مبادرة خير الدين حسيب ـ برنامج لإنهاء الاحتلال أم مشروع لإنقاذه!

2 – 2

سعد داود قرياقوس

ثمة مقومات وشروط لا بد من توفرها في أي مشروع سياسي لكي يتسم بالوطنية، وخاصة تلك المقدمة من قوى وشخصيات ذوي خبرة وتجربة سياسية، وتزداد أهمية توفر تلك المقومات والشروط في المشاريع المتصدية لا يجاد حلول وطنية، وسبل الخلاص من قيود احتلال أجنبي كما يمر به شعب العراق اليوم.

المؤسف، أن المبادرة التي أعلنها السيد خير الدين حسيب تفتقد الكثير من العناصر المطلوبة توفرها في المشروع الوطني ، وتخرق الكثير من الثوابت الوطنية، كما بينا في القسم الأول من هذه المساهمة، وكما سنحاول عرضه في هذا القسم. سنقدم أولاً تحليلاً نقديًّا لأهم الفقرات التي لم نتناولها في القسم الأول، ثم ننهي المساهمة بتقديم بعض الاستنتاجات والملاحظات العامة عن المبادرة.

1 - نصت الفقرة الخامسة من المبادرة على "تبدأ الوزارة الجديدة فورًا وبالتشاور مع المقاومة الوطنية العراقية والقوى الوطنية الرئيسية المعارضة للاحتلال بإعادة تشكيل الجيش العراقي والقوى الأمنية الأخرى، حسب الأسس والمعايير التي تراها مناسبة. ويتم تزويد الجيش والقوى الأمنية الأخرى بأحدث الأسلحة المختلفة التي تحتاجها ومن المصادر التي تراها مناسبة. كما يتم حل جميع الميليشيات الموجودة في العراق بالطريقة التي تحددها الحكومة." نود أن نثبت الملاحظات التالية على منطوق هذه الفقرة:

أ - نتفق مع واضعي المبادرة على الأهمية الفورية لإعادة تشكل الجيش العراق، فهذه الخطوة ليست خيارًا بل ضرورة وطنية تفرضها الاعتبارات الأمنية لشعب العراق. لكننا نختلف معهم في مسألة تحديد الأسس والمعايير المعتمدة في إعادة تشكيل الجيش. فالفقرة تركت قضية تحديد الأسس مفتوحة، وأناطت بالحكومة العراقية المنبثقة عن هذه الاتفاقية صلاحية تحديدها، وإن كانت بالتشاور مع القوى الوطنية التي تقترحها الفقرة.

لا أتصور بأن واضعي المبادرة يختلفون معنا في أن حل الجيش العراقي الشرعي تم استنادًا إلى قرارات سلطة احتلال غير شرعية، وتلبية لمطالب "إسرائيلة" كما اعترف بذلك جيروم بريمر. ولن يختلفوا معنا في أن تشكيلات واسعة من الجيش العراقي ما تزال تقوم بواجباتها الوطنية في الدفاع عن العراق ضمن إطار المقاومة الوطنية العراقية، على الرغم من قرار الحل الهزيل. وعليه فإن إعادة الجيش العراقي يجب أن تتم على أسس العقيدة العسكرية العريقة للجيش العراقي، وتعتمد التشكيلات الإدارية نفسها التي كان الجيش العراقي قائمًا عليها قبل الاحتلال. فتشكيلات القوات المسلحة العراقية معروفة، ومعظم قادته ما يزالون موجودين، وإعادتهم للخدمة العسكرية تمثل ردًّا وطنيًا صائبًا على قرار محتل مغتصب.

