كوندوليزا رايس... وإعادة خلق العالم!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

يرسم الإعلام عادة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية صورة أكثر نعومة عند الحديث عن جوارح الإدارة الأميركية. لاسيما عندما يحاول البعض تتبع ما يبدو من التمايزات الشكلية في حدة مواقف رموز هذه الإدارة. ومع أنها توصف بأنها الأقرب من سيد البيت الأبيض لجهة حماستها لتنفيذ سياساته والتقيد التام بها وهي تدير السياسة الخارجية للدولة الأعظم في هذه المرحلة التي يمر بها عالمنا، إلا إنها لا توضع غالباً في سلة واحدة مع عصبة المحافظين الجدد، بل، وعلى سبيل المثال، يحتفظ لها بمسافة ما أبعد من أشهرهم وزير الحرب دونالد رامسفيلد أو سائر مجموعة البنتاغون المعروفة... لعل هذا الكلام يعد تفاصيلاً ليست ذي بال أو هي قد لا تعني شيئاً إذا ما كنا في معرض استقراء الخطوط العريضة لسياسات دولة عظمى، بل العظمى الوحيدة، المستفردة راهناً بقرار العالم. وهي تفاصيل لا تؤثر إجمالاً في المجرى العام لهذه السياسات... هذه السياسات التي لا يمكن فصلها بدورها، مهما بلغت من السطوة من حيث تعابيرها، عن مجرى آخر هو السيرورة الإمبراطورية المحتومة لأية قوة عظمى تبلغ أوج قوتها الكونية، حيث لا بد وأن يلوح لها لا محالة، وهي في هذا الأوج تطل على العالم من قمة جبروتها، سفوح انحدار لا بد لها وأن تسلكها نزولاً بعد بلوغها نهاية مدى صعودها شاءت أم أبت، الأمر الذي حكم تاريخياً أقدار كل ما سبقها من إمبراطوريات شهدها تاريخ البشرية...

كوندوليزا رايس في مقال نشر لها مؤخراً في (الواشنطن بوست) عبّرت بوضوح عن السطوة، لكنها وهذه من طبائع الإمبراطوريات، ومنطق من ينطق باسمها، لم تبدو وهي في أوج الإحساس بنشوة هذه السطوة في وارد إدراك تلك السيرورة، أو الالتفات إلى جدلية العلاقة التي تربط بين هاتين المتلازمتين اللتين أشرنا إليهما. لكنها عبرت وبشكل لا لبس فيه عن الخطوط العريضة للسياسات الأميركية الكونية التي لا يختلف عليها جوهرياً لا المحافظين الجدد ولا القدماء ولا من سيأتي بعد، والتي هي ليست محل إجماع رموز الإدارة الراهنة فحسب بل لعلها سوف تكون إياها بالنسبة لأي إدارة قادمة إلى البيت الأبيض، بغض النظر عن خلفيتها الجمهورية أو الديمقراطية... إنها ببساطة سياسة روح وسيرورة الإمبراطورية التي لا انفكاك منها والتي هي من لزوم لزومياتها... ما هو أهم ما طرحته الوزيرة الأنعم بين جوارح الإدارة الأميركية في مقالها المشار إليه؟!

في إشارة ذات مغزى قالت رايس للأميركيين والعالم:

"علقت صورة لدين اتشيستون في مكتبي... أما لماذا فعلت، فلأنه، كما قالت، سبق وأن جلس اتشيستون في المكتب نفسه قبل نحو نصف قرن من الزمن عندما سعت أميركا إلى إعادة خلق العالم في إعقاب الحرب العالمية الثانية"...

