(مرام) وغايات متقاطعة!..

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

في يوم واحد هو الخميس 22/12/2005 شهد العراق أحداثاً متعددة ما بين ما جرى في "المحاكمة"، وما خلفته في الشارع العراقي وبين الزيارتين المباغتتين لبلير رئيس الوزراء البريطاني ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي، والإعلان الصادر عن خمسة وثلاثين كياناً سياسياً عراقياً برفض نتائج الانتخابات التشريعية والمطالبة بإلغائها والتحذير باللجوء إلى العصيان المدني في حال التمسك بالنتائج المعلنة.

التقاطعات ههنا قد تحمل مدلولات متباينة، لا تشترط هذه التقاطعات أن تكون نتاج التقاء في النوايا والمصالح. ذلك أن المديح الأمريكي (للعملية الديمقراطية في العراق) يقابله رفض من مكونات شتى سياسية وإثنية عراقية لنتائج هذه العملية والسير في درب الوفاق الوطني العراقي بات محفوفاً بالمخاطر بما أن هناك فرقاء قد أعلنوا رفضهم المطلق لنتائج الانتخابات التشريعية مؤكدين بطلانها لحدوث ما يقولون انه تزوير وتلاعب.

بل أن الفرقاء الذين التقوا على هذا في اجتماعهم الذي رعاه اياد علاوي والذي نتج عنه كيان اسمه (مرام) أي "التكتل الرافض لنتائج الانتخابات" ربما يضم جملة من المتقاطعات بشقيها الايجابي والسلبي. اللقاء أساسه رفض نتائج الانتخابات وهذا هو الجامع الرئيس للمكونات الخمسة والثلاثين لكن هذا اللقاء يفترق بعد ذلك لأن هذه المكونات كانت في حمأة منافسة شديدة على كراسي البرلمان العراقي المنشود.

وثمة فراق وتباعد بين كثير منها إلى حد التناقض خاصة ما بين قوائم ومكونات لحمتها (طائفية أو مذهبية أو عرقية) في مقابل مكونات لحمتها أيضاً طائفية ومذهبية وعرقية. وإذا كانت زيارة بلير ورامسفيلد المفاجئة قد جاءت مصادفة في اليوم ذاته ما بين البصرة والفلوجة فأن المسؤولين تحدثا عن نية خفض قواتهما الموجودة في العراق بدءا من الربع الأول من العام القادم (2006).

هل كانت الزيارتان بهدف طمأنة العراقيين والبريطانيين والأمريكان أم للاطلاع عن كثب على الصراعات العراقية الناتجة عن الانتخابات، أم أن أهداف الزيارتين متشابكة في كل الأحوال؟! إن ما أعلن عن تخفيض في عديد القوات لا يشكل أهمية حاسمة عراقياً نظراً لأن نسبة التخفيض قد لا تتجاوز الخمسة بالمائة من مجموع القوات، كما أن الإدارة الأمريكية وعبر البنتاغون أعلنت عن زيادة عدد الجنود الأمريكيين الذين يقومون بتدريب القوات العراقية.

أي لا شيء يحدث تغيراً فعلياً في الواقع على الطبيعة، بينما تستمر القوات المحتلة في عملياتها العسكرية التي تحمل عناوين متنوعة غرب العراق بالدرجة الأولى، وتتواصل في الوقت عينه العمليات المتناقضة: عمليات المقاومة الوطنية التي تستهدف جنود الاحتلال، وعمليات "الإرهاب" الموجهة ضد العراقيين "الأبرياء".

وبين هذا الخليط العجيب الغريب فأن المواطن العراقي يبحث عن ذاته وعن وطنه الواحد في قائمة الاهتمامات والمشاغل ولا يعثر عليهما إلا في ذيل القائمة النهائي حيث تسبقهما أولويات أمريكية احتلالية من جهة، وعراقية من المكونات السياسية المنخرطة في العملية السياسية من جهة أخرى.

ومع دخول فصل الشتاء فأن ثمة المعركة الشعبية لمواجهة قرارات لم تخطر للمواطنين العراقيين على بال، تتصل بالتخلص من القلق على الحالة المعاشية بعد الإعلان عن زيادة أسعار المشتقات النفطية بداية العام المقبل، أي بعد أيام، مع رفض الالتزام بالأسعار الجديدة مما يتلاقى آلياً مع التهديدات الصادرة عن (مرام) بإعلان العصيان المدني.

لقاء غير خاضع لمسطرة حكومية من ناحية ويحدث نتيجة وحدة المصالح العامة والخاصة من ناحية ثانية.

السؤال هو هل تتجه الأمور في العراق نحو التصعيد أم التهدئة؟ هناك فاصلة أسبوع واحد فقط تحدد الإجابة المؤكدة على هذا التساؤل، بيد أن اللهجات الخطابية والكلامية من قبل أطراف المعركة السياسية توحي أن جولات من الحوار والمفاوضات يمكن أن توصل المتنافسين إلى حلول وسط، لا بد أن يلعب المحتل دوراً رئيسا فاعلاً فيها. فالشعب في العراق مرهق وينوء ظهره بأثقال الحال بدءاً من الأمن والبطالة ووصولاً إلى بطاقة تموينية متأقزمة وما بينهما البحث عن الوقود والطاقة والماء. الهموم العراقية الشعبية (مركونة على الرف) حتى الآن، لأن الهموم الأخرى الطاغية هي المتجسدة في معركة الوصول إلى (السلطة) مع أن هذه السلطة لن تكون في موقف تحسد عليه لسبب بسيط جداً هو ازدحام المفردات الواجب التعامل معها وحسمها في فترة زمنية محددة، في طليعتها: الاتفاق على جدولة انسحاب قوات الاحتلال، والشروع العملي في رفع الأثقال عن كواهل أبناء الوطن قبل أن يفقد الشارع العراقي ثقته بالمكونات السياسية التي تتسابق نحو السلطة قبل أن تتنافس في خدمة المواطن والوطن.