"كديما" في "هداسا".. الرجل الحزب.. والحزب المجتمع!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

كما فعلها عندما طلّق حزبه "الليكود" الذي أنشأه وتزعمه ثلاثاً، وأنشأ حزبه الجديد "كديما"، شغل رئيس الوزراء "الإسرائيلي" أرييل شارون لأيام الساحة السياسية "الإسرائيلية" والإقليمية والدولية، كاشفاً خلالها عن هشاشة الأولى، عندما نقل إلى مستشفى "هداسا" إثر تعرضه لجلطة دماغية وصفت بالخفيفة.. في فعلته الأولى شبه "الإسرائيليون" ما أقدم عليه بالسونامي السياسي الذي غير شكل الخارطة السياسية "الإسرائيلية"، عندما حصد من على يمينه وعلى يساره العديد من الرموز السياسية الملتحقة بركبه، دافعاً بخروجه المدوي من "الليكود" هذا الحزب إلى حالة هي الأقرب لحالة من شارف على الانقراض، ومرغماً أيضاً "حزب العمل"، حتى بقيادته الجديدة، إلى التهيؤ سلفاً لائتلاف معه، يظل الأشبه كالعادة بالالتحاق به، وذلك بعد فوزه أو فوز حزبه الجديد والمتوقع بقصب السبق في الانتخابات التشريعية المقتربة.. وبنقله إلى "هداسا" في سيارة إسعاف خض بعمق الواقع السياسي "الإسرائيلي" غير الراكد من أقصاه إلى أقصاه. لكن الهزة الارتدادية الشارونية ذات الأثر المفاجئ، أو حتى الصاعق، هي ما تلقاه حزبه الوليد، لدرجة دفعت صحيفة "هآرتس" "الإسرائيلية" إلى القول "بأن جلطة شارون الدماغية الخفيفة قد تسببت بجلطة دماغية غير خفيفة لكديما"، إذ بدا واضحاً أن الارتباك كان ضارباً بين أطناب هذا الحزب المستجد، وإن القلق على المستقبل السياسي قد غشى أغلب أعضائه إثر مفاجأة احتمال غياب الرجل صاحب "حزب الرجل الواحد"، كما تصفه صحيفة أخرى هي "يدعوت احرونوت"... لماذا؟!

تجيب الصحيفة بقولٍ يتفق معها عليه المراقبون ومعهم أيضاً جل "الإسرائيليين"، وهو، لأن "شارون قد ترك بيته السياسي "الليكود"، وأقام "كديما"، وهو يسحب على ظهره الكثيرين من هذه الكتلة، ويجر منضمين جدداً على فرض أنه، وهو فقط، سيكون العلامة التجارية التي تجلب وابل المقاعد" في انتخابات "الكنيست" القادم... بلغة أخرى، كان شارون هو "كديما"، أي أن الرجل كان هو الحزب، ومن دون هذا الرجل أو في غيابه ليس من السهل استمرار مثل هذا الحزب، وهذا ناجم عن كونه، أي الحزب، لا يعدو ما وصفته به "هآرتس" في مقال آخر: "حركة على صورة "كديما" هي حلم القائد الوردي، قائمة ليست حزباً، هي بعد من دون مراكز (لجنة مركزية)، مضخمة وفاسدة كما حدث في "الليكود". شبه ملك وشبه رئيس شارون، هو الذي يحدد من الذي سيخوض المنافسة الانتخابية معه، وفي أي مكان يوضع. هو الذي يوزع المهام ويحدد من الذي سيضع الخطوط الأساسية القائمة. أيال أراد وصف شارون ببن غوريون العصر الحديث، ما سيقول أنه سيفعله يحدث. وإذا فاز في الانتخابات في 28 مارس (آذار) القادم فسيكون أول سياسي بعد بن غوريون ينتخب لهذا المنصب ثلاث مرات متتالية مع نفس الصلاحيات والتفويض الداخلي والدولي"!. وإذا كان هذا هو حال "كديما" الذي هو رهين صحة من أوجده، فإن حال الساحة السياسية "الإسرائيلية" لم تكن أحسن حالاً، ولعل عبارة ذات مغزى قالها الزعيم الجديد "لحزب العمل" عمير بيرتس معلقاً على الحدث قد تلخص ذلك، قال بيريتس: "ما يهمني هو صحة المجتمع الإسرائيلي"! ما قاله بيرتس في أحد وجوهه إنما يؤشر على ما غدا شبه إجماع عكسته صحيفة "يدعوت احرونوت" عندما قالت: أبرز إدخال شارون إلى المستشفى حقيقة مقلقة هي أنه في الساحة السياسية "الإسرائيلية" لم ينشأ له وريث طبيعي. وبتعبير آخر لا يوجد مرشح مقبول باستثناء شارون لقيادة الدولة ومعالجة المشاكل المعقدة التي تقف أمامها".على أية حال، لم يطل مكوث شارون في المستشفى.. وحيث بلغه هناك أن غريمه الليكودي السابق نتنياهو يقول بعد فوزه بزعامة "الليكود": "إنها بداية عودة الليكود إلى السلطة".. ومسارعة نائبه في رئاسة الوزراء إيهود اولمرت، الذي ترأس اجتماعاً لـ"كديما" في غيابه، إلى طمأنة مريديه على مستقبل الشارونية قائلاً: "الذين سيصوتون لشارون سيحصلون على شارون"... بعث شارون بدوره من مشفاه برسالته إلى الجميع: "هناك أناس مهتمون بالفعل بإيجاد بديل، ربما كان ذلك سابق لأوانه. لا زلت هنا أليس كذلك؟!"..

