انسحاب "اسرائيلي" من المزارع وفق القرار 425
مقابل تنفيذ 1559 وإنهاء خط الرابع من حزيران؟؟
عباس المعلم – لبنان
تتجه الأنظار اليوم بشكل لافت على قضية مزارع شبعا، وما لهذه القضية من أهمية على كافة الأصعدة، وقد بدأ النقاش حول هذه المزارع بطرح ترسيم الحدود مع سوريا وجاء هذا الطرح من الداخل اللبناني مدعوما بغطاء دولي، فبعد المواجهات العسكرية التي جرت مؤخرا في المزارع، بدأت دوائر غربية متعددة طرح هذه المسألة عبر نقاشات واجتماعات أفضت إلى تبني سياسة موحدة حول هذه القضية، عبر أجندة تتعلق بإيجاد مخرجا دوليا لهذه القضية، في الجانب الآخر تقف "اسرائيل" مراقبة لهذه الطروحات الدولية الجديدة، فهي تعتبر مزارع شبعا ضرورية لأمنها وحدودها وحاولت منذ الثمانينات ترغيب وتهديد أهالي المزارع اللبنانيين عبر دفع الأموال لهم ثمن أراضيهم أو طردهم من المزارع، وتعتبر "اسرائيل" هذه القضية هامة لأمنها الاستراتيجي ولن تتخلى عنها بسهولة رغم علمها بلبنانيتها مئة في المئة.
وفيما خص ملكية هذه المزارع وتمسك "اسرائيل" بها نبرز عدة وقائع عن هذه القضية، تتخذ أرض هذه المزارع شكل لسان وتبدأ من ثاني أعلى قمة في جبل الشيخ وهي قمة الزلفا التي ترتفع عن سطح البحر حوالي (2669م) وتنتهي عند النخيلة و"مغر شبعا" وهي مزرعة غالبية سكانها يحملون الجنسية اللبنانية وتمتد المزارع على طول السفح الجنوبي الغربي لجبل الشيخ وعلى طول الطرف الشرقي لمنطقة العرقوب على مساحة تزيد عن مئة كلم2 وبطول يبلغ 25 كلم.
وشكلت هذه المزارع قبل احتلالها منطقة سكن لألف ومئتي عائلة لبنانية، المزارع الرئيسية عددها 15 لكن العدد الكامل يصل إلى 100 مزرعة، والمزارع المتعارف عليها هي " رمتا، البيدر، مغر شبعا، قفوة، زبدين، بسطرة التي استحدثها الأهالي خارج أسلاك شائكة عام 1967، وحسب السجلات العقارية والقرارات الإدارية فأن العائلات المالكة للمزارع يتجاوز عددها السبعين عائلة، كما يوجد فيها وقفية للأوقاف الإسلامية والكنيسة الأرثوذكسية.
أما فيما خص تسمية هذه المزارع أنها سورية، فهو ناتج عن إهمال الدولة اللبنانية لها خصوصا بعد عام 1967، وقد تعاملت الدولة مع المزارع كأنها خارج السيادة اللبنانية عبر إهمال الطرق والمياه والمدارس، وعندما تم ترسيم الحدود عام 1923 فانه لم يشمل المزارع باعتبار أنها تقع في الجهة الشرقية بين لبنان وسوريا أي ضمن خط الانتداب الفرنسي وبالتالي لم تشمل اتفاقية "بوليه ينوكومب" التي رسمت حدودا بين خط الانتدابين الفرنسي والانكليزي (بين لبنان وفلسطين، وسوريا وفلسطين) لكن تم استدراك الأمر في الأربعينات وتكرس ذلك في اتفاقية الهدنة عام 1949، وحصل الخلل في هذه المسألة من جانب الدولة اللبنانية ولم تعترف بها بحجة أن لبنان غير مشارك في حرب عام 1967 بمحاولة منها للابتعاد عن مواجهة مع "اسرائيل" آنذاك.
وما يؤكد أيضا لبنانية هذه المزارع رواية موثقة حصلت عام 1952 عندما أقدم المدعو (عبد الله ذيب صعب) على قتل أخويه الاثنين، الجريمة وقعت في مزرعة (قفوة) وعلى الفور حضرت فرقة الدرك اللبناني وألقت القبض على القاتل وجرت محاكمته في صيدا واعدم القاتل في ساحة البرج، وعن الخرائط الرسمية لهذه المزارع فهي كانت موجودة لدى السلطات اللبنانية حتى عام 1982، وقد استولت "اسرائيل" عليها أثناء اجتياحها للبنان عام 82 عندما دخلت إلى وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة وكان يقود هذا الهجوم في ذلك الحين "وزير الدفاع الاسرائيلي" ارييل شارون، وهناك أيضاً تثبيت لهذه الخرائط يندرج بشكل واضح في خريطة لبنان الرئيسية ومساحته المعترف بها دوليا 1452 كلم وهذه المساحة لا تكتمل إلا بمزارع شبعا والقرى السبع التي تحتلها "اسرائيل".