ب - لا تقدم المبادرة أفكارًا أو آليات للتعامل مع ما يطلق عليه الحرس الوطني المشكل من سلطة الاحتلال. فهل ستبقى الحكومة الجديدة على تشكيلات هذا الجيش المؤسس على أسس المحاصصة الطائفية، ويدين أفراده بالولاء للمرجعيات الدينية الإيرانية وللأحزاب الطائفية والعرقية؟ هل ستغامر حكومة "ندوة بيروت" وتتحمل مسؤولية المخاطر الأمنية الناجمة عن وجود جيش غير منضبط متعدد الولاء والمرجعيات؟

ج - تشير الفقرة المذكورة إلى "يتم حل جميع الميليشيات الموجودة في العراق بالطريقة التي تحددها الحكومة". لا خلاف مع مصممي المبادرة على ضرورة حل جميع الميليشيات المسلحة بما فيها قوات البيشمركة الكردية. لكننا نراها خطوة طموحة غير قابلة للتحقيق في ظل غياب جيش وطني قوي، وفي ظل حل المقاومة الوطنية بالشكل الذي تطالب به الفقرة السادسة من المبادرة. هل بإمكان المبادرين أن يخبرونا، كيف يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل غياب جيش مركزي موالٍ لحكومة مركزية قوية؟ ولماذا لم يتم تحديد التوقيت الزمني لحل الميليشيات، أسوة بالمعيار الزمني المستخدم في حل المقاومة الوطنية لفصائلها والتخلي عن أسلحتها؟

2 - تحظر الفقرة السابعة من المبادرة على الجيش والقوى الأمنية التدخل في السياسة وممارسة العمل الحزبي، وتمنع الأحزاب والقوى السياسية في العراق من العمل السياسي داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. قد نختلف مع واضعي المبادرة على طبيعة التركيبة العقائدية والسياسية وأهميَّتها للجيش العراقي خلال المراحل الأولية من التحرير. وقد نختلف معهم على حاجة العراق إلى جيش عقائدي أم جيش محايد سياسيًّا، لكننا نفهم دوافع هذه المطالبة. ولكن لنفترض جدلاً أن حكومة "ندوة بيروت" قد قررت الإبقاء على تشكيلات "الحرس الوطني" المشكلة بقرار أمريكي، وتلبية لمطالب أمريكية، وهو احتمال وارد. كيف سيتم التعامل مع تلك المجاميع المشكلة وفقًا لأسس المحاصصة الطائفية والحزبية؟ المسلم به أن هذه القوى قد تشكلت من أفراد الميليشيات الطائفية والعنصرية، وإن الانتساب إليها محصور في الفئات المؤيدة للأحزاب الحليفة للاحتلال، وإن ولاءها النهائي يعود للأحزاب التي رشحتهم. فكيف ستحسم حكومة "ندوة بيروت" هذه الإشكالية؟ وكيف ستنهي ازدواجية الولاء؟ وكيف ستجبر أفراد الجيش التخلي عن ولائهم الطائفي والحزبي؟

3 - توفر الفقرة الثامنة من المبادرة في حالة نجاحها، وفرضها على شعب العراق مدخلاً تستطيع الإدارة الأمريكية استخدامه لـ "تعريب الاحتلال" وتغيير معادلة الصراع بشكل يخدم مشروعها الاحتلالي، فتعريب الاحتلال أو "أسلمته" خيارات لم تغب عن تفكير مخططي الاحتلال كبدائل محتملة لتواجدها العسكري في العراق.

قد يبدو إحلال قوات عربية بديلاً من القوات الأجنبية خطوة معقولة ومقبولة، وضرورة أمنية لا بد منها للكثير من العراقيين، إلا إنها في تقديرنا خطوة ذات نتائج خطرة على استقرار الوضع السياسي والأمني في العراق والمنطقة المرتبك أصلا .لا شك في أن تعريب الاحتلال سيزج دول المنطقة في صراعات معقدة دون أن يقدم حلاً للازمة الأمنية التي سببها الاحتلال. وسيحول طبيعة الصراع القائم من صراع بين مقاومة وطنية ضد محتل أجنبي إلى صراع بين قوات عربية ضد فصائل المقاومة.

