يكاد المريب يقول: خذوني..!!

محمد ح. الحاج – سورية

كان أمراً متوقعا، ومنسجماً مع تسلسل الأحداث أن تتوجه أصابع الاتهام نحو سوريا في كل ما يحصل على أرض لبنان، خصوصاً وأن العملية كبيرة، بل هي جريمة إرهابية بكل المقاييس والمواصفات، ولو أن الأصابع توجهت قبل الآن إلى المصدر الحقيقي للخطر، أو نحو المتهم الحقيقي، لربما كان توقف المخطط، أو تغيرت بعض السيناريوهات على الأقل.

قبل عملية اغتيال المرحوم الحريري صدر عن دوائر في الغرب تحذير يشير إلى خطر يتهدد حياة الحريري وجنبلاط، كانت نبوءة..!! لكنها نبوءة من نوع حديث كمثل القول أن أمريكا ستضرب إيران، أو سوريا، إنها نبوءة بمثابة إعلان لواقع التخطيط ونتيجة حتمية له، كذلك كان اغتيال الحريري، فأصحاب النبوءة كانوا الأدرى بالمخطط، ولو كان غيرهم، لكان جديراً به أن يؤجل عمليته، أو يتراجع عنها.

بعد اغتيال المرحوم سمير قصير قلت وفي أكثر من موقع أن دم سمير القصير دفعة على الحساب..!! لكنني لم أكن أعرف إلا حساباً واحداً يصب في الصندوق الصهيوني، كان سمير على خلاف فكري، وله موقفه من العلاقة الشامية اللبنانية، لكن تصفيته ما كانت لتحل مشاكل الشام أو تخفف من وطأة الهجوم الخارجي عليها، وكانت الشام تدرك هذا الأمر،... ربما كانت حدة مواقفه تجاه الشام هي عناصر دعم الحكم الصادر بتصفيته، ليس خدمة للشام، ولا بيد من يدافع عن الشام بل، وبعد دراسة وتحليل مسبقين، لخدمة مخطط التأليب ضد الشام وتقديم جرعة جديدة من خمرة تذهب بعقول العقلاء، مزيجها الدم والتحريض.

اغتيال جورج حاوي كان شبه خطأ في التقدير للأجهزة التي اتخذت قرار تصفيته، وأيضاً كدفعة على الحساب، صحيح أن المرحوم جورج حاوي كان حليفاً سابقاً، ونصيراً، بل وشريكاً في المقاومة ضد العدو الصهيوني، (شراكة لا تغتفرها الصهيونية أبداً)، لكنه اختلف مع الشام، مع البعض في الشام، ولم تشكل مواقفه خطورة لا على الشام، ولا على شعب الشام، لكنهم قتلوه، جرعة جديدة اقتنع بتقدير نتائجها المضللة بعض الشعب اللبناني المفجوع بكثرة المصائب، ولم يتساءل أحدهم بجدية وتعقل : هل يمكن للشام أن تقدم على أعمال بمثل هذا الطيش وهي تحت المجهر..؟

قلت في معرض مقال سابق...، أخشى أن يصبح مجرد رأي أي مسؤول أو صحافي أو حزبي لبناني متناقض مع الشام هو مبرر تصفيته لمجرد إلصاق التهمة وزيادة التحريض والشحن الشعبي والدولي ضد سوريا، وأصبح التندر بالقول: أن سوريا هي سبب فركشة عنزة في جرد لبنان وكسر رجلها..!!.

