العقل والرويّة في محاضرة بيار رفّول
مَن اغتال الحريري ومَنْ نهبَ اللبنانيين؟
شوقي مسلماني/سيدني – استراليا
الندوة التي عقدها أخيراً مسؤول العلاقات الخارجيّة في التيّار العوني بيار رفّول في قاعة الويستيلاّ الكبرى - ليدكمب - سيدني بحضور أكثر من 400 شخص من أبناء الجالية اللبنانيّة ينتمون إلى مختلف التيّارات الحزبيّة التي تشكّل المشهد السياسي والفكري اللبناني وقدّمها عضو التيّار الناشط والشاعر فؤاد نعمان الخوري كانت ندوة رصينة بامتياز لجهة طرح المحاضر الذي ابتعد عن التشنّج وقارب الأحداث التي تعصف بلبنان بكثير من الحصافة والعقل والرويّة منطلقاً وعلى حدّ تعبيره من مبدأ "التوافق بين اللبنانيين" حول المسائل العالقة، وأنّ أحداً لا يستطيع أن يستفرد بلبنان و"يعيش بمفرده فيه"، وأنّ "التطلّع إلى المستقبل" هو حجر الزاوية في صرح الحريّة والديمقراطيّة والمستقبل يساهم في صنعه الجميع.
وإن قُوطِع المحاضر رفّول بالتصفيق أكثر من مرّة فقد كان واضحاً - وبدليل مشاكسة البعض له - أنّه لم يكن يستدرّ التصفيق بقدر ما أراد أن يكون صريحاً وحذراً بصراحته في الوقت ذاته عاكساً بذلك شعوراً عالياً بالمسؤوليّة إتّجاه القضايا التي يتناولها ومعبِّراً أميناً عن نهج التيّار العوني الذي ينتظم في حزب له رؤاه واستراتيجيّته وتكتيكاته وأهدافه البعيدة والقريبة. آخذاً بعين الاعتبار المحيط القطري والعربي والدولي.
وحرِص الأستاذ رفّول الذي هاجر إلى أستراليا (أو هُجِّر) بعد حرب التحرير التي كانت فاشلة عسكريّاً بكلّ المقاييس ورابحة جدّاً سياسيّاً في ما بعد وهذا أثبتته الوقائع التي تجلّت بمهرجان ساحة الشهداء إثر عودة الجنرال عون من منفاه الباريسي إلى بيروت واحتشد فيه حوالي نصف مليون لبناني كما تجلّتْ في الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة الأخيرة إذ ظهر الجنرال عون وتيّاره رقماً صعباً في المعادلة السياسيّة والإجتماعيّة المحليّة... حرِص رفّول أن يقدّم صورة بانوراميّة ذكيّة جدّاً للحياة اليوميّة اللبنانيّة.
رفض رفّول أن تكون تحرّكات المطالبين بتخفيض أسعار المحروقات ومنها المازوت بالتحديد صناعة خارجيّة وأكّد أنّها مطلب شعبي وقد انخرط التيّار العوني في تحقيقه بكلّ قواه رحمةً بالفقراء الذين "يعانون البرد" والغلاء على كافّة الصعد وهم الذين تبلغ نسبتهم "90 بالمائة" كما ذكر فيما "الأغنياء 4 بالمائة ومتوسّطو الحال أو الطبقة الوسطى 6 بالمائة وهذا الحال يناقض ما كان عليه لبنان في السبعينات من القرن الفائت حيث الطبقة الوسطى بلغت نسبتها 70 بالمائة والطبقة الميسورة 6 بالمائة والفقراء 24 بالمائة".
ورفض رفّول أن يكون التيّار العوني تابعاً في تقدير نهجه الداخلي لجهةِ تحديد عمر الناخب وأكّد احترامه للبطريركيّة التي تريد إبقاء الحال الانتخابي على ما هو عليه وقال أنّ التيّار العوني هو تيّار علماني يضم بين صفوفه المسيحيين 79 بالمائة (راهنا) والمسلمين 21 بالمائة (راهناً أيضاً) وافتتح تشكيلته الحزبيّة بأكثر من عشرين ألف عضو فاعل وهذا التشكيل يرى على صواب أن سنّ الانتخاب يجب أن يُخفّض إلى 18 اعتماداً على تجارب أمم متقدِّمة كثيرة وتخفيض سنّ الانتخاب مطلب شبابي قديم كما يعلم كلّ مطّلع على الوضع اللبناني.