النقطة الأخرى الجديرة بالملاحظة، أن الفقرة تحصر المشاركة في قوات حفظ السلام في "الدول العربية التي لم تحرض أو تسهل احتلال العراق." هنا نود أن نسأل واضعي المبادرة: هل بإمكانهم إعلامنا بأسماء الأقطار العربية التي لم تحرض أو تسهل احتلال العراق؟ أو أسماء تلك التي لم تساهم في إضفاء الشرعية على سلطة الاحتلال والاعتراف ببرامجه والسكوت على جرائمه ، باستثناء اليمن وفلسطين وبعض الأقطار الهامشية التأثير في القرار السياسي العربي؟

أعتقد أن مقدمي المبادرة ليسوا من السذاجة ليعتقدوا بأن مرحلة تسهيل الاحتلال قد ابتدأت في الأشهر أو الأسابيع الأخير التي سبقت استباحة القوات الغازية لمدن العراق! وأنها لا تعتبر تقديم العون السياسي والعسكري للقوات الأمريكية في حربها على شعب العراق عام 1991، ولا دورها في استمرار الحصار الاقتصادي والسياسي الجائر، تحريضًا أو مساهمة في احتلال العراق!

4 – تنص الفقرة العاشرة على: "تلتزم الحكومة الجديدة خلال الفترة الانتقالية بالسياسة النفطية التي تم الاتفاق عليها في ندوة بيروت، وتعتبر جميع الاتفاقات النفطية التي تمت خلال فترة الاحتلال ملغاة شرعيًّا لمخالفتها قرارات مجلس الأمن رقم 1483 و1456، كما تعتبر جميع الاتفاقات التي عقدها الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني خلال الفترة 1991 - 2003 وكذلك كل ما عقده من اتفاقات أثناء الاحتلال مع شركات أجنبية لاكتشاف وتطوير الإنتاج النفطي في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك غير قانونية وملغاة، وتطلب من تلك الشركات إيقاف أية عمليات لها في تلك المحافظات، كما ستكون خاضعة للملاحقة القانونية داخل وخارج العراق على تعاقدها مع جهات عراقية غير شرعية لاستثمار النفط في تلك المحافظات".

نتفق تمامًا مع ما نصت عليه الفقرة من إلغاء للاتفاقيات النفطية الموقع عليها خلال فترة الاحتلال بصرف النظر عن الجهة العراقية الموقعة لها. لكننا نختلف معها في إلزام الحكومة الجديدة خلال الفترة الانتقالية بالسياسة النفطية التي تم الاتفاق عليها في "ندوة بيروت".

ليلاحظ القارئ أولاً عبارة: "التي تم الاتفاق عليها في ندوة بيروت." لقد سبق للسيد حسيب وآخرين من المشاركين في الندوة أن أصروا على أن الندوة لم تكن سوى ندوة بحثية بعيدة عن الصفقات والاتفاقيات والطموحات السياسية. فإذا كان الأمر كذلك، فما المقصود إذًا بعبارة: "الاتفاق عليها"؟ ومن هي الجهات التي تم الاتفاق بينها؟ وإذا أردنا أن نتعامل مع النص بحسن نية، وأن نفسر العبارة على إنها تعني اتفاق الحاضرين عليها، فما الذي يمنح المساهمين في "ندوة بيروت" صلاحية تحديد السياسة الإنتاجية والتسويقية للسلعة التي تشكل عماد الاقتصاد العراقي؟ لن نتطرق إلى ثغرات السياسة النفطية المقدمة في الندوة، ولن نشير إلى ما أشيع عن توصل واضعي تلك السياسة لاتفاق مقايضة مع جهات أمريكية نفطية! لكننا نذكر مصممي المبادرة بأن للعراق سياسية نفطية وطنية ثابتة، وأن للمؤسسة العامة لتسويق النفط سياسة تسويقية مستندة على ثوابت وطنية سياسية واقتصادية، تلك السياسة وإن كانت بحاجة إلى إعادة تقييم، ألاَّ أنها أكثر تعبيراً عن مصالح العرق مماثلة بالورقة المقدمة في "ندوة بيروت". وعليه يجب اعتمادها من الحكومة الوطنية بعد دحر الاحتلال، وإذا كانت هناك ضرورات اقتصادية وسياسة لتغيير تلك الاستراتيجية الإنتاجية والتسويقية فإن صلاحية إدخال تلك التعديلات تنحصر في العناصر ذوي الأهلية التمثيلية، وفي المؤسسات التشريعية والتنفيذية المنبثقة عن شعب العراق، وليست من صلاحية مشاركين في ندوة بحثية بصرف النظر عن تجربتهم السياسية وحرصهم الوطني وخلفياتهم الاقتصادية.

