أم فضائح الإعلام
السيد زهره/البحرين
من ميزات العصر الذي نعيشه أنه عصر ليس فيه الكثير من الأسرار. بعبارة أدق، لا شيء فيه يبقى سرا إلى الأبد. أنظر فقط إلى سلسلة فضائح إدارة بوش الأمريكية، وخصوصا المرتبطة بغزو واحتلال العراق، والتي تتكشف يوما بعد يوم في مسلسل يبدو بلا نهاية.
إحدى هذه الفضائح التي تكشفت مؤخرا وفجرتها صحيفة (لوس انجلوس تايمز) الأمريكية. فضيحة قيام وزارة الدفاع الأمريكية بإعداد مقالات يكتبها عسكريون أمريكيون تمجد الاحتلال وتهاجم المقاومة وترسم صورة كاذبة عن الأوضاع في العراق، ثم ترجمتها إلى اللغة العربية وتقديمها لصحف عراقية تنشرها على اعتبار أنها لكتاب وصحفيين مستقلين مقابل مبالغ مالية تدفع سراً لهذه الصحف.. هذه العملية تمت من خلال شركة أمريكية اسمها (لينكولن غروب). وبحسب المعلومات التي تكشفت حتى الآن، قامت هذه الشركة بـ"زرع" أكثر من ألف مقال وموضوع من هذا النوع في الصحف العراقية، غير موضوعات ومقالات كثيرة في مواقع الكترونية عراقية.
ما تكشّف من أبعاد الفضيحة حتى الآن، كشف عن سلسلة أخرى من الفضائح المرتبطة بها لم يكن أحد يعرف عنها شيئاً، اتضح مثلاً أن المسألة لا تقتصر على دفع مبالغ سرية للصحف مقابل مقالات وزارة الدفاع الأمريكية هذه، وإنما هناك قائمة من الصحفيين العراقيين يتلقون رواتب شهرية من سلطات الاحتلال، تصل إلى مئات الدولارات في بعض الأحيان، مقابل موضوعات ومقالات يكتبونها بمبادرة منهم تشيد أيضاً بالاحتلال وتجمله وتندد بالمقاومة.. وبحسب المصادر الأمريكية، هؤلاء الصحفيون تم اختيارهم بعناية على اعتبار أن كتاباتهم وتغطياتهم لم تكن معادية لأمريكا والاحتلال.
فضيحة أخرى.. عملية (تجنيد) الصحف والصحفيين هذه تتم عبر ما يسمى (نادي بغداد للصحافة). واكتشفنا أن هذا النادي أنشأه أصلاً ضباط في جيش الاحتلال، وأن أعضاء النادي يتلقون من الاحتلال رواتب شهرية في حدود 200 دولار، وبحسب عدد الموضوعات التي ينشرها العضو، والمساحة التي ينشر بها، وما إذا كان الموضوع مدعماً بصور أم لا.. وهكذا، واتضح أيضاً أن محطات تليفزيونية عراقية تتلقى أموالاً سرية لنفس الغرض، أي في مقابل بث مواد وموضوعات يحددها الاحتلال ويعدها.
المثير للسخرية أن كثيراً من الاعتراضات في أمريكا بعد تكشف هذه الفضائح لم تكن احتجاجا عليها من حيث المبدأ، ولكن لأسباب أخرى. أحد هذه الأسباب مثلاً هو القول أن اكتشاف الفضيحة من شأنه أن يدمر مصداقية أمريكا ودعاواها حول الحرية والديمقراطية في العراق وغير العراق، أي أنه لو بقيت المسألة في طي الكتمان فلا بأس ولا اعتراض.
الأكثر طرافة أن بعض الاعتراضات أثيرت بسبب ضحالة وتفاهة بعض الموضوعات التي يبادر بعض الصحفيين العراقيين بكتابتها بهدف الحصول على المقابل من الاحتلال، وأحد الأمثلة التي تم الاستشهاد بها حالة صحيفة نشرت موضوعاً عنوانه "العراقيون يصرون على الحياة رغم الإرهاب" قيل عنه أنه موضوع تافه بلا معنى ولا مضمون حقيقي، من وجهة نظر الاحتلال، ولهذا لم تمنح الصحيفة في مقابله إلا 50 دولاراً فقط.
طبعا في أعقاب تفجر الفضيحة، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس بوش "منزعج جداً"، وأعلن الكونغرس أنه سيطلب الاستماع إلى مسؤولين من وزارة الدفاع حول القضية.
وكل هذا بلا معنى ومجرد تظاهر بالغضب، فحقيقة الأمر أن هذا الذي فعله الاحتلال مع الإعلام العراقي يندرج في إطار استراتيجية شاملة لوزارة الدفاع الأمريكية لا بد أن كل المسؤولين في أمريكا على علم بها، ولم يفاجئهم الأمر في شيء.
المهم أن الذي فعله الاحتلال مع أجهزة الإعلام العراقية ليس قصراً على العراق، أعني أن هذا ما فعلته أجهزة أمريكية مع صحف ومجلات ومحطات تلفزيون ومواقع الكترونية عربية وصحفيين وكتاباً في هذه الأجهزة الإعلامية.. يدفعون إليهم بمواد إعلامية أمريكية يتم نشرها باعتبارها لكتاب وصحفيين مستقلين.. ويدفعون لصحفيين مقابل خدماتهم الإعلامية وما يكتبونه وينشرونه خدمة لأمريكا. ستتكشف أبعاد هذه الفضيحة الإعلامية العربية حتما في وقت ربما لن يطول، وستكون بلا جدال "أم فضائح" الإعلام العربي. وعلى أي حال، سنعود لاحقا إلى أبعاد هذه القضية تفصيلا.