من يستمع في طول البلاد العربية، وحتى خارجها لتصريحات بعض المسؤولين اللبنانيين والاتهامات التي يطلقونها عن تورط سوريا بكل العمليات التي تحصل على ساحة لبنان، يعتقد أن الاستخبارات السورية تسرح وتمرح على هواها رغم خروجها، وخروج حتى، غالبية العمال العاديين، وينسى الجميع أن استخبارات العالم بأجمعه تتواجد على الأرض اللبنانية سواحاً وتجاراً ورجال أعمال، وأصحاب شركات وهمية، والكثير ممن يحملون الجنسية اللبنانية والذين تلقوا التدريب على أيدي "الموساد" والاستخبارات المركزية،... ولا يغيب عن ساحة لبنان إلا المخابرات السورية التي لا يمكن لأي من ساسة هذا البلد المنقلبون على أنفسهم أن يتوازن في بهلوانيته عندما يتهم هذه الاستخبارات ويجعل منها أسطورة في التخطيط والتنفيذ دون أن يتمكن أحد من كشفها حتى ولا الاستخبارات المركزية، وفي آن معاً يتم الادعاء بأنها (في منتهى الإهمال والغباء) وأنها تركت وراءها أدلة تتراوح بين الوثائق أو الحقائب المشبوهة والتي يبرز منها أسلاك كهربائية، وأين؟.... على الحدود...!!!

ما من ضحية لبنانية إلا وتلقى كماً من التحذيرات والتهديدات، الاستخبارات الصهيونية، والأمريكية تلجأ إلى التنفيذ دون تنبيه أو تلميح أو تهديد، وحدها المخابرات العربية تفعل ذلك، وهنا تعجز الاستخبارات الصهيونية وحتى الأمريكية عن إيجاد عملاء لها يتقنون كل اللهجات العربية لإطلاق التهديدات ضد هذا المسئول أو ذاك وبالمصادفة لا تقوم إلا الأجهزة الصهيونية بتسجيل مثل هذه المكالمات....!!!، وبالتالي نقل هذه التهديدات إلى الصحافة والإعلام، ليأت دور التنفيذ ولكن في اللحظة المناسبة، لحظة الغفلة، وفي المكان غير المتوقع، لكن الاتهام جاهز، كل الأقواس مشدودة باتجاه الشام، والسهام مسمومة... ( إسرائيل بريئة...!!)) وهكذا يستمر المخطط بتضليل مطلق ودون عرقلة، بينما تستمر العقول... عقول الغالبية في رحلة الإجازة المفتوحة.

المواطن العادي في الشام يقف عاجزاً عن تفسير هذا السيل الجائر من الاتهامات بحق بلده، عداك عما يلحق ببعض الفقراء والمساكين ممن لا يزالون على أرض لبنان من تحقير وأذى، ويتساءل الجميع: إذا كانت أجهزة بلدنا من يفعل ذلك، وبعد كل هذه العمليات التي تجاوزت (دزينة) فأين مجرد خيط أو دليل، أو موقوف أو مشبوه بعيداً عن الفبركة...؟ أين كاميرات التصوير والمراقبة..؟ أين أجهزة حماية المستهدفين المهَدَدين..؟؟ بل أين أجهزة أمن وليد بك، وهو الوحيد الذي أقام أجهزة أمنه على غرار أجهزة تربى بين أحضانها، وتثقف بثقافتها، وتناول وجبات العصافير المشوية على الفحم في استراحاتها، وهو "حكماً " الأدرى بأساليبها وأسماء الكثير من مندوبيها ومخبريها على مقلبه بالذات، أما وأنه انقلب، فلم يعد هناك ما يخشاه من كشف الحقيقة،.. وهو حتى الآن لم يقدم أكثر من الجعجعة.

في لقاء قبل أربع وعشرين ساعة مع الكاتب والمحلل الأستاذ نبيه البرجي، قال: قد يتبادر لأحدكم أن يسألني هل قطعت جبال البيرينيه لأصل إلى هنا..؟ وسأجيب بنعم..! ولم يكن ذلك خروجاً على المألوف في رمزية الأستاذ نبيه وأسلوبه في الكتابة، وربما لسنا بعيدين عن مشقة تجاوز جبال لبنان وصولاً إلى الشام، كما كانت البيرينيه في سالف الزمان..! ومع ذلك فقد أجمع الحضور على تحميله رسالة لكل اللبنانيين، مفادها: أننا لا نستطيع ولا يمكن لنا أن نتخلى كشعب عن أهلنا في لبنان، أو أن نكره أحداً منهم، خاصة وأن أغلبنا، بل أغلب أبناء لبنان يرتبطون بقرابات وروابط عائلية مع جهات كثيرة في الشام بدءاً من جبل العرب جنوباً، وصولاً إلى القامشلي شمالاً، وهناك أسماء لمئات العائلات المشطورة بين الشام وجبل لبنان، فكيف ينجح التضليل في تفريقنا، وفي حين خاطب الحضور- محاضراً : أيتها الصديقات، أيها الأصدقاء اعترضه أكثر من طرف وقال : يمكن لمحاضر أجنبي أن يخاطبنا هكذا، أما أنت فلا، نحن هنا أخواتك وإخوتك، ولما سألناه عن نظرته إلى المستقبل بعد تقرير ميليس..؟ قال: الوضع خطير، والمخطط كبير، والمستقبل....!!! والله أعلم... الله يجيرنا، أنا لا أعلم ماذا ينتظرني بعد عودتي إلى لبنان، ولا كم قائمة سوداء ستتضمن اسمي..! - لم يكن يعلم أن الضحية الجديدة واحد من زملاء القلم، وابن رفيق من رفقائنا.

