العراق بين الطموحات المشروعة والأجندة الأمريكية
نواف ابو الهيجاء/ماتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
على حين غرة، ومع إطلالة أعياد الميلاد ورأس السنة، فوجىء العراقيون بقرار رفع أسعار المنتجات النفطية إلى حدود تصل لثلاثة أضعاف أسعارها الراهنة. هذا القرار كان له وقع الصاعقة لجملة من الأسباب في مقدمتها الوضع الاقتصادي المتردي لعامة الشعب، وفقدان الأمن ومعه بالطبع العمل وفرصه المتضائلة وشحة المياه والوقود والطاقة الكهربائية. بل يبدو أن وزير النفط العراقي ذاته قد أصيب بالصدمة نتيجة إعلان القرار، علاوة على خروج التظاهرات الشعبية الرافضة له!.
لقد انطبق المثل الشعبي العراقي على واقع الحال القائل "زيد الغرقان غطة" إن الانتخابات التشريعية العراقية قد جعلت عمر الحكومة قصيرا بصورة آلية، إذ أنها لا بد أن تنتهي مهمتها مع إشهار النتائج، وكانت حركة الحكومة وكأنها تستبق نتائج الانتخابات وتتزامن مع فصل الشتاء والبرد. هذا أمر غريب جداً ويدعو إلى التساؤل: هل حقا أن صدور القرار كان عراقياً أم القرار لم يكن كذلك إلا بالتوقيع؟ ثم أن المبرر المعلن لفرض هذه الأعباء الثقيلة على العراقيين غير مقنع حيث يقال أن هناك حاجة ماسة لتوفير مبلغ 500 مليون دولار لتأهيل القطاع النفطي. الضربة ذات وقت شديد لأن القرار صدر في البلد النفطي الذي يفترض أن يكون فيه الاحتياطي الأول أو الثاني في العالم. كما أنه صدر في ظل توقعات عراقية متفائلة بشأن معالجة الأوضاع الداخلية بعد انتخابات تشريعية شهدت مشاركة واسعة من جميع ألوان الطيف العراقي.
تزامن القرار مع ذروة حملة العلاقات العامة التي يديرها الرئيس الأمريكي جورج بوش وإعلانه رفض الانسحاب من العراق مع إقراره بحقيقة أن هناك المزيد من "التضحيات" التي على الأمريكيين أن يتحملوها. إن ما يجري في هذه الأيام يبدو شديد التعقيد بسبب وجود كم هائل من المتناقضات، إن على صعيد مستقبل العراق أم على صعيد مفهوم الديمقراطية لدى إدارة الرئيس بوش، أم على صعيد فهم "المهمة" التي يكثر الحديث عنها من قبل الرئاسة الأمريكية. فهذه المهمة المتحولة تدعو إلى التساؤل المثبط للهمم والآمال ترى متى تنتهي هذه المهمة؟ وكيف تنتهي؟
ثم إذا كانت أهداف الاحتلال الأمريكي للعراق هي تحرير شعب العراق فلماذا لم يتم انجاز أي تقدم يذكر في عملية إعادة إعمار العراق! ولماذا التركيز فقط على شكليات الهياكل المؤسسية للديمقراطية في ظل واقع الاحتلال؟ وهل "الانتصار" في العراق لا يتم إلا بالمزيد من قرارات إفقار شعب العراق؟ وهل أن مبلغ نصف مليار دولار كبير جدا بحيث يتطلب أن تزداد معاناة 28 مليون إنسان، علما أن الولايات المتحدة وحدها أنفقت أكثر من مائتي مليار دولار في حربها واحتلالها حتى اليوم، كما أن هناك المليارات التي فقدت وأهدرت هباءً منذ الاحتلال ولا أحد يدري أين ذهبت حقا!؟ المشكلة في العراق، إذاً، هي الاحتلال ذاته، لأن العراقيين لا يستطيعون أن يجدوا أو أن يقتنعوا بمبررات الإدارة الأمريكية بشأن "ضرورة البقاء العسكري في العراق" واستمرار الشلل الذي يكبل الرغبات والدعوات الملحة لإعادة بناء وإعمار العراق.
إن العراقيين الذين قدموا عشرات الآلاف من الضحايا والشهداء في عموم محافظاتهم يتساءلون إن كانت هدف "المهمة" هو أن يكون العراق ساحة الصراع الكبرى والوحيدة في المعركة الأمريكية ضد "الإرهاب" علماً أن هذا الإرهاب لم يكن له أي موطىء قدم في وادي الرافدين قبل الاحتلال؟ عليه فان العمليات العسكرية اليومية التي يقوم بها جيش الاحتلال لا تجد ما يبررها سوى مقولة "أنه هذه هي ساحة المواجهة المركزية مع الإرهاب العالمي". الولايات المتحدة تواجه عدوها المفترض على أرض شعب تبعد آلاف الكيلو مترات عن أراضي الولايات المتحدة الأمريكية وبحيث يفقد هذا الشعب حريته وكرامته وسيادة وطنه وأمنه وثرواته، وفي مقدمة ثرواته النفط الذي كان يجب أن يجعل العراق دولة متقدمة اقتصاديا وعلميا واجتماعيا وثقافيا.
الأجندة الأمريكية هي التي تضع المواطنين العراقيين بين مطرقتها وسندان الإرهاب وفقدان الأمن وابسط متطلبات الحياة، وهذه الأجندة ذاتها هي التي أسقطت بنية الدولة العراقية التي كان لها من العمر ثمانية عقود، وهي التي أفقرت شعب العراق، وحرمت العراقيين حقوقهم في الحياة الكريمة في وطن سيد وآمن بل جعلت العراق على شفير الحرب الأهلية والتمزيق، وأغرقت بلاد الرافدين بنهر من الدم هو نزيف لا مبرر له سوى فكرة "المهمة" التي تدوّم في عقل مركز قرار أقوى دولة في العالم.