بل هو يوم العار

شوقي مسلماني/كاتب وشاعر من سيدني – استراليا

قيل لفلان خذْ حذرك فإنّ فلاناً يتحيّن خروجك من دارك ويدخل بيتك، أجاب، وهو يتحسّس قفاه جيِّداً: إنّ قفاي سليمة فعمّا تتحدّثون؟!.

وأنا يؤسفني جدّاً ألاّ أجد إلاّ ما سبق مقدّمةً مناسبةً للردّ على "بلّوط عفص" مقالة المدعو صبحي فؤاد (إيلاف - 23 ديسمبر 2005) - أصداء والمنشورة تحت عنوان: "أستراليا ليست بلد التفرقة أو التعصّب".

في المقالة يقول الأستاذ صبحي فؤاد حرفيّاً وبصياغته البدائيّة أنّ "الشعب الأسترالي السمح الكريم الذي عشتُ أنا شخصيّاً وسطهم فلم أجد منهم تعصّباً أو تمييزاً بل وجدتُ منهم المساعدة والحبّ والاحترام والقبول وكلّ خير ومعروف"... ويضيف قائلاً في موضع آخر أنّ وزير الخزينة الأسترالي بيتر كوستيلّو الذي يُعتبر الرجل الثاني في أستراليا بعد رئيس الوزراء الفيدرالي جون هاورد سبق ونصح "هؤلاء الذين يرفضون قيم المجتمع الأسترالي بالرحيل إلى بلد آخر"... ويقول في موضع آخر: "ومن قبل شهدت مدن سيدني اعتداءات جنسيّة وحالات اغتصاب ضدّ بعض الفتيات الأسترال من قبل بعض الشباب اللبناني المتطرّف (المتطرِّف؟)" و... "راح بعض من العاملين في الإعلام العالمي يتّهم أستراليا والشعب الأسترالي بالعنصريّة والتمييز دون أن يكلّفوا خاطرهم بالبحث والتحرّي عن الأسباب التي أدّت إلى وقوع هذا الحادث (ضمناً يتّهم إيلاف الغرّاء بأنّها أيضاً لم تكلِّف خاطرها بالبحث والتحرّي ولذلك فهو يطلب منها: "تصحيح الصورة الغير صحيحة التي تركها نشر خبر المصادمات التي حدثت في جنوب مدينة سيدني في أذهان قرّاء إيلاف")... و"كان آخر اعتداء قاموا به (اللبنانيّون!!!) منذ أسبوع ضد بعض الشباب الأسترالي المتطوِّع لحماية روّاد شاطئ مدينة كرونيلا من الغرق وكان هذا الاعتداء الأخير الذي لم يكن هناك ما يبرّره بمثابة نقطة الغليان التي أدّت إلى حدوث الانفجار في شوارع مدن سيدني". كل ذلك قاله الأستاذ في حيِّز صفحة متمثِّلاً عمل اللّحامين الذين يهوون بسواطيرهم وسكاكينهم على الذبيحة فيقتطعون من لحمها ما يقتطعون ويرمون عشوائيّاً على الطاولة... والحقيقة هي أنّ أستراليا وبفضل المتنوِّرين من أبنائها وكفاحهم الطويل والمرير تخلّت في أوائل السبعينات من القرن الفائت عن سياسة "أستراليا البيضاء" السيّئة السمعة والتي سادتْ قولاً وفعلاً قرابة المائتي عام وجُزِرَ بسببها سكّانُها الأصليّون (الأبوريجنال) وهم شعب من السمر الودعاء المتناغمين مع الأرض والسماء فنّاً ورقصاً وغناءاً... وبسببها تمّ إفناء قبائل تازمانيا عن بكرة أبيهم... واحتضنتْ أستراليا بديلاً سياسة "التعدّديّة الثقافيّة" التي تقوم على مبدأ احترام عادات وتقاليد وقيم الآخر والاعتراف بوجوده كإنسان بغضّ النظر عن دينه ولونه وعرقه وأصله وفصله... عليه كامل الواجبات وله كامل الحقوق... لكن لم يمض وقت طويل وبعد هزيمتها المنكرة حتى رجعتْ قوى الظلام تعمل سرّاً وعلانية من أجل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء... وهكذا تشكّل حزب "أمّة واحدة" في منتصف التسعينات بقيادة مؤسِّسته بولين هانسون المسكونة بالأحقاد على الأبوريجنال عموماً والناجين القلائل منهم خصوصاً وعلى الآسيويين كلّهم برعاية واضحة من المحافظين الجدد في حزب الأحرار الحاكم... وخاض على عجل أوّل انتخابات وحاز على عشرة بالمائة من الناخبين وأوصل إلى البرلمان أكثر من نائب.