5 - من المؤسف له أن يتعامل مقدمو المبادرة مع مستبيحي شعبهم ومدمري إنجازاته السياسية والحضارية والاقتصادية بطريقة لا يمكن وصفها إلا بالضعيفة، وبكونها تشكل إهانة لشهداء العراق وضحايا الاحتلال الأمريكي الهمجي لشعبه. فعوضًا عن الإصرار على محاسبة المحتلين وإجبارهم على الاعتراف بجريمتهم، ودفع تعويضات مالية مجزية عن ما سببوه لشعب العراق من خسائر مالية وبشرية جراء حربهم القذرة، واحتلالهم اللامشروع، فإن المبادرة تقترح على المحتلين تقديم مساعدات مالية لشعب العراق، حيث تطرح الفقرة الثانية عشر على الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية تقديم "مساعدات مالية" على شكل منح قيمتها 70 مليار دولار!

تعاني هذه الفقرة من تناقض داخلي واضح وتفريط في المصالح الوطنية. فمن جانب، تطلب المبادرة من الدول المحتلة تقديم مساعدات مالية للعراق، لكنها لذر الرماد في العيون، تعود وتطرح هذه المساعدات بأنَّها لغرض تعويض شعب العراق! وهنالك فرق كبير بين تقديم مساعدات مالية، وبين قيام جهات مجرمة في تأدية تعويضات عن جرائمها!

ما تطالب به القوى الوطنية الحقيقية المناهضة للاحتلال، والمعبرة بصدق عن مواقف شعب العراق ومصالحه هو التعويض الكامل عن كل ما سببته الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية من خسائر مادية وبشرية، وليس مساعدات من مستبيحي شعب العراق.

ثم أننا لا ندرك أسباب السخاء الواضح لمقدمي المبادرة؟ ولا ندرك كيف توصلوا إلى المبلغ المذكور؟ من الذي خولهم التنازل عن حق شعب العراق بالتعويض الكامل، والمطالبة بمبلغ تافه؟ لماذا هذا الكرم والنبل في القبول بمبلغ يقل كثيرًا عن قيمة الخسائر الحقيقية لشعب العراق؟ هل في أمكان الباحثين والإحصائيين والاقتصاديين من المشاركين في "ندوة بيروت"، التي تبجح أحد المشاركين فيها، بأن عدد المشاركين من حملة شهادة الدكتوراه في الندوة قد بلغ الأربعين، أن يدلونا على معادلاتهم الحسابية؟ وكيف توصل الحريصون على شعب العراق إلى هذا المبلغ البخس؟ احسبوها يا تكنوقراط، وخبرونا عن قيمة الدم العراقي المهدور وفقًا لحساباتكم؟ هل يدرك التكنوقراط أن الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية قد أجبرتا الحكومة الليبية على دفع مبلغ قارب الثلاث مليار دولار كتعويض لقتلى حادثة سقوط الطائرة في لوكربي؟ ما الذي يجعل دماء العراقيين أرخص قيمة من دماء الأمريكان وغيرهم؟ خبرونا يا سادة من الذي سيعوض أرامل العراق وأيتامه؟ من سيعوض المغتصبات من نسائه؟ من سيعوض أصحاب المساكن المدمرة؟ من سيعوض الشعب عن ثرواته الوطنية المسروقة، وعن كنوز المتاحف المنهوبة، وعن الهياكل الارتكازية الاجتماعية والاقتصادية التي دمرتها قوات الاحتلال؟

والغريب أن المبادرة لم تكتف بتقديم تنازلات عن حقوق الشعب العراقي دون أن تملك أيَّة صفة تمثيلية تمكنها من تقديم مثل هذا العرض السخي، بل إنها عبرت أيضًا عن حرصها على مصلحة المحتلين في توفيرها صفقة مالية مريحة للإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية. فالمبلغ المقترح، كما أشارت إليه المبادرة، يقل عن "النفقات المالية والفعلية لبقاء القوات الأمريكية والبريطانية في العراق لمدة سنة إذا لم يتم هذا الاتفاق." أي أن ما تطرحه المبادرة للإدارة الأمريكية عرضاً جيداً وسخيًّا وواضحًا، اتفقوا معنا، وقدومنا كحكام جدد للعراق، وسوف نضمن لكم حلولاً أقل تكلفة من كل البدائل الأخرى، لا بل سنوفر لكم مبالغ مالية كبيرة!

