القضيّةُ والمحاكمة

صبري حجير/كاتب من فلسطين المحتلة مقيم في السويد

بدأت فصول القضيّة منذُ أن استأثرت القوّةُ الأمريكيّة في مصائرَ الأمم والشعوب الضعيفة، وفرضت سيطرتها على المرابع والنوحي والدول والأقاليم بقوة الجيوش، وبقدرة الأدوات التدميرية التي في حوزتها، وأخذت تجيز لنفسها استخدام كلّ وسائل الهيمنة والاستئثار، وممارسة أصناف وألوان القهر والإذلال للشعوب والأنظمة على حدّ سواء.

جبروت الهيمنة والبطش والتدمير يأتي على كلّ مَن يعترض سبيلها، أو يحاول أن يعيقَ خططها وبرامجها.

منذُ أن خمدت نيران الحرب الباردة، وسقط الجناح الآخر في معادلة التوازن الدولي، أتيح المجال، وهُيئت الظروف للقوى الإمبريالية، وشركات الاحتكارات الكبرى كي تشقَ طريقَ السيطرة والاستئثار بالدول العربية والإسلامية.

فأطبقت القوات العسكرية المجهزة بالأسلحة الفتّاكة على أفغانستان ثمّ على العراق، وحصدت الزرعَ والضرعَ، وجاءت على الأخضر واليابس، ونبشت في المخزون التراثي العريق لتمحي آثار الثقافة والحضارة العربية.

قصفت الطائرات والصواريخ الأمريكية رؤوس العراقيين بالقنابل الفسفورية والانشطارية، وجاءت على كينونة الحياة، في أرض الرافدين .

خرجَ من تحت الرماد مَن يطفيء لذّة الهيمنة والسيطرة في عيون الأمريكيين، جاءت المقاومة العراقية تدقّ عنقَ المحتلين، وتضرب رأس المتآمرين والعملاء..

لم تتوقف غطرسة القوة والعنجهية عندَ أشلاء الشعب، بل وصلت إلى عظم الجسد، وحطمت كينونة الشمل الاجتماعي، وأطلقت نزعةَ الطوائف، ورسمت حدود القسمة والتفتت، ورفعت أعلام المذهبية والإثنية والجهوية، بمساندة العملاء والشعوبيين والانشقاقيين والمرتزقة.

منذُ البداية، جاءت المذلّة الأمريكية على الشعب العراقي بصيغه السياسية وخلفيته القومية والإنسانية، فانتهكت المحارم والمساجد، وحطمت القباب والمقابر، ووصل الأمر إلى رأس الدولة الذي أقام في وجههم حصن الممانعة القومي، فأبى أن يُذلّ، لكن الأسر جاءهُ من غيلة الخونة!

من أجلِ إظهار الصورة الديمقراطية المتكسرة، ومن أجل امتصاص نقمة العملاء والشعوبيين وضع الأمريكيون الرئيس العراقي في قفص من حديد! وشاهدَ العالم مسرح الدمى الأمريكي، بكلّ ما فيه من أدوات وشخوص ومفردات وإيماءات تعكس الحالة المتردية للحضارة الأمريكية، فجاءت المحكمة مسرحية بائسة استطاع المتهم فيها أن يكسر تكوينها ويلغي أهدافها، ويعلن للعالم أن المحكمة بدون قضية وبلا موضوع.

إنّ خصوصية هذه المحكمة تتجلى في الاقتراب من القضايا الصغيرة الأقل شأناً من الأسرى أنفسهم، وحيثُ أنها جاءت في ظلّ حالة جديدة تسود العراق اليوم، عراق تنفردُ فيه قوة امبريالية متغطرسة تريد أن تستأثر بثرواته، وتحول شعبه إلى عبيد!

كان الهدف من وراء هذه المحكمة أن يُذلّ المتهم ويجرد من معنوياته وتسلب عنهُ رجولته وشهامته ! لأنّ القضية هي أن يُذلّ الرئيس وفي معصميه الحديد، وأن يساء إليه في قفص الاحتلال، فالقضية بكليتها إذلال الأمة بسيادتها، وإهانة رئيسها وهدر كرامته!

إلاّ أن الأسير أظهر مخزوناً من الكبرياء وعنفواناً من الرجولة والشهامة، فأذلّ الأمريكيين والخونة، قبل أن يذلّ المتآمرين، ويحول مجريات المحاكمة إلى محاكمة المحتل الأمريكي.

كانت فصول المحاكمة تيسير بطيئةً، وعصف الكلمات الواثقة لصدام حسين في وجوه سجانيه.

من قبلُ، حاولوا أن يصيبوا الراحل ياسر عرفات، الذي رابط في أكناف بيت المقدس، وكان في مقر المقاطعة صامداً في وجه بوش وشارون، ولم يرضَ أن تنال منه المذلة، فنال منه السمّ الخبيث، فبات على صفحة الوطن (شهيدا، شهيداً، شهيدا). بكت عليه الأفئدة، وافتقده الفلسطينيون في ليلهم الحالك الطويل.

عزّ الزمانُ على الأمة بأبطالها، عرفات في مثواه مع الشهداء والصديقين، وصدام في أسره، تدمي معصميه أصفادُ الحديد، ولم يبقَ مَن يمانع أو يقاوم أو يحاجج أو يقول: لا!

ولم يتبقَ غير سورية قلعة الممانعة الأخيرة، التي بدأ العرب يحاصروها كما حاصروا العراق قبل الغزوّ.

حتى الجامعة العربية التي كان بعضُ العرب يأملون منها أن تحافظ على قدر من الكرامة العربية طأطأت الرأس، ودخلت إلى مضاجع الحكام!

وتبقى المحاكمة تتواصل، وتحيط برقاب الزعماء العرب.