الامتحان الصعب الذي كشف الأقنعة؟؟؟
عباس المعلم – لبنان
استطاع "حزب الله" عبر مواقفه الأخيرة خصوصا تلك المتعلقة بتعليق مشاركته في الحكومة، بعد أن شعر انه يتعرض لعملية مخادعة يقوم بها عدد من الافرقاء المشاركين في الحكومة، أي يصرحون شيء ويفعلون شيء آخر، والأكثر من ذلك كان هناك جهات تنام وتصحوا على الحديث عن دعم المقاومة ورفض 1559 وضرورة حماية هذه المقاومة حتى شعر الكثيرون أن هذا الفريق المتحمس للمقاومة بدا مزايدا على المقاومة نفسها .
لكن القدر شاء أن تحصل أحداث كبيرة على الساحة اللبنانية، مما عجل في كشف بعض الأقنعة التي سرعان ما أطلت واستغلت الأحداث لتطلق عدة مواقف كان أبرزها تدويل الأمن في لبنان، وقد تجرأ وزير على فرض شروط على الحكومة بمنطق الإكراه والتهديد، والمؤسف في هذا الخصوص أن تخضع حكومة ممثلة بعدد من الافرقاء السياسيين لشروط وزير معروف عنه هذه الأيام انه يعيش في فضاء منعزل لا يرى ولا يسمع، في الوقت التي تتجاوز به هذه الحكومة موقف فريق يمثل فعليا ثلث البلد وله كتلة نيابية لا يستهان بها ويمثل احد اكبر طوائف لبنان، وتسقط منطق التوافق لصالح منطق الأكثرية المزيفة، مع العلم أن "حزب الله" أسهم فعليا في إنشاء هذه الأكثرية وأعطاها ما يقارب الخمسة عشر نائبا ما كانوا ليحلموا بقبة المجلس النيابي لولا "حزب الله".
لا بأس، تجاوز "حزب الله" و"حركة أمل" هذه التعقيدات، وأعلنوا استعدادهم للعودة إلى الحكومة شرط التعامل معهم على أساس الشراكة في القرار وخصوصا القرارات المصيرية، وكان المطلب الآخر لهذا الفريق هو أن يصدر عن الحكومة اللبنانية موقف يعلن أن 1559 نفذ ولا يوجد ميلشيات في لبنان بل يوجد مقاومة، ولم يكن "حزب الله" يضع هذه الشروط من باب وضع العراقيل، بل استند إلى ما عبرت عنه أغلبية الافرقاء المتواجدين في الحكومة وهذا ما اتفق عليه مسبقا مع ما يسمى بالتحالف الرباعي، والحقيقة إن "حزب الله" لا يحتاج إلى هذا القرار الحكومي لحماية المقاومة، والسبب أن "حزب الله" نجح بإفشال القرار 1559 منذ أشهر وجعله قرار شكلياً لا يحتوي على أي مضمون أو آلية، لكن الحزب ومعه حليفه الأول الرئيس نبيه بري قرارا أن يدخلوا بعض الافرقاء في ما يسمى بالامتحان الصعب وصدقية النوايا، أي أرادا كشف الازدواجية كي لا يقع بعد أشهر قليلة في فخ أن الأكثرية الوزارية ارتأت مثلا أن تنفذ 1559 لأسباب خارجة عن إرادتها بسبب متطلبات دولية لا يتحمل لبنان مواجهتها.