6 - تقترح الفقرة الثالث عشرة أن "يضع البرلمان العراقي المنتخب خلال السنة الثانية من الفترة الانتقالية، مسوَّدة دستور مستفيداً من مسوَّدة دستور "ندوة بيروت"، ثم يعرض على استفتاء شعبي عام لإقراره. وحتى يتم إقرار الدستور، تعتمد الحكومة الجديدة مسوَّدة الدستور التي أعدَّتها ندوة بيروت كدستور مؤقت ينتهي مفعولة بإقرار الدستور الدائم".

لقد سبق وأشرنا في القسم الأول من هذه المساهمة بأن المبادرين قد أعطوا لأنفسهم شرعية وصلاحيات وطنية لا يملكونها، واتخذوا من الأوراق المقدمة في "ندوة بيروت" التي لا تمثل إلا وجهات نظر أصحابها منهاجًا وبرنامجًا سياسياً للحكومة العراقية، فحولوا "الندوة" من ندوة بحثية أقامتها مؤسسة عربية إلى مؤتمر وطني عام. ما طرحوه في هذه الفقرة خير دليل على هذا النهج. لقد تجاهل أصحاب المبادرة بانتقائية غريبة جميع الدساتير العراقية التي أقرتها المؤسسات التشريعية العراقية منذ قيام ثورة 14 تموز 1958، وأصروا على تبني دستور عبد الحسين شعبان؟ كان بوسع واضعي المبادرة تبني الدستور العراقي المؤقت، دستورًا للمرحلة المؤقتة بدلاً من دستور لا يملك أيَّة صفة شرعية؟

7 - الفقرة الخامس عشرة من المبادرة تقترح تعامل الحكومة المستقبلية الناجمة عن المبادرة مع القضية الكردية وفقًا لدستور "ندوة بيروت"، وتهمل بشكل انتقائي غير مبرر بيان الحادي عشر من آذار وقانون منطقة الحكم الذاتي وكل التشريعات العراقية الخاصة بالملف الكردي.

8 - تشير الفقرة السادس عشرة إلى التزام "الحكومة العراقية الجديدة كذلك بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى استعمال القوة في أية خلافات بينها وبين الدول العربية الأخرى والدول المجاورة غير العربية والتي حرَّضت أو ساعدت أو ساهمت في احتلال العراق بشكل أو آخر، فيما عدا حالات الدفاع عن النفس وفي حدود ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية".

على الرغم من عمومية مضمون الفقرة وتقليديتها، إلا أنها تشكل التزامًا غير مبرر، وتنازلا عن حقوق مشروعة، وتتضمن تطمينات لأعداء شعب العراق، ولاسيَّما لتلك الدول التي حرضت وساعدت على احتلال العراق، ومن ضمنها الكيان الصهيوني. من الواضح أن تطبيق هذه الفقرة يؤدي إلى أخراج العراق من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وبشكل مؤثر في الأمن القومي العربي.