ومراراً وتكراراً أكّد الأستاذ رفّول أنّ "لبنان هو لكلّ أبنائه" بمختلف انتماءاتهم وهو بهذا يردّ بما لا لبس فيه على كلّ مشروع يناقض هذا التوجّه وإن لم يتطرّأ (ولم يُسأل) إلى موضوع مدى جديّة التيّار العوني بالذهاب حتى الأخير في موضوع العلمانيّة التي يؤمن بها فيعمل على إلغاء كافّة أشكال الطائفيّة المعشِّشة في الجسم اللبناني من طائفيّة الزواج والأحوال الشخصيّة... إلى طائفيّة الوظائف... إلى طائفيّة أعلى المناصب في الدولة اللبنانيّة ومنها طائفيّة مناصب رئاسة الجمهوريّة ورئاسة مجلس النوّاب ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشيوخ الذي لا يزال حبراً على ورق.
وبخصوص السلاح الفلسطيني شرح رفّول أن "السلطة الفلسطينيّة أكّدت للجانب اللبناني أن الفلسطينيين في لبنان لم يعودوا طرفاً" وتابع رفّول الذي لم يتمسّك بالقرار 194 واعتبره "مهمّة كلّ العرب" (أسلوب لبق للتنصّل) أنّ الحوار لاستنباط نهج خلاّق في التعاطي مع السلاح الفلسطيني على الأراضي اللبنانيّة لا محيد عنه و"لا بديل له" وهو بذلك يقارب الطرح الفلسطيني ذاته وإن جانبَ الموضوعيّة في استنساخ تجارب بعض العرب مع السلاح الفلسطيني وما أرسته ممارسات وظروف عمرها عشرات السنين... والتعاطي مع السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات وخارجها لم يجانب كيفيّة التعاطي مع سلاح المقاومة بيد "حزب الله". (في الجنوب اللبناني تحديداً). قال رفّول أن "لحزب الله" "الفضل الكبير في تحرير جزء من الأراضي اللبنانيّة"... "في الجنوب اللبناني والبقاع الغربي"... "من الإسرائيلي، وتماشياً مع القرار الدولي 1559 ومطالب المجتمع الدولي وتغيّر الحال اللبناني يقتضي الواقع سحب هذا السلاح، ولكن مرّة أخرى... بالتوافق". وإنْ قدّم رفّول (الجزرة) "لحزب الله" بأنّ "لبنان المستقبل هو الضامن له" فقد ألمح إلى (عصا) أن يُتّهم الحزب "بالإرهاب من قبل المجتمع الدولي" (لا نعرف بالمناسبة إذا كان الأستاذ رفّول يقصد أميركا حين يكرِّر عبارة "المجتمع الدولي" وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لم يصارحنا ويذهب إلى موضوعه مباشرةً ويقول أميركا التي نرغب في أن نعتقد أنّ لسانه قد زلّ حين وصفها بأنّها نصيرة "الشعوب المقهورة" ما جعل حتى رفيقه على المنبر وتعقيباً يبتسم لذلك.).
وإذا كان المحاضر قد تردّد قليلاً في إبعاد صفة الإرهاب عن "حزب الله" الذي تعاطى بمسؤوليّة عالية بعد تحرير الجنوب اللبناني افتقدتْ لها فرنسا ذاتها وهي المتحضِّرة في تعاطيها مع الذين تعاونوا مع ألمانيا بعد الحرب العالميّة الثانية فأعدمتْ منهم عشرات الألوف فإنّه سارع للقول أن "حزب الله هو حزب مقاوم وليس حزباً إرهابيّاً". المقبل من الأيّام سيرينا موقف التيّار العوني الأخير في هذه النقطة بالذات.