استشعر الشرفاء في البلاد قدوم خطر فتوجّهوا بنداء إلى رئيس الوزراء اليميني المحافظ جون هاورد يطالبونه بتقديم اعتذار عن المذابح الكارثيّة التي ارتكبها البيض الإنكليز بحقّ شعب الأبوريجنال... وطبعاً وقع النداء على أذنين مقفلتين.

وجون هاورد هذا هو الوحيد في العالم إلى جانب جورج دبليو بوش طبعاً الذي أيّد "إسرائيل" في بناء جدار الفصل العنصري في فلسطين فيما توني بلير أبدى تحفّظاً!. وهو ذاته الذي رفض الاعتراف بأخطائه تجاه حركة نيلسون مانديلاّ التحرّريّة (ونسميها أخطاء لئلاّ نقول أشياء أخرى قد تخدش الحياء). وهو ذاته الذي خلع عليه الرئيس الأميركي الحالي لقب "شرطي الباسيفيك" (وهو اللقب الذي أحرج قادة وقاعدة حزب الأحرار الفيدرالي الحاكم). وهو ذاته الذي أذلّ وقهر وأهان وحقّر اللاجئين العراقيين والأفغانيين وزجّ بهم في معتقلات صحراويّة ضمن ظروف مخجلة إنسانيّاً استدعت أكثر من مظاهرة عراقيّة تحديداً ضدّه وضدّ سياسته اللاّإنسانيّة وضدّ وزير خارجيّته في حينه "الذئب المفترس" فيليب رادوك (وزير الداخليّة اليوم) الذي هدّدتْه حركات إنسانيّة بأنّها ستقاضيه إذا تواقح بعد وعلّق على صدره شعارات لهذه الحركات. وهو ذاته الذي أخرج اللاجئين عن آدميّتهم واتّهمهم زوراً وبهتاناً وكذباً مفضوحاً بأنّهم يرمون إلى أشداق البحر فلذات أكبادهم ليّاً لذراع أستراليا كي تستقبلهم على أراضيها. وهو ذاته الذي ضحّى بأحد وزرائه (بيتر ريث) تكفيراً عن ذنوبه بهذه القضيّة بالذات ورضي الوزير ريث بأن يكون الضحيّة ونُقِل عنه قوله بعدما ووجه بحقائق أنّه ولِد "وفي رأسه مصنع للشيطان"... وفي حينه قال هاورد أيضاً متسائلاً: "أيرضى أسترالي أن يكون مثل هؤلاء (عراقيّون وأفغان و...) جيراناً له؟".

لا أعرف إذا كان الأستاذ صبحي فؤاد قد عايش ظروف اللاجئين، أو يعرف بهم وبآلامهم أصلاً؟ ولا أعرف إذا كان متزوّجاً ومسلماً وتعرّضت زوجه لإهانة ما من عنصري فقط لأنّها توحي بأنّها مسلمة؟ أو أنّه يجيد اللغة الإنكليزيّة أو يقرأ تقارير كثيرة عن مثل هذه الحوادث الشنيعة المهينة السافلة؟ ولا أعرف إذا كان الأستاذ من عائلة "فؤاد" فعلاً أم هو من عائلة "علي" أو "عمر" واستبدل ذلك بعائلة "فؤاد" تجنّباً لاضطهادٍ ما كما يفعل بعض العرب في أستراليا منذ بضعة سنوات. فأي لفظ يوحي بالإسلام يعرِّض صاحبه لاحتمالات شتّى أقلّها رصد العيون له. لا أعرف إذا كان فؤاد يشاهد التلفزيون الأسترالي أو يسمع الراديو المحلّي وتعليقات المعلّقين منذ أكثر من عشرة سنوات ضدّ العرب والمسلمين والشرق أوسطيين أو المتوسطيين وكلّهم بنظر الغوغاء لبنانيّون على غرار أنّ الآسيويين كلّهم صينيّون؟ لا أعرف إذا كان فؤاد يُحسِن الجمع السياسي ويُحسِن قراءة الخريطة السياسيّة للبلاد أو يعرف شيئاً عن الحركات العنصريّة الناشطة والتي انكشف دورها التنظيمي في استغلال كرنفال كرونيلاّ لتحويله إلى يوم عار في أستراليا يُضاف إلى أيّام عار لم تبدأ بإبادة سكّان أستراليا الأصليين ولم تنته بنصرة أميركا في حربها المجنونة الكارثيّة على فيتنام؟ لا أعرف إذا كان الأستاذ صبحي فؤاد يعرف شيئاً عن تنظيم "أستراليا أوّلاً" النازي بامتياز (في أسماء التنظيمات العنصريّة والنازيّة ثبت).

