حول الشركة الفلسطينية للتطوير الاقتصادي ومشروع دفيئات غزة

عمر شعبان/فلسطين المحتلة  

رافق الإعلان عن تأسيس الشركة الفلسطينية للتطوير الاقتصادي، والتي منحت حق إدارة الدفيئات الزراعية في "الأراضي المحررة" في قطاع غزة الكثير من التساؤلات والانتقادات من قبل جهات عديدة. كان آخرها تصريح وزير شؤون الأراضي السيد فريح أبو مدين الذي قال أن السلطة الفلسطينية قد فشلت في إدارة أراضي المناطق المخلاة وأن الشركة التي تم تشكيلها بهدف إدارة الدفيئات الزراعية قد خسرت 12 مليون دولار لغاية الآن وهو ما يمثل ثلث رأس مال المشروع. ومما يجدر ذكره أن مشروع الدفيئات هو أحد مشروعات الشركة الفلسطينية للتطوير الاقتصادي والتي تم تأسيسها من قبل وزير المالية وبرأسمال قدره مائة مليون دولار تعود جميعها لصندوق الاستثمار الفلسطيني. خصص 33 مليون دولار منها لمشروع الدفيئات.

وقد عبر الكثير من الخبراء الفلسطينيين والجمعيات الزراعية اعتراضهم على منهجية تشكيل الشركة و طريقة توظيف طاقمها والمرتبات المرتفعة جدا التي يتقاضونها. كذلك تناول الاعتراض الاتفاق الذي أبرمته الشركة مع مركز التجارة الفلسطيني، والذي يقوم المركز بموجبه بتقديم خدمات استشارية للشركة مقابل نسبة تتراوح بين 4-5% من إجمالي مصروفات المشروع. وتساءل الكثيرون عن الجدوى الكامنة وسلامة القرار باستثمار ملايين الدولارات في زراعة محاصيل غير قابلة للتسويق محليا وقبل حل قضية المعابر وخاصة المعبر التجاري ودون توقيع أي اتفاق مع أي جهة سواء "إسرائيلية" أو دولية لتسويق هذه المنتجات دوليا. وقد أبديت الكثير من الملاحظات المنهجية والإدارية والقانونية حول هذا الموضوع في أكثر من مناسبة و لوزير المالية مباشرة خلال إحدى الندوات التي نظمت في غزة قبل ثلاث شهور. وهنا يجب التأكيد على أن الاعتراض ليس على فكرة استغلال الدفيئات الموجودة في المناطق المخلاة، فهذا منهج يجب تشجيعه، لكن الاعتراض يتمحور حول منهجية تشكيل الشركة وآليات عملها وحجم المخاطرة غير المحسوبة. ولم يعلن عن توافر مرجعية إدارية معينة للشركة تعمل على تنظيم ومراقبة إدارة الشركة وتقنين المصروفات واتخاذ القرارات الصائبة، كذلك لم تعمل الشركة على إشراك المجتمع المحلي في بلورة وصياغة فكرة المشروع. وتفعيل الجمعيات الزراعية وتقويتها من خلال إشراكها في إدارة الدفيئات. وهذا ما أكدته أكثر من 15 جمعية زراعية في بيان نشر قبل أيام قليلة في الصحف المحلية، حيث أكدوا فيه اعتراضهم على منهجية عمل الشركة وطالبوا بإشراكهم في إدارة الشركة بما كان سيعمل على تحقيق الدعم المجتمعي لها، وبما كان سيعطي للمزارعين الصغار فرصة الاستئجار والمزارعة لهذه الدفيئات.

في حين ذهب البعض إلى القول أن الهدف النهائي للشركة، ليس زراعة الدفيئات كما يقال، بل هو السيطرة على 4 كيلو متر مربع من الأراضي الخصبة والمؤهلة. و رأي آخرون أن المشروع يمثل احتكارا جديدا يضاف إلى الاحتكارات السابقة والتي مازالت تفعل فعلها في المجتمع الفلسطيني والتي مثلت أحد أسباب الإفقار الممنهج للمجتمع الفلسطيني. كذلك اعترض آخرون على فلسفة الشركة التي تتعامل مع قطاع غزة على أنه مخزن للأيدي العاملة رخيصة الأجر فقط، وأنه يفتقر للمؤسسات القادرة على إدارة مثل هذه المشروعات، أو للمزارعين القادرين على زراعة محاصيل مخصصة للتصدير. وهذا ما ينقضه الواقع والتجربة حيث تميز قطاع غزة في السنوات الماضية بالقدرة العالية على استخدام أحدث الوسائل والتقنيات في مجال الزراعة وأثبت المزارعون في محافظات غزة مهارات مالية وإدارية وفنية متميزة مكنتهم من زراعة محاصيل تم تصديرها سواء بشكل مباشر أو من خلال شركة التسويق "الاسرائيلية" "أغريسكو". مما أعاد إلى الأذهان، دون قصد وبحسن نية سياسات الاحتلال في الماضي والتي تعاملت مع قطاع غزة على أنه مخزن كبير وثري للعمالة الماهرة، ذات الإنتاجية العالية والرخيصة في نفس الوقت. ومما عزز هذا الشعور الشروط القاسية التي يتم فيها توظيف العمال في مشروع الدفيئات، حيث أثير الكثير من النقد لعملية تشغيل العمال والتأخر في دفع أجورهم.