ويعود سبب تمسك "اسرائيل" بهذه المزارع لعدة أسباب أهمها أن هذه المزارع تعتبر مرصدا استراتيجيا "لاسرائيل" وهي تقيم أهم المراصد العسكرية على أرض هذه المزارع وأبرزها مرصد، الشحار، ويبعد كيلو متر واحد عن شبعا، ومرصد ملحافة، مرصد الفوار، في أعلى قمة " الزلفا " وهو يقع في منطقة جبلية وسطية بين لبنان وسوريا ويعتبر من أهم المراصد العسكرية في "منطقة الشرق الأوسط"، والسبب الآخر يتعلق بجغرافية المزارع الاستراتيجية، فهي تشرف على جبل عامل والجليل الأعلى والجزء الجنوبي من سلسلة جبال لبنان الغربية وهضبة الجولان السوري المحتل وحوران وحولة، فضلا عن أنها تكشف البحر بالعين المجردة، والسبب الأهم يتعلق بامتلاك هذه المزارع مصدر مائي ضخم لمعظم روافد نهر الأردن (بانياس اللدان، الوزاني) ويجري نهر الحاصباني في ناحيتها الجنوبية وتتخزن في باطنها كميات كبيرة من المياه المتولدة من ثلوج جبل الشيخ الهائلة.
لذلك فأن "اسرائيل" سترفض مسبقا أي مبادرة دولية بشأن هذه المزارع رغم أنها متأكدة من لبنانية المزارع، إما الهدف الرئيسي للمبادرة الدولية، يرتكز على ضرورة إقامة ترسيم حدود بين لبنان وسوريا وسينتج عنه تأكيد رسمي لملكية لبنانية المزارع، وعليه ستتخذ هذه الأطراف سياسة معينة في هذا الخصوص تأتي عبر إصدار قرار دولي يصدر عن مجلس الأمن يفرض على لبنان تطبيق القرار 1559 خصوصا البند المتعلق بنزع سلاح " حزب الله " كشرط مسبق لاستكمال تنفيذ القرار 425 القاضي بانسحاب "اسرائيل" عن الأراضي اللبنانية، وحتى الآن ترفض "اسرائيل" بالمطلق هذه المبادرة فهي لا تريد الانسحاب من هذه المزارع كانت سورية أو لبنانية.
لكن ثمة من يحاول أن يقنع "اسرائيل" بهذه المبادرة، لأنها ستخدم مصلحة "أمن اسرائيل" لأنها ستقضي على خطر "حزب الله" وتنزع عنه ذريعة الحفاظ على سلاحه حتى إقامة تسوية شاملة في المنطقة حسب وصف هذه الاطراف، مما يؤكد ان هذه الدوائر الغربية والدولية ستعمل ما بوسعها لنزع سلاح "حزب الله" حتى لو اضطرت أن تفرض على "اسرائيل" الانسحاب من مزارع شبعا، لأنها تعتبر أن إنهاء الصراع اللبناني مع "اسرائيل" سيعجل بفرض تسوية تخدم مصلحة "اسرائيل" على حساب الفلسطينيين والسوريين.
ويمكن أن تصل هذه التسوية في ظل هذا الشحن والضغط الدولي على سوريا إلى فرض تسوية على مبدأ "الأمن مقابل السلام" و"ليس الأرض مقابل السلام"، ومن شأن هذه التسوية أن تلغي المطلب السوري المتمسك بخط الرابع من حزيران لعام 1967، من هنا تتضح النوايا المبيتة لهذه الأطراف الدولية خصوصا الأمريكية التي تسعى إلى الحفاظ على "أمن اسرائيل" وتوسعها، والتي تسعى إلى استخدام ورقة مزارع شبعا اللبنانية عامل ضغط على سورية من أجل فرض الاملاءات "الاسرائيلية" عليها، وربما هذا ما تخشاه سوريا من قضية طرح ترسيم الحدود في هذا التوقيت، قبل الكلام عن أية تسوية أو مفاوضات من اجل الانسحاب "الاسرائيلي" عن الأراضي السورية المحتلة عام 1967.....