9 - تقدم الفقرة التاسع عشرة نصًا غريبًا، وبشكل تجنب من خلاله مصممو المبادرة التعامل المباشر مع الجرائم التي اقترفت بعد دخول القوات الأمريكية، والعصابات المتحالفة معها إلى مدن العراق. وتجنبوا بشكل خاص التعامل مع جريمة الخيانة الوطنية التي اقترفتها شخصيات وحركات سياسية عراقية، مكتفية في وصف تلك الجرائم النكراء "بالتواطؤ مع الاحتلال". من قراءة سريعة للنص يكتشف القارئ الملم بالتاريخ السياسي للعراق بأن واضعي المبادرة لم يكونوا موفقين في تقديم هذا النص العام، وأن المطالبة بالتحقيق في كل الجرائم منذ ثورة 14 تموز 1958، والإشارة هنا هي إلى أحداث الموصل وكركوك المعروفة، مطالبة غير مبررة. وأن الرجوع إلى هذا التاريخ يمثل موازنة غير موفقة ومجاملة لبعض القوى السياسية، وردًّا على الأخرى. ما يهم شعب العراق اليوم هي جرائم الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية بحقه، وجرائم كل من تعاون وتعامل مع المحتلين وشركائهم بأية صيغة أو شكل، لا أحداثًا مؤسفة وقعت قبل خمسة عقود من الزمن نتيجة للعقلية الاقصائية للقوى السياسية العراقية آنذاك. كان حريًّا بأصحاب المبادرة أن يقدموا تعهدًا لشعب العراق بملاحقة جزاريه من أجانب وعراقيين وعرب، لا أن يقدموا مثل هذه الفقرة العامة.

ثمَّة سؤال لا نرى مناصًا من طرحة على مصممي المبادرة: هل أن جريمة التواطؤ مع العدو المشار إليها في الفقرة تشمل أولئك الذين اجتمعوا مع جلادي العراق من أعضاء الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية قبل الاحتلال، وخططوا معهم سبل نجاح الاحتلال؟ وهل تشمل شركاء ومساعدي أحمد الجلبي السابقين؟ وأخيراً هل تشمل جريمة التواطؤ مع الاحتلال أولئك الذين حضروا اجتماعات لندن وصلاح الدين،التي كانت جزء من خطة تسويق الاحتلال؟

10 - أن أكثر بنود المبادرة استفزازاً للشعور الوطني ما جاء في نص الفقرة عشرين منها. ليتأمل القارئ الكريم ما جاء في هذا النص: "بعد الاتفاق، وبعد تنفيذ الجانبين الأمريكي والبريطاني ما جاء في الفقرات السابقة، تتعامل الحكومة العراقية الجديدة مع جميع الشركات والمؤسسات الأمريكية والبريطانية في قضايا إعادة أعمار العراق واستثمار النفط على قدم المساواة مع الشركات والمؤسسات الأخرى العالمية وبدون أي تحيز سياسي ضدها، وعلى أساس السياسة النفطية وبرنامج إعادة الأعمار المقرر من الحكومة العراقية الجديدة".

لم نستطيع بعد قراءتنا النص المذكور إلا أن نردد ما يقوله إخواننا المصريون للتعبير عن دهشتم: "يا سلام!" يا لها من حكومة عادلة ومنصفة تلك التي ستنجم عن هذه المبادرة؟ يا لها من مجموعة حريصة على دماء شعب العراق ومصالحه وحقوقه!

تشن الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية حربًا غير أخلاقية وغير شرعية على شعب العراق لتحقيق مكتسبات اقتصادية ونفطية بشكل خاص، يدمرون هياكله الاجتماعية والاقتصادية، يختزلون تاريخه ومنجزاته الحضارية، يدخلون الشعب في أتون استقطاب طائفي يصعب التخلص من تبعاته، يهدمون المدن الرافضة للقبول بمذلة الاحتلال، وعلى الرغم من كل وسائل البطش والإرهاب يواجهون مأزق الهزيمة، فتقدم لهم وسائل تساعدهم على تغطية الهزيمة كما فعل جماعة "ندوة بيروت" في مبادرتهم، لا بل ويتعهدون لهم بأن تعامل شركاتهم المحركة للعدوان بالقسطاط والعدل!

كيف يمكن أن نعطي لجزاري شعبنا حق التمتع بدم الذبيحة البريئة؟ كيف يمكن أن نعامل شركات بوش وجيني ورامسفيلد، كهالبريتون وبكتيل بشكل عادل ودون تحيز؟ كيف يمكن أن نعطي لهم فرص استثمارية مستقبلية في العراق؟

نحن ندرك تمامًا الدوافع الخفية لأصحاب المبادرة سواء اعترفوا بها أم أنكروها. وندرك مسبقًا المبررات التي سيطرحونها متذرعين بالواقعية السياسية، وأن من مصلحة شعب العراق التعامل مع القوة الكونية الأعظم عسكريًا واقتصاديًا!