واستبدال العمال على فترات قصيرة ودون الالتزام بنظام واضح أو معروف للتشغيل، وعدم إعطاء حصة كافية للعمال من المناطق المحررة كالمواصي مثلا مما أثار حفيظة مواطنيها الذين عانوا طويلا من الإغلاق قبل انسحاب القوات المحتلة وكانوا يتوقعوا أن يكافئوا، على الأقل بتشغيلهم عمالا في الدفيئات.

أخيرا وليس آخرا وبمقياس الربح والخسارة والمنهجية العلمية في تخطيط الاستثمار، فليس واضحا ما إذا أخذت الشركة في الحسبان مبدأ "تكلفة الفرصة البديلة" عند حساب توقعاتها المتفائلة جدا لحجم الأرباح أو الإيرادات آخذا في الاعتبار أن المشروع يقوم على حجز مساحة شاسعة من الأراضي الخصبة. ويقصد بتكلفة الفرصة البديلة : حجم الخسارة المتحققة نتيجة لعدم استخدام الأراضي على وجه مختلف. أي ما هي بدائل الاستثمار الممكنة والمفاضلة بينها أخذا في الاعتبار معايير الربح المالي، الاجتماعي، الثقافي والاقتصادي.

إضافة لهذه الانتقادات والاعتراضات والتي أتفق مع معظمها، أود التذكير والاستفسار عن القضايا التالية والتي أرجو أن يتسع صدر وزير المالية المستقيل والقائمين على الشركة لها:

• نشرت جريدة "يديعوت أحرونوت الاسرائيلية" قبل أسبوع أن الفلسطينيين فشلوا في تكرار التجربة الناجحة لمستوطني "غوش قطيف" في زراعة الدفيئات التي تركها مستوطنو "غوش قطيف" حيث أن المزروعات قد أصيبت بأمراض يصبح معها التصدير مستحيلا.

• صرح مدير عام الشركة في 20 أكتوبر وأثناء وجود السيد الرئيس محمود عباس في الولايات المتحدة الأمريكية أن الشحنة الأولى من منتجات الدفيئات سيتم تصديرها في 15 نوفمبر.

• صرح وزير المالية السيد: سلام فياض أثناء زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة لإنهاء اتفاق معبر رفح أن الشحنة الأولى من منتجات الدفيئات سيتم تصديرها في 30 من نوفمبر 2005، حيث قام السيد وزير المالية بإهداء السيدة كوندوليزا رايس هدية من فلفل غزة الحار.

• هل سيتم تصدير الشحنة الاولى من منتجات الدفيئات هذه الأيام!

• هل هناك اتفاق مع أي جهة دولية أو "إسرائيلية" يمكن بموجبه تسويق منتجات الدفيئات، وفي حال وجود مثل هذا الاتفاق، ما هي نصوصه وشروطه ؟

• هل ما كتبته جريدة "يديعوت أحرونوت" صحيحا؟ أتمنى ألا يكون كذلك، أم يأتي ضمن المنافسة الاقتصادية والتشويه السياسي والحرب النفسية كما أكد بعض العاملين في المشروع ! وفي حال كان صحيحا، فمن المسؤول؟ وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها لتجنب حدوث ذلك مرة أخرى؟ ومحاسبة المهملين؟ وهل قامت الشركة بالرد على ما نشرته الصحيفة المذكورة؟

• هلى يمكن للشركة أن تعلن للجمهور الفلسطيني تقريرا ماليا شاملا يتضمن المصروفات التي حدثت في الفترة الماضية؟

أظن أنه ليس من حق الشركة/ وزارة المالية أن يغضبا إذا ما أثار المجتمع الفلسطيني تساؤلات حول هذه القضية. فمثل هذه الأسئلة تبقى شرعية طالما أنها شركة قطاع عام ومملوكة لصندوق الاستثمار الفلسطيني والذي هو يدير أموالا عامة، وتعمل في أراض مملوكة للحكومة والشعب. بالتأكيد لا يمكن تجاهل الانجازات التي تحققت فعلا والمتمثلة في تشغيل عدد كبير من العاطلين عن العمل، إعادة ترميم الدفيئات وزراعتها والحفاظ عليها. بالطبع لدى الشركة ما تقوله حول بعض، أو جميع هذه الانتقادات، لذا فالمطلوب توضيح موقف الشركة بما يقلص من الإشاعات و بما يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني في النهاية. نتمنى على المدير العام الجديد لصندوق الاستثمار الفلسطيني السيد محمد مصطفى الذي عين أخيرا مديرا للصندوق، بدلا من مديره السابق خالد إسلام أن يوضح للجمهور الفلسطيني الصورة كاملة مع تمنياتنا له بالتوفيق في مهمته غير السهلة.