واعتداد الكاتب بما قاله وزير الخزينة هو بغير محلِّه أيضاً، فهذا الأخير الذي لا يجيد إلاّ نهب الفقراء وإلزامهم بدفع ضرائب أكثر ويثير فتنة محورها إعادة صياغة قوانين العلاقات الصناعيّة وإعطاء صاحب العمل حق صرف العامل كيفيّاً... وزير الخزينة كوستيلّو هذا تعرّض إلى نقد شديد في حينه على تصريحه الموبوء باعتباره تصريح عنصري واضح وفجّ واستعلائي... والقيم هي مصطلح فضفاض كما يعرف القارئ الفهيم... وأنكلو سكسونيّون كُثُر يرفضون القيم الأستراليّة الرأسماليّة المتوحِّشة ومن هؤلاء التروتسكيّون والماويون والشيوعيّون ويساريّون كُثُر... ويرفضون قيم الطبقات البرجوازيّة الفوقيّة وقيماً حياتيّة يعيشها مجتمعهم... فإلى أين يريد كوستيّلو والأخ صبحي ترحيل هؤلاء وهم أحفاد من سبق ربّما إلى استيطان هذه الأرض قبل أكثر من مائتي سنة وبالتالي فهم لا يعرفون لهم بلداً غير أستراليا؟.

وبالنسبة للاغتصاب فليس للجريمة إثنيّة أو هويّة إلاّ في عقول المسحورين المهرِّفين... والاغتصاب قائم في كلّ مجتمع ومُنكَر في كلّ مجتمع أمّا الغريب الغريب أن يغتصب أنكلو سكسوني فتاةً ويُسجَّل ذلك في سجلّ الحوادث العارضة فيما أن يغتصب "شرق أوسطي" فتاةً فيصير ذلك محور لقاءات ومؤتمرات ومقالات وأخبار وأنباء تبدأ ولا تنتهي ويوميّاً لأشهر مقبلة!!.

أَسمِع العزيز صبحي فؤاد بالمحكة التي عُقِدت قبل أسابيع لمقاضاة ثلاثة من البالغين البيض لاغتصاب فتاة؟ قلّما علّق أحد على هذا الاعتداء الدنيء علماً أنّ أحد الثلاثة كما ورد في المحكمة وليعذرني القرّاء على الصراحة قد أدخل أصابع من إحدى يديه في "قفا" الفتاة... وآخر أدخل زجاجة في فرجها... والثلاثة بعدما راحت الفتاة المسكينة تضرب رأسها بحافّة السرير يأساً جذبوها نحو السرير مجدّداً واغتصبوها... هل يعرف فؤاد بماذا قضى القاضي؟... قضى ببراءة الثلاثة لأنّهم "كانوا تحت تأثير الشبق والكحول؟!"... هل احتجّ فؤاد على هذا الحكم الجائر بحقّ الضحيّة (هذا إذا كان سمع بهذه المحكمة أصلاً) مع مَن احتج؟ ولعلْم الأستاذ فؤاد فالثلاثة من أبناء عائلات ميسورة وكبيرهم هو ابن طبيب فريق رياضي على مستوى أستراليا... أقول ذلك لأؤكّد أنّهم ليسوا أبناء فقراء أو عمّال معدمين وليسوا أبناء عرب أو مسلمين أو لبنانيين أو "شرق أوسطيين".

ويعرف القاصي والداني أنّه لو كان المغتصبون من أبناء الأخيرين أو المسلمين عموماً لاهتاجت صحف التابلويد اليمينيّة المحليّة وفي الطليعة منها "الدايلي تلغراف" و"الأستراليان" الشهيرتان ولاهتاجت الأقنية التلفزيونيّة المتصهينة التابعة للرأسمال المتوحِّش ولاهتاجت الإذاعات المسموعة المسعورة ومنها إذاعة 2GB  ولاهتاج مذيعون ممقوتون وبارعون ومنهم "ألن جونز" الذي استغلّ منبره في الإذاعة محرّضاً على ارتكاب يوم الخزي والعار حيث تدافع محتفِلون لمطاردة كل من هو ليس أبيض في الغيتو "الأنكلوسكسوني" كما هو معروف المدعو "كرونيلاّ".