إذن الوزيرة وعلى خط سلفها تتهيأ منذ أول يوم تسلمت فيه منصبها للإسهام من خلال موقعها هذا في المهمة التي نذرت الإدارة الأميركية الراهنة نفسها إليها، في هذه الحقبة من الزمن، أي إعادة صياغة العالم وفق طبيعة التصور الإمبراطوري للقوة الأعظم، أو إعادة خلق العالم وفق تعبيرها... كان اتشيستون وزيراً للخارجية إبان بدء مرحلة تشكل إمبراطورية الانتصار في الحرب الكونية الثانية، أما كوندوليزا رايس فهي وزيرة خارجية القطب الكوني الأوحد راهناً... الأول أسهم في صياغة عالم ما بعد تلك الحرب وفق المعادلات الكونية التي أعقبتها، والثانية تريد تشكيل عالم يبدو في ظل التفرد الأميركي الحالي أشبه ما يكون بإقطاعية أميركية تريد كوندوليزا رايس إدارتها من مكتبها وهي تستلهم خطى سلفها الذي تعلق صورته في هذه المكتب.

أما كيف تكون سمة هذه الإدارة، فذلك يتضح من قولها:

تقر طريقتنا في إدارة الدولة بأنه جرى قلب قرون من الخبرة والممارسة الدوليتين خلال الأعوام ال15 الماضية.

أما ما هي مسوغات قلب ذلك، فتوضحها فيما يلي:

"استند نظام الدولة الحديثة، منذ خلق قبل 350 عاماً مضت، دائماً إلى مفهوم السيادة، كان مفترضاً أن الدول هي الفواعل الدولية الأساسية، وأن كل دولة قادرة على التعامل مع التهديدات التي تبرز من أراضيها وإنها راغبة في ذلك، أما اليوم فقد رأينا أن هذه الافتراضات لم تعد تصح"!

إذن هنا إعلان عن عولمة للسطوة وتأبين إمبراطوري لمفهوم سيادة الدول، سبقه، كما هو معروف، الخروج المدوي على ما كان يدعى الإجماع الدولي عند غزو العراق، وتجاوز فج لما كان يعرف بالشرعية الدولية، واستخفاف لاحق ومستمر بمواثيقها وعهودها، كان قد تجلى بعضه، على سبيل المثال، في رفض التوقيع على معاهدة كيوتو أو الإقرار بصلاحية المحكمة الجنائية الدولية، أو اشتراط إلزامها بعدم مد حاكميتها لتشمل الأميركيين... لكن مع استثناء دائم، وهو الاستخدام الانتقائي لكل ما سبق من هذه المضامين عند الحاجة وفي سياق خدمة المصالح الأميركية فحسب، أو ما اصطلح على وصفه بالكيل بمكيالين... والتعامل الراهن مع هيئة الأمم المتحدة عبر المندوب الأميركي السامي فيها جون بولتون وكإنما هي مجرد إدارة ملحقة بوزارة الخارجية الأميركية، أو أداة طيعة لشرعنة السياسات الاستباقية الأميركية، خير دليل على ذلك.

لكن لعل الجديد يكمن في أن كوندوليزا رايس، في مقالها هذا، تضم إلى قائمة ما يعرف بالدول المارقة، أو تلك التي ضمتها أو قد تضمها مستقبلاً قائمة ما أطلق عليه رئيسها "دول محور الشر"، أو من تشملها مقولة من ليسوا معنا فهم ضدنا، صنفاً جديداً من الدول الخطرة تطلق عليها الدول العاجزة إذ تقول:

"لا تعتبر ظاهرة الدول العاجزة والضعيفة جديدة، لكن الخطر الذي تشكله الآن لا نظير له... تخدم الدول الضعيفة والعاجزة كطريق عالمي يسهّل انتشار الأوبئة والحركات الإجرامية والإرهابية والأسلحة الأكثر خطورة في العالم"!

لعل هذا المنطق يفسّر لنا جزءاً من دوافع نشر المعتقلات السرية الأميركية بعيداً عن القوانين ومن وراء ظهر العدالة الدولية والأميركية في طول العالم وعرضه، وتحليق السجون الطائرة أو طائرات الاعتقال المجنح في أجواء العالم، مستخدمةً مطارات الدول ربما بإذن أو بدونه أو بتواطؤ أو تجاهل من أغلبها، حيث لم يحظ الحلفاء الأوروبيون، وهم الأكثر تشدقاً بحقوق الإنسان، على تفسير مقنع ارتجوه من الوزيرة المجتهدة في محاولتها إعادة صياغة العالم، عندما جالت في القارة الأوروبية، لهذه الفضيحة التي كشفت نفاق الأوروبيين وأحرجتهم أمام شعوبهم...