ولحظ الأستاذ رفّول أن "القرار 1559 لولاه لما كان بالإمكان رفع الوصاية السوريّة عن لبنان". الحقيقة هي أنّ التيّار العوني لم يهادن في هذه المسألة ولكن "لولاه" هذه بحاجة إلى تعليل... والحقيقة هي أنّ الوجود العسكري السوري في لبنان قد انخفض قبل 1559 وخلال فترة وجيزة من حكم الرئيس السوري بشّار الأسد من 60 ألف جندي إلى أقل من 15 ألف جندي... والحقيقة هي أنّ سوريا تلبننت كثيراً (ولا أعتقد أنّ هذا مجدٍ) خلال السنوات القليلة ذاتها لجهة إعادة تشكيل برامجها الاقتصاديّة وتحديث مرافقها المصرفيّة... والحقيقة هي أنّ الاستقلال الناجز يؤخذ ولا يُعطى... والحقيقة هي أنّ شبهة ما في كلّ ما يُعطى... فهل صحيح حقّاً أنّ "لولا 1559 لما أمكن إبعاد العسكري السوري عن لبنان"؟. أكثر من مسؤول في التيار العوني وعلى رأسه الجنرال ميشال عون وفي أكثر من مناسبة أشار إلى مستفيدين من الوجود السوري على الأراضي اللبنانيّة... والمستفيدين إيّاهم اليوم يتصدّرون مجالس التحريض على سوريا. "لولا" هؤلاء أمعنى بعد لعبارة "لولا" 1559...؟
لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وقد تحقّق ما تحقّق على علاّته التي تجدّد النزاع في لبنان... على علاّته التي أودت بحياة الرئيس الحريري ورفاقه ومن بعده بسمير قصير وجورج حاوي... وغيرهما... ولم تنته بمحاولة اغتيال مي شدياق مروراً بالتفجيرات التي استهدفت شدّ عصبيّات ما... وها هو لبنان مشرف على مستقبل غامض... بغضّ النظر عن كلّ ما سبق فيجب الإقرار أن (المجتمع الدولي) أي أميركا ليس جمعيّة خيريّة... ويجب عدم المرور مرور الكرام على تصريح موفاز أنّ إسرائيل ساهمت بصياغة هذا القرار... ويجب الإقرار أن موضوع السلاح في الجنوب اللبناني هو مطلب "إسرائيلي" قديم - جديد وإلى ما شاء الله... وكلّ حكمة التيّار العوني تتجلّى راهناً في عدم التشنّج تعاطياً مع هذا السلاح و"رفض 17 أيّار جديد". وما يؤكّد راهناً أيضاً وأيضاً هذه الحكمة تكرار الأستاذ رفّول أنّ سوريا "التي مررنا معها بظروف صعبة خرجت من لبنان" وأنّ أجهزة لسوريّة "لا تزال تعمل فيه" بدعة، وبالتالي فإن سوريا دولة جارة وشقيقة وأنّ "من يريد أن يقاتلها فليذهب ويقاتلها" أمّا التيّار العوني فيحتكم إلى الحوار والحوار والحوار، من موقع الند للند، من دون المرور، كما أكّد سابقاً غير مسؤول في التيّار، بعنجر أو بعوكر أو بتعبير الأستاذ رفّول "لا نريد استبدال وصاية سوريّة بوصاية أميركيّة".
وبخصوص مزارع شبعا فحبّذا لو يقتنع جميع اللبنانيين أنّها أراض لبنانيّة فيقلع التيّار العوني عمّا لا طائل منه بطلب "إقرار سوري بلبنانيّة المزارع" قبل مطالبة إسرائيل بالانسحاب منها... دأب الجنرال عون على القول بعظمة شعب لبنان وهذا فخر ولكن الفخر أن نترجم هذه العظمة بمواجهة إسرائيل وسوريا بلبنانيّة المزارع لا باستجدائهما كما يفعل البعض للأسف الشديد فيحرف الصراع مع الخارج إلى صراع داخلي مرير يؤذي على طول الخطّ، فالكلام والحبر الذي أُهدِر بين اللبنانيين حول ما إذا مزارع شبعا لبنانيّة أم غير لبنانيّة لو سخِّر في سبيل استرداد المزارع إلى لبنان لقطعنا منذ زمن شوطاً كبيراً على هذا الصعيد.
وبخصوص اغتيال الرئيس الحريري والتحقيق الدولي فقد أدان الأستاذ رفّول في محاضرته الناجحة كلّ استباق لنتائج التحقيق، وأدان "بعض الإعلام اللبناني" الذي يريد بغير وجه حق أن يكون جلاّداً وقاضياً ويستقيل من دوره كناقل للوقائع ومحلِّل لا محرِّض فيها... وبالبال خروج صحف لبنانيّة ببدعة المجرمين الأربعة عشيّة توقيف الجنرالات الأربعة... وفي البال كل من محمّد زهير الصدّيق وهسام هسام، وهما بيضة الميزان في تقرير ميليس (بعد أسبوع فقط من قدومه إلى لبنان وجّه هذا شكراً "لإسرائيل" على تعاونها) إلى هيئة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي وأميركا العظمى... وفي البال الشاهد التافه الثالث - من صيدا - مصطفى سنجر.
قال رفّول: "نريد أن نعرف الحقيقة" وهو مطلب لبناني شامل: مَنْ خطّط ودبّر وقتل الحريري؟. أضاف ما يضيفه التيّار العوني ككل ويتميّز به عن الأطراف اللبنانيّة الأخرى كافّة: "ونريد أن نعرف حقيقة أخرى" لا تقلّ خطورة وهي إلى جيوب مَنْ ذهب القرض الذي يبلغ قدره 44 مليار دولار و"يرزح تحت عبئه 4 مليون لبناني؟.