لن نعلق أكثر على هذه الفقرة الهزيلة، لكننا نود أن نطرح لأبناء شعبنا، أبناء شهداء وشهيدات الحقد العنصري الأنكلو أمريكي، جهزوا أنفسكم لمقاطعة كل مَن وما هو أمريكي وبريطاني حتى وإن أدى ذلك إلى تباطؤ عملية إعادة تعمير العراق.

لن تسمح القوى المناهضة للاحتلال أن تستفيد الاحتكارات الأمريكية والبريطانية من عملية أعمار العراق؟ لا ولن يسمحوا بأن يتاجر سماسرة السياسة وتجار المقاومة بدماء أبناء شعبنا، والله سنكون متحيزين ضد الشركات الأمريكية والبريطانية وضد مصالح حلفائهم حتى يتم تعويض أبناء شعبنا في العراق وفلسطين تعويضًا سياسيًا وماليًا كاملا، وحتى يكفوا عن مؤامراتهم الاستعمارية وتحيزهم الأعمى، وكراهيتهم لكل ما هو عربي.

إن مراجعة متمعنة لبنود مبادرة خير الدين حسيب وفقراتها، وكما بيَّنَّا في هذه المساهمة بقسميها تساعدنا على تثبيت الاستنتاجات التالية:

* أن المبادرة تتناقض مع الثوابت الوطنية لشعب العراق في هذه المرحلة، ولاسيما مع مطلب الانسحاب الفوري واللامشروط لقوات الاحتلال، والتعويض الكامل عن كل الخسائر الناجمة عن جرائم الحرب والاحتلال.

* إنها مبادرة تتناقض مع إرادة المقاومة الوطنية العراقية، ومع مواقف الحركات المناهضة للاحتلال والمؤمنة بالحق المطلق لشعب العراق في المقاومة المسلحة لقوات الاحتلال وعملائها. إنها بكل موضوعية مشروع التفاف يائس على خيار المقاومة وقيادتها الممثل الشرعي والوحيد لشعب العراق.

* تعطي المبادرة لمطلقيها من عرابي ومسوقي "ندوة بيروت" صفة الشرعية الوطنية وصفة الوراث الشرعي للحكومة العراقية الشرعية التي عمل على إنهائها الاحتلال. وتعتمد البحوث المقدمة في تلك الندوة منهاجًا سياسيًا للعراق خلال المرحلة التي أطلقت عليها الندوة "الانتقالية" دون امتلاكها أو أصحابها أيَّة صفة تمثيلية شرعية لشعب العراق.

* تتعامل المبادرة مع الاحتلال وجرائمه وتداعياتها وجرائمه بخجل غريب وبشكل يتغاضى عن كل جرائم المحتلين وشركائهم في جريمة استباحة العراق.

* في فقرات المبادرة فجوات وألغام سياسية واقتصادية تتضمن الكثير من المخاطر السياسية، في الوقت الذي لا توفر فيه حلولاً عادلة للتحديات التي يواجهها شعب العراق.

وأخيرًا، إنها ليست كما أطلق عليها مقدميها "مبادرة لإنهاء الاحتلال"، بل صفقة لإنقاذه. وجهدا لإيجاد مخرج مشرف للإدارة الأمريكية! هذه الصفقة تقدِّم أصحابها كبديل سياسي لحكم العراق وفق ترتيبات واتفاقات مع محتلي شعبه والطامعين في ثرواته. وتقدمهم كبديل جالس على مصطبة الاحتياط في انتظار الفرصة الملائمة، وأوامر مدير الفريق للنزول إلى الساحة وتحقيق ما لم ينجح الأوائل في تحقيقه.

قد يكون من الضروري أن نكرر ما سبق أن قدَّمناه في مقدِّمة القسم الأول من هذه المساهمة: للمبادرين من جماعة "ندوة بيروت" وغيرهم طرح ما يرتأوه من مشاريع أو صفقات أو مبادرات، ومن حقنا، لا بل من واجبنا الوطني التصدي لها وإحباطها.