معاني التوغل الأمريكي شرقاً؟!

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن

بإبرام الإدارة الأمريكية اتفاقية إقامة قواعد عسكرية في رومانيا، وربما مع غيرها أيضا، يتعمق التوغل الأمريكي العسكري في الشرق. أي أن هناك عملية توليف المزيد من الكماشات العسكرية نحو روسيا والصين. الذريعة المعلنة هي الاقتراب أكثر من أفغانستان والعراق. في الوقت عينه يبدو جليا أن الإدارة الأمريكية تسحب جزءا من ظلها المباشر في أوروبا الغربية لحساب التوجه عميقا في أقاصي أوروبا الشرقية لتكون لها قواعد عسكرية ثابتة في عدد من دول الاتحاد السوفيتي السابق، إضافة إلى ما هو قائم حاليا في آسيا الوسطى والشرقية.

هذا التوغل الأمريكي ترافقه حملة علاقات عامة وتحسين أو تجميل صورة الاحتلال العسكري للعراق، وبجهود شخصية يقوم بها الرئيس الأمريكي بوش في الداخل الأمريكي عبر سلسلة من الخطابات في عدد من المدن الأمريكية، تركز فيها الكلمات على جملة من النقاط منها:

- "أن الاحتلال الأمريكي يخلق ديمقراطية في العراق ترسل إشارات واضحة إلى الجوار شرقا ايران وغربا إلى سوريا".

- "أن الاحتلال الأمريكي للعراق يجر الإرهاب غالى الموقع الذي اختارته الولايات المتحدة ليكون ساحة المواجهة الرئيسة في الحرب على الإرهاب" (أي منطقة قتل).

- "أن هناك (استراتيجية للنصر) وضعت من قبل الإدارة الأمريكية ستعجل في هزيمة الإرهاب في العراق وبالتالي ستحقق الحملة مهمتها".

وبالرغم من نشر تفاصيل مخطط "استراتيجية النصر في العراق"، والثرثرة اليومية حول هذا المخطط فان استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة قالت أن أكثر من أربعين بالمئة من الأمريكيين يؤيدون انسحابا فوريا من العراق، وأن نحو ستين بالمئة من الأمريكيين يؤيدون انسحابا واسعاً من العراق نهاية هذا العام.

وضمن منظور الاستراتيجية الكونية الأمريكية بعنوانها الأكبر (أن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أمريكياً) فأن من الضرورة بمكان أن لا تخسر الإدارة الأمريكية مغامرتها الكبرى في العراق، أو في الأقل أن تخرج من العراق مع الاحتفاظ بماء الوجه.

كما أن هناك منافذ لتعويض الوجود العسكري المكثف في العالم، وأن ليس بالحرب والاحتلال، إذ أن القواعد العسكرية المنتشرة في أكثر من ربع دول العالم توفر للولايات المتحدة قدرة على المبادأة العسكرية في أي مكان في العالم وضمن تكتيك (الجزرة والعصى)، لكن كراهية السياسة الأمريكية عالميا ازدادت بدلاً من أن تتآكل، هناك فضائح انتهاكات حقوق الإنسان عموماً وانتهاكات حقوق السجناء بشكل خاص، كما أن فضيحة (أبو غريب) ليست المثلبة الوحيدة وحتى سكوت الدول الأوروبية على فضيحة السجون الأمريكية السرية لا يعني عدم وجودها، ولا يوفر غطاء أخلاقيا لممارسات إدارة المحافظين الجدد في واشنطن.

إن الأزمة أعمق من أن يجري الالتفاف من حولها، أو تجاهلها بتسليط الضياء على سواها من (الانجازات) على طريق تنفيذ الاستراتيجية الكونية، فإخفاقات واشنطن ظاهرة للعيان في المنطقة العربية بإسنادها المستمر لسياسات الكيان الصهيوني العدوانية التوسعية، كما أن العالم كله بات على قناعة اليوم أن احتلال العراق هو الذي سبب انتعاش وانتشار "جرثومة الإرهاب"، كأن الإدارة الأمريكية (نكشت بقوة عش الدبابير).

ومن الواضح أن غموض مفهوم (المهمة) وعدد التحولات التي طرأت عليه وجعلته كالاميبا زادت من توغل الإدارة الأمريكية في المستنقع العراقي، بل جعلت العراقيين يجمعون على ضرورة جدولة انسحاب القوات المحتلة، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الفلسطينية المزيد من الغضب حيال سياسة واشنطن الداعمة لضغوط شارون على الفلسطينيين لدفعهم إلى الاقتتال الداخلي، التوغل الأمريكي شرقا تعميق لكراهية السياسة الأمريكية وخططها العدوانية.