لربّما انطلت علينا لعبة الإعلام العنصري واعتبرنا أنّ حادث الاغتصاب ذاك حادثاً فقط ولكنْ ألا يحقّ لنا ونحن على علم بقضيّة اللبنانيين الثلاث القصّر أصلاً وحوكم أحدهم بالسجن 55 عاماً والثاني 40 عاماً والثالث 23 عاماً مع العلم أنّ جريمتهم لا تقاس بجريمة الثلاثة البيض... ألا يحقّ لنا أن نعقد مقارنةً ونسأل أسئلة؟ (للعلم فقط فقد جرى تخفيض الأحكام على الثلاثة اللبنانيين إلى أكثر من النصف أخيراً مرّتين وهناك دعوى لتخفيضها بعد على اعتبار أن الحكم بحقّهم كان "مبالغاً فيه")... خلال محاكمة اللبنانيين الثلاث قامت حملة "جهاديّة" أو "صليبيّة" ضدّ الشرق أوسطيين على مدى أشهر على اعتبار أنّ "اللبنانيين - الشرق أوسطيين" مجموعات اغتصاب بالتوافق مع النعوت الأخرى منها مثالاً لا حصراً: "عصابات مخدّرات" "عصابات سرقة" "عصابات عنف" "عصابات إرهابيّة" و... "الشرق أوسطيون" منحطّون سلاليّاً "درجة ذكائهم متدنيّة" في سلّم التطوّر البشري و"لا ينتجون ثقافة أو حضارة" على حدّ تعبير مذيع مبتذل قبل أحداث "كرونيلاّ".

والطريف أن الأستاذ فؤاد يطال "إيلاف" الغرّاء بموضوع تصحيح معلوماتها... وما نقلته "إيلاف" من حقيقة الوضع في أستراليا هو واقعاً واحد على مليون وحتى هذا الواحد يستكثره كاتب المقال العجيب... لنسمعْ ما صرّح به موريس يمّا رئيس وزراء ولاية نيو ساوث ويلز التي عاصمتها سيدني أكبر المدن الأستراليّة عشيّة يوم العار في كرونيلاّ ويكاد يُجمِع قادة الأمّة على ما قال: "إنّ ما شهدناه خلال عطلة الأسبوع الفائت كان الوجه البشع للعنصريّة" التي يقول عزيزنا فؤاد أنّه لم يسمع بها في أستراليا!! وأردف يمّا: "إنّهم - العنصريّون - يحاولون الاختباء خلف العلم الأسترالي وهم بالحقيقة ليسوا سوى جبناء".

ونسأل إذا كان فؤاد يعلم حقيقة ما حصل قبل أسبوع من انكشاف العمق العنصري للبعض في البلاد متمثِّلاً ضمن ذروته الراهنة برعاع كرونيلاّ وجوارها... وما حصل هو أنّ متدرّباً قاصراً من أفراد الإنقاذ تشاكس مع قاصرَين "شرق أوسطيين" ونصرَ الأوّل زميلٌ قاصر آخر ونصر "الشرق أوسطيين" زميلان قاصران أيضاً... ولم ينكسر أنف ولا قدم ولا يد... بالمقابل وفي اليوم ذاته قام بالغَين من البيض (يُقال الآن أن لهما زميل ثالث) بطعن مذيع الأخبار في إذاعة2GB  أربع مرّات... والرابعة في القلب (نجا المذيع بأعجوبة)... الحادثة الثانية بالكاد ذّكِرتْ فيما الحادث الأوّل كان هو صندوق البندورا الأسطوري وأجمع اليمينيّون العنصريّون على "حرب" ضدّ "الغرباء" و"الشرق الأوسطيين" وقامت الدنيا ولم تقعد على "الرافضين لقيم المجتمع الأسترالي" وعلى "الإرهابيين" وعلى "المسلمين" وعلى "العرب" في كلّ الوسائل الإعلاميّة الصفراء... وقال أحدهم لمذيع "يجب أن نقتل واحداً منهم" وأجاب المذيع  Good on you "أحسنت - أو الله يعطيك العافية - أو حظّاً سعيداً - أو فعلاً" أو ما شئتم... إنّه الصيف والشتاء تحت سقف واحد... ومعلّق قال "ليذهب المسلمون إلى جوامعهم والهندوس والبوذيون إلى معابدهم (تذكّروا صراع الحضارات) أو إلى أي بلد آخر وليتركوا لنا شاطئ كرونيلاّ خلال عطلة الأسبوع المقبل!"... أَسَمِعَ بالعنصريّة في أستراليا الأستاذ فؤاد؟.

وقيل كما في محاكمة المغتصبين البيض أيضاً: "لقد هاجم أوباش كرونيلا الآخرين وهم تحت تأثير الحرّ والخمر"!!.

أرجو من الأستاذ صبحي فؤاد ذاته أن يراجع معلوماته أو على الأقل أن يقرأ صحيفة أستراليّة أو يشاهد قناة تلفزيونيّة أستراليّة أو يصغي إلى راديو أسترالي أو يختلط بالحياة اليوميّة الأستراليّة... والأخير أضعف المطالب منه... أم أنّه فقط جالس في بيته ويشاهد على الفيديو المسلسلات المكسيكيّة المدبلجة عربيّاً فقط.