وحيث لا زال هنا، وسيعود إلى مواصلة مهامه بنشاط كما قال يوم خروجه من المستشفى، قالت بعض الاستطلاعات أن حظوظه الانتخابية أو حظوظ حزبه "كديما" المتوقعة قد ازدادت ثلاثة مقاعد إضافية بسبب من تعاطف جماهيري معه إثر تعرضه للجلطة... والأهم أن هذه الاستطلاعات قد أعطت "كديما" بزعامة شارون 42 مقعداً، والعمل 22 مقعداً، وثلاثة عشر مقعداً لليكود بزعامة نتنياهو، لكن الاستطلاعات قالت أيضاً: إن "كديما" بدون شارون لن تزيد حظوظه عن 26 مقعداً في حين أن العمل ستزداد هذه الحظوظ لديه لتبلغ الثلاثين، أما "الليكود" فأعطته الاستطلاعات في هذه الحالة 16 مقعداً... إذن نحن هنا أمام شارون الظاهرة السياسية التي اختصرت في شخصها حزباً، والحزب الذي جمعه من على يمينه ويساره اختصر أو كاد، وهو يحصد الأعضاء من على يمينه ويساره، مجتمعاً بكامله.. بلغة أخرى، إن الشارونية أثبتت إنها تعبير دقيق عن مجتمعها الصهيوني العنصري الاستعماري، الأمر الذي دفع أيال أراد وكثيرين إلى تشبيه شارون بـ"المؤسس ديفيد بن غوريون". بل إن بن غوريون نفسه الذي شُبّه به،عندما خرج على حزبه وأسس حزباً جديداً، أي سبق شارون إلى ما فعله مؤخراً، لم يتبعه في حينها سوى ثلاثة أعضاء "كنيست"، وانتهت حياته السياسية، كما هو معروف، معتزلاً في مستعمرة نائية في النقب، لتنتهي حياته من بعد بانفجار في الدماغ... أي أن التلميذ النجيب اليوم فاق أستاذه بالأمس. بيد أن صحة شارون أو وضعه الصحي، سيوضع من اليوم فصاعداً على جدول أعمال المعركة الانتخابية، أو كما تقول "هآرتس": "إن حزباً ودولة بأكملها سيكونان معتمدان في السنوات القريبة على شخصية ودماغ وجسم يهودي ثقيل الوزن يبلغ من العمر 78 عاماً مع تاريخ من الجلطة الدماغية"! لكن هل مثل هذا الأمر غريب على الحياة السياسية "الإسرائيلية"؟ يقول تاريخ هذه الحياة إنها ربما واحدة مما يجمع بين ما سُطّر في سجل أغلب القادة "الإسرائيليين" الصحية منذ بن غوريون "المؤسس" وحتى شارون الراهن: ايغال آلون أصيب بنوبة قلبية، وغولدا مائير وليفي أشكول أصيبا بالسرطان، ومناحيم بيغين بجلطة دماغية، ومات وهو يعاني من نوبات من الهوس الاكتئابي، وجميعهم باستثناء شارون قد أخفوا عللهم أو حاولوا إخفاءها وهم في السلطة... ثم أن إحصائية أخرى تقول:

إن 53% فقط من المصوّتين المحتملين لصالح "كديما" في الانتخابات يميلون للتصويت لأن أرييل شارون يقوده، لكن 47% يعتزمون التصويت لهذا الحزب لأسباب أخرى، أي أن قوة هذا الحزب لا تعتمد فحسب على زعامة شارون، وإنما على الشارونية كتوجه وأسلوب وممارسة لقهر العرب...