لم أتفق في يوم من الأيام مع رأي للمرحوم جبران تويني، ولم أشعر برغبة في الكتابة إلى صحيفته التي كان يرأس، إغراقه في لبنانيته يقابله تشديد على سوريتي وسورية كل من في بلاد الشام، وأننا أمة واحدة ذات حضارة مشتركة، وجذور راسخة، وذكرت أن والده كان واحد من رفقاء معتقدنا وعقيدتنا، ولي به معرفة، وقد دخلت مكتبه كثيراً قبل أكثر من أربعين سنة يوم كانت النهار في آخر سوق الإفرنج – باب ادريس -، ومع ذلك فقد كنت على استعداد للقتال في سبيل الحفاظ على حرية المرحوم جبران في قول رأيه أو كتابته، كما أحترم الخلاف مع الجميع، في الرأي وليس فيما يخص الوطن، وأعتبر عملية تصفيته جريمة بحق القلم، والكلمة والحرية، لكنني أرفض اتهام سوريا التي هي بلده كما هي بلدي، وأرثي لحال والده رفيقنا القديم الأستاذ غسان تويني - كان الله في عونه وجعله من الصابرين.

بعض القيادات اللبنانية التاريخية يتحدث ويوجه التهم وكأن في جيبه كومة من الأدلة والإثباتات غير القابلة للنقض، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على وجود خطة مسبقة وتوزيع أدوار، والعاقل فقط من يتريث ويطالب بالأدلة والبراهين قبل التسرع والتورط، بل وتوريط الآخرين حماية لطرف لم يجرؤ على التعرض له أحد، حتى ولا الدول العظمى، الأكثر حرصاً على تغطية جرائمه وارتكاباته، ومجازره المكشوفة للعلن.

ما عاد الخجل والتروي يسيطر على أحد، وأغراض العملية الإجرامية تتكشف بعد ساعات حيث يجري التوظيف في سياق المخطط اياه، - يقول آدم ايرلي: إن سوريا تتابع مخططها، وهي لا تتعاون مع المجتمع الدولي ولا ترغب في استقرار لبنان...! وشيراك يقول أن لبنان ليس لوحده...! كما يؤكد الطرفان أن مجلس الأمن الدولي، والمجتمع الدولي لن يتخلى عن واجباته في هذا الشأن... ولم يقل أي منهم استطراداً... كما تخلى هذا المجلس، وهذا المجتمع عن الشعوب في أفغانستان، والعراق، وقبلهما في فلسطين، حيث لا حوافز لاستيقاظ الضمير، الأكثر إثارة هو مطالبة سبع لبنان – لدول العالم العربي أن تتدخل لإفهام "إخوتنا السوريين" بأن عليهم احترام حرية و(استئلال) لبنان وسيادته، وأنه يرغب بعلاقات ممتازة مع الأخوة...!! وكأنه لم يعمل محاولاً تفتيت لبنان، وكم الأفواه وتصفية المعارضين، حتى أقرب المقربين إليه، وكل لبنان، وكل العالم يعرف من قتل الشهيد رينيه معوض (عدا السيدة نائلة، فهي تعتقد جازمة أنها المخابرات السورية..!!)، وآل فرنجيه، وآل شمعون، ورئيس الوزراء الأسبق المرحوم رشيد كرامي، والمصلين في الكنيسة، و..... ولماذا لا تستفيق ضمائر بعض من كانت ضمائرهم نائمة لتنبش في آبار الكرنتينا عن المقابر الجماعية للمئات، وفي محيط حاجز البربارة وفي الكثير من الأماكن الأخرى وهم أدرى بها، أم أن الموضوع أشبه بقرارات مجلس الأمن،... بل يماثله في الانتقائية والرؤية بأعين مصابة بالحوَلْ. ولهذا هبت كل المرجعيات، وكل المنافقين لإطلاق هذا السبع، بقوة القانون....!!!!