...وماذا عنا نحن العرب؟ أو ما الذي خصتنا به هذه الوزيرة الأميركية في مسيرة إعادة خلق عالمها المنشود؟!

طبعاً، أولاً وقبل كل شيء، لم يعد، ومنذ أمد في المنطق الأميركي والغربي إجمالاً مكاناً في هذا العالم المراد خلقه لما كانت تدعوه الأمم المتحدة حركات التحرر أو مقاومة الاحتلال المشروعة، وذلك هنا في حكم المحسوم منذ أن طغى على هذه المفاهيم وأزاحها جانباً مفهوم الإرهاب المراد له أن يبقى الملتبس والممنوع من التعريف، كما ليس في الوارد أيضاً مراجعة كافة خطايا الغرب التي شهدها العالم. أما التفسير الوحيد لعداء الشعوب، وخصوصاً العرب والمسلمين، للبلطجة الأميركية، واستطراد لمظاهرة الهيمنة الغربية المتعددة الجوانب، السياسية والاقتصادية والثقافية، والوحشية "الإسرائيلية" المستظلة بتلك البلطجة وتلك الهيمنة، فهو عند رايس لا يعدو ما يلي:

"يوفر (عجز الحرية) في الشرق الأوسط أرضاً خصبة لنمو أيدولوجية من الكره، وحشية وقاسية إلى حد أنها تقود إناساً إلى ربط قنابل انتحارية بأجسادهم وقيادة طائرات داخل أبنية"!

وعليه، وجدت كوندوليزا رايس جواباً على السؤال الأميركي العتيد: لماذا يكرهوننا؟!

لقد كان الجواب الشافي الوافي عندها هو: "لأنهم رجال أشرار لهم أهدافاً عدوانية عنيفة لا أكثر ولا أقل"!

...والأهم، أنها تتبنى النظرية المعروف بأنه أكثر الزعماء "الإسرائيليين" غباءً، ونعني الوزير السابق شارانسكي، عندما تقول:

"الأمل بأن عجز الحرية، سيصلح نفسه مع الوقت، وهما خادعاً، أي لا بد من إصلاح من لا يقوى على إصلاح نفسه، وعليه، ومع اعترافها بأن الديمقراطية لا تفرض إلا إنها تقول: تعتبر طريقة إدارة شؤون الدولة، المدعوة أميركياً لتطبيقها في عالم اليوم، طموحة، بل حتى ثورية، ولكنها ليست حمقاء"!

لتخلص إلى تعداد ميزات تطبيق هذه السياسة الثورية الأميركية في الوطن العربي، مثلاً، فتوردها على الوجه التالي:

"سلطة فلسطينية يديرها زعيم منتخب يدعو علناً للسلام مع "إسرائيل"، مصر عدلت دستورها لإجراء انتخابات متعددة الأحزاب. الكويت حيث النساء مواطنات يتمتعن بحقوق المواطنة كاملة. وبالطبع عراق أجرى، برغم أنه يواجه تمرداً مرعباً، انتخابات تاريخية"...

بلغة أخرى، تفضلت رايس فأتحفتنا بأمثلة عربية قد يقال فيها وحولها الكثير، رأت فيها منجزات تدل على وفير حصاد سياسات بلادها الرامية إلى ما دعته إعادة خلق العالم... ولعلها تقصد خنق العالم!!!

رايس، نست وهي ترفع صورة سلفها اتشيستون أنه كان يحتل ذات المكتب إبان حقبة صعود قوة عظمى منتصرة كان يمثلها حيث ينظر جزء من العالم في حينه، والأوروبيين تحديداً، لها بأنها قد خلصتهم أو كان لها إسهام رئيسي في تخليصهم من "الخطر النازي"... لكنها تجلس اليوم في ذات المكتب وإدارتها تغوص في أوحال الورطة العراقية... وبعض الأوروبيين أنفسهم، قبل سواهم في العالم، يتظاهرون رافعين صوراً ويافطات تشبّه رئيسها بأدولف هتلر..!