ألم يقل نائبه في رئاسة الحكومة أولمرت، كما أشرنا، تلك العبارة ذات المغزى: "الذين سيصوتون لشارون سيحصلون على شارون"؟!!...إن هذا ما تدل عليه بورصة تلك الأسماء التي طفت على سطح التداول لخلافته إثر نقله لمستشفى "هداسا"، حيث ثم التركيز أولاً على الموسادية التاريخ تسيفي ليفني منها، يتلوها مهوّد القدس ايهود اولمرت السابق ذكره، ثم الجنرال الدموي شاؤول موفاز، ورئيس الـ"شاباك" السابق آفي ديختر ثم آخرون... وكانت ليفني هي الأكثر حظاً وفق ما ذكرته الاستطلاعات..

إذن الشارونية، بشارون أو من دونه، غدت مدرسة صهيونية، لها وله من الشعبية بين "الإسرائيليين" ما يجعله يفوق أستاذه المؤسس ديفيد بن غوريون. وهي تتغذى وتترسخ وتنتشي في مجتمع استعماري ينحو بطبيعته إلى مزيد من التطرف والدموية، مستفيداً من ظروف إقليمية ودولية ولا أنسب... كشفت عن بؤس الأولى وتواطؤ الثانية ردود الأفعال المنشغلة بالجلطة الشارونية الخفيفة و"الإسرائيلية" غير الخفيفة.. وهي ظروف حدت، مثلاً، برئيس الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" زئيفي أو فركش للحديث عن "وحدتين جغرافيتين مستقلتين" في قطاع غزة والضفة الغربية، دعاهما على التوالي حماسستان وفتحستان.. هذا فلسطينياً، أما عربياً، فلا أدل من توسط بعض العرب بين "الإسرائيليين" والسلطة لإيجاد مخرج لمأزق الانتخابات التشريعية الذي اقترب بعد تأجيل سابق، وذلك بعدما قرر الكونغرس الأميركي، بعد مجلس النواب، عدم السماح لـ"حماس" بخوضها، ومن ثم أنذر منسق الأمن والعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا باسم الاتحاد بقطع المال الأوروبي بعدما عزّ العربي عن السلطة إن هي أقدمت على مثل هذا التهاون الديمقراطي مع فصائل المقاومة فسمحت لحماس بخوضها..

والأهم أن لا ننسى أن "إسرائيل" بشارون أو من دونه ستظل شارونية بفضل امتداداتها العميقة الروابط الأيدلوجية قبل السياسية وبعد المصلحية مع المحافظين الجدد الأمريكان، الذين يقول ممثلهم في البيت الأبيض الرئيس جورج بوش الابن لمعارضي حروبه "الاستباقية" والمشفقين من تداعيات ورطته العراقية على مستقبل سيادة بلادهم على العالم: لقد سمعت معارضتكم لكن "ليس أمام بلادنا سوى خيارين: النصر أو الهزيمة"... وحيث نضع في حسباننا هذا، يجب ألا نهمل من جهة أخرى العلاقة شبه العضوية التاريخية بين المركز في واشنطن والطرف في تل أبيب، بغض النظر عمن يحكم فيهما، والذي عبر عنه مؤخراً شاهد من أهله، وهذا الشاهد هو صحيفة "هآرتس" التي وصفت هذه العلاقة على الوجه التالي: "الاستقلالية الظاهرية "الإسرائيلية" تشبه استقلالية المحمية الهندية الأميركية القديمة، بعض الحرية في إدارة شؤونها الذاتية حتى حدود المحمية".. إذن الشارونية دخلت مع حزبها إلى "هداسا"، فخشي عمير بيرتس على صحة مجتمعه الاستعماري.. لكن البوشية ظلت وتظل غرفة الإنعاش الجاهزة أبداً للعدوانية الشارونية.. بوجود شارون أو من دونه!