ضجة التحريض تترافق والمطالبة بتشكيل محكمة دولية، وتوسيع صلاحية لجنة التحقيق الدولية لتحقق في جرائم الاغتيال، والمواطن في لبنان وفي الشام يعلم ما وراء هذه المطالبة، وذلك من خلال تجربة طويلة ومريرة مع لجان التحقيق واستخبارات الدول الكبرى، التي تسترت على عملية الموساد في ملهى برلين ودس أدلة كاذبة لتوريط ليبيا وقصفها، ودس لوحة الكترونية بين حطام طائرة (البان آم) في لوكربي، وأيضاً لابتزاز وحصار ليبيا ونهب أموالها، والتستر على كل الأعمال القذرة التي يمارسها الموساد حتى ضد الشعب الأمريكي بما في ذلك الهجوم الأكبر على الولايات المتحدة في أيلول 2001، ودس أدلة مفبركة مثل كتاب قيادة الطائرات باللغة العربية ونسخة من القرآن وجواز سفر.... تصوروا جواز سفر – ألا يتبادر إلى الأذهان كيف يسافر المرء بدون جواز سفر، وإذا كان يملك جوازاً آخر فلماذا يحمل الأول وينساه في سيارة وهو الحاذق الذي ينفذ أعقد عملية...!! برغم تسرب الكثير من المعلومات التي تكشف الحقيقة. - لا نرى في وجود لجان تحقيق أمريكية أو بريطانية أو ألمانية أو غيرها إلا وجوداً لعملاء الموساد للتغطية على أي دليل يؤدي إلى ظهور الحقيقة عارية، وأكثر من ذلك لدس أدلة مزيفة ومفبركة كما في كل مرة، لكننا أيضاً، ندرك بأن الغاية النهائية لكل ما يحصل هو الفصل النهائي وإلى الأبد بين أبناء الشعب الواحد، وربما إقامة جدار على غرار جدار الضفة الغربية وعلى امتداد الحدود بين الشام ولبنان لتفتح كل البوابات باتجاه الجنوب، وتتحقق أمنية سيلفان شالوم – أو نبوءته بأن لبنان سيكون الدولة الثالثة التي ستوقع سلاماً مع "إسرائيل"، وليهنأ مروان حماده، ووليد بك فقد يلتم الشمل..!!.

الطامة الكبرى عندما يقرأ كل هؤلاء استشراف الرئيس الأسد لمرحلة مستقبلية من العقوبات المبنية على قرار ظالم، فيقول أنها ستكون بمثابة الكارثة، أو الزلزال للمنطقة، ويفسرونها على محمل التهديد، ويعتبرون جريمة اغتيال جبران تويني هي التجسيد لهذا التهديد، متناسين أن الزلزال الذي عناه يطال الشعب السوري بأجمعه في الشام ولبنان، وفلسطين، والأردن....وأنه سيكون على الأصعدة المعيشية – الاقتصادية – الثقافية، كما في العراق تماماً، ومن يستطيع القول بأن اقتصاد هذه الكيانات منفصل ولا يتأثر بما سيجري من حصار للشام...؟ ولماذا لم يقرأ غيرهم الأمر على هذا الشكل.. ؟؟ - أم أنهم قرأوا الصفحة بالمقلوب..؟.

كم سننتظر لتتكشف الحقيقة، نأمل أن لا يطول ذلك، أو أن يقول المريب.... خذوني كما يفعل وليد بك.