ينتهي حتماً بالضرورة إلى هذه النتيجة، وليس هذا موقفا نزيها ولا أميناً ولا يليق بقاض أو محقق دولي أو غير دولي.
الأمر الغريب أنه في نفس الحوار سئل ميليس عما ذكره في تقريره من احتمال أن يكون الفساد والتزوير وتبييض الأموال بين الدوافع وراء اغتيال الحريري، ولماذا لم يتمكن من استبعاد هذه الفرضية؟. قال إننا ما زلنا نتحقق من هذه المسألة.. ولا يمكننا تأكيد أو استبعاد أي شيء في هذه المرحلة، والتحقيق ما زال مستمراً، إذا كان التحقيق مازال مستمرا كما قال، ولا يمكن في هذه المرحلة تأكيد أو استبعاد أي شيء، فكيف إذن أمكنه، في هذه المرحلة، استباق نتائج التحقيق، واستبعاد كل شيء إلا تورط سوريا؟!.
إن كان ميليس قد أثبت على هذا النحو عدم نزاهته، فأن المأمول أن يكون من سيتولى مسؤولية لجنة التحقيق بعده أكثر نزاهة وشرفاً بما يليق فعلاً بمحقق دولي يحقق في قضية ستترتب على نتائجها تبعات خطيرة. القضية بشأن هذا التحقيق واضحة.. المفروض أنها واضحة بالنسبة للجميع.
بالنسبة للبنانيين ولنا وللعالم كله، لا أحد يريد سوى الحقيقة، حقيقة الأفراد والجهات التي خططت ونفذت جريمة الاغتيال، حتى الذين يدافعون عن سوريا، لا أظن أن أحداً منهم يريد تبرئتها بدون وجه حق، كل ما في الأمر أن المطلوب هو التوصل إلى الحقيقة بالأدلة والوقائع المؤكدة القاطعة عبر تحقيق تتوفر له معايير النزاهة والحيدة والشرف القانوني ولا تحكمه أي اعتبارات سياسية.
أما إن مضى التحقيق على النحو الذي أداره ميليس وبهذا التحيز وعدم النزاهة، فلسوف يكون هذا عاراً على جبين القانون والعدالة، والأخلاق بالطبع.