في الجهة المقابلة برزت أيضا عدة مواقف مشبوهة طاولت المقاومة وشككت في خلفيتها الوطنية، والمستغرب أنها صدرت عن أطراف يشهد التاريخ اللبناني لها دورها في الحرب الأهلية القذرة وفي تحويل مؤسسات الدولة ومقدراتها إلى مزارع خاصة بهم، فمنهم من هو مسؤول بشكل مباشر عن وصول البلاد إلى حالة التوتر التي يعيشها، حيث أسهم في شكل رئيسي في إشاعة جو توتر سياسي عام في البلاد أدى إلى تسلل أيادي قذرة لتقدم على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واستمر في هذا التصرفات التي تعبر عن جنوح كبير يتبناه سببه الانقلاب وتبدل المواقف بين لحظة وأخرى، ومعروف عنه أنه كان أيضا من أبرز الشوائب في العلاقة اللبنانية – السورية وهو اليوم من أوصل هذه العلاقة إلى هذه الحالة المتردية، جراء تصريحاته ومواقفه السياسية الغريبة العجيبة التي استهدفتها وحولتها من منطق الإخوة إلى منطق العداء. ولا يخفى على أحد أنه يعرقل أي مسعى يساهم في تخفيف التوتر في العلاقة مع سورية، وكان له دورا هاما في إحباط نتائج زيارة الرئيس السنيورة إلى دمشق، وأيضا موقفه السلبي من التطور الايجابي الذي تجلى في اجتماع الوزير الشرع مع الرئيس السنيورة، حيث فتح النار بشكل مفاجىء وغير مبرر على سوريا ووصل به الحد للتعرض إلى شخص الرئيس السوري، ويأتي اليوم ليصل بجنوحه إلى التطاول على المقاومة في سابقة لم يسبق لها مثيل متجاهلا أن هذه المقاومة قدمت آلاف الشهداء دفاعا عن سيادة واستقلال لبنان، وهو اليوم يمثل رأس هرم السياديين الجدد بزعامة "فيلتمان وايميه"؟ وربما نسي أيضا أن سيد هذه المقاومة قدم فلذة كبده نجله الأكبر على مذبح الشهادة من أجل حماية لبنان ولم يرسله إلى باريس كما يفعل سائر الزعماء السياسيين بل أرسله إلى ساحة المواجهة مع العدو الذي اغتصب وانتهك أرض الوطن؟؟ ولعل برودة الطقس التي يعيشها جعلته ينسى حجمه الطبيعي ويتجاهل ان المقاومة ساهمت بشكل كبير في إعطائه قوة سياسية نتجت عن الانتخابات النيابية؟؟ "وإذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا"..
وربما لبرودة الطقس دورا فاعلا على أطراف أخرى تقبع في مناطق عالية عن سطح البحر، أشعرها هذا الارتفاع أنها تستطيع أيضا أن تنتقد المقاومة، وتتبجح بالكلام عن الدستور وضرورة التقيد به متناسية أن الدستور له وجهان الأول دستوري والثاني وفاقي حسب ما نص اتفاق الطائف، فربما الارتفاع الزائد عن الأرض جعلها تنسى أنها مزقت الدستور وروحه ومزقت الوطن وسيادته عبر دورها في الحرب المشؤومة حيث أعلنت جهارا أنها تسعى إلى تقسيم الوطن إلى فيدراليات وتحالفات مع عدو لبنان، أين كان موقع الدستور آنذاك الذي انتهك أبشع الانتهاكات، وربما هذا الارتفاع الذي يعيشه أنساه واقع الشارع وأن كتلته النيابية نتجت جراء الالتحاق بافرقاء آخرين، وليس عبر حيثية شعبية يمثلها؟؟ ونسأل أيضا كيف يتحدثون عن حماية الدستور في الوقت الذي تبث به قواعدهم الحزبية سموم التحريض والفتنة عبر نشرات تعرضت للتاريخ اللبناني وهويته وانتمائه إلى الوطن الذي يقدسه الدستور (رحم الله امرء عرف حده فوقف عنده)!!
نعم وبكل صراحة لا يحق لهؤلاء مهما علا شأنهم أن يتطاولوا على مقاومة وجهت سلاحها نحو العدو ولم تستخدمه في حروب الداخل البشعة، ولم تستعمله كوسيلة لتسرق وتهدر مال الدولة، بل جندته لحماية سيادة واستقلال وحرية الوطن من العدوان الصهيوني، وحصنت دستور الوطن بدماء شهادئها، ولم تبخل يوما عن تقديم التضحيات الجسام من اجل الحفاظ على السلم الأهلي، ويشهد لها بذلك في أحداث 13 أيلول وأحداث حي السلم وأحداث الشياح – عين الرمانة، حيث استبدلت القوى الأمنية خراطيم المياه والهراوات بالرصاص الحي الذي أطلقته على المتظاهرين العزل، هذه المقاومة لم تتملق يوما لأي نظام أو جماعة على عكس الذين كانوا يتملقون للنظام السوري ثم انقلبوا عليه عندما تعارضت مصالحهم الذاتية معه.
صدق العماد عون عندما وصف كلام السيد نصر الله في "ذكرى التحرير"، عن أن الحزب سيقطع أي يد تمتد إلى سلاح المقاومة، إن كلام السيد نصر الله موجه إلى أقرب حلفائه وليس لأي طرف آخر، اليوم نجد أن موقف السيد ووصف الجنرال في محلهم، وصدق المثل القائل (اتق شر من أحسنت إليه).