مبادرة خير الدين الحسيب - برنامج لإنهاء الاحتلال أم مشروع لإنقاذه؟!

سعد داود قرياقوس

لم يشكِّل الإعلان عن مبادرة خير الدين حسيب مفاجأة للمراقبين والمعنيين بالشأن العراقي، فإعلانها جاء منسجمًا مع ما سبقتها من عقد لقاءات وتنظيم ندوات وطرح مشاريع سياسية، لعل أهمها ندوة بيروت المنعقدة في شهر تموز الماضي، وتجمع القاهرة، وغيرها من الصفقات التي لا يمكن تحليلها في معزل عن تطورات المأزق الأمريكي، ومساعي إدارة بوش لإيجاد صيغة جديدة تساعدها على تخفيض مخاطرها السياسية وتقليل خسائرها المادية والبشرية، دون أن تفقد مكتسباتها السياسية والاقتصادية المتحققة من احتلال شعب العراق.

والملاحظ، أن هذه المبادرة التي نشرت في عدة مواقع الكترونية وصحف عربية ، قد صدرت دون تحديد الجهة المسؤولة عن إصدارها باستثناء قيام صحيفة القدس في إرجاعها إلى مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت الذي يترأسه الدكتور خير الدين حسيب. وإذا صح ما نشرته "القدس"، فإن ضلوع المركز في هذه المهمة يشكِّل خروجًا عن مسؤوليات المركز، والمهمات المناطة به، ومنح إدارة المركز لنفسها حقًّا لا تملكه.

حين تصدينا وعدد من الكاتبات والكتَّاب المؤمنين بحق شعب العراق المشروع في مقاومة قوات الاحتلال عسكرياً، والمدافعين عن هذا الحق علنياً، وفي مقدمتهم السيدات والسادة، إيمان السعدون وبثينة الناصري وعوني القلمجي وصلاح المختار وموسى الحسيني وفيصل الفهد، وغيرهم من منتقدي ندوة بيروت ونتائجها، فإننا لم ننطلق من فراغ، أو من قصور في فهم أسباب انعقادها، أو بناء على استنتاجات خاطئة، أو انطلاقًا من رؤية حزبية ضيقة وعقلية اقصائية، أو من الإصرار على احتكار القرار السياسي، أو احتكار التعبير عن رأي المقاومة، كما اتَّهمنا نفر من السذج، أو أن ما كتبناه كان كما وصفه الدكتور القدير خيري الدين حسيب كنتاج لـ "بعض مظاهر الأزمة التي يعاني منها العمل السياسي الوطني في العراق في الوقت الحاضر، من تفسخ خلقي، وتخلف سياسي يصاحبه تخلف فكري وثقافي، وهي أمور مفهومة نتيجة للظروف التي مرَّ ويمرُّ بها العراق." بل انطلاقاً من إدراكنا طبيعة المخطط الأمريكي، ونوايا بعض الحالمين في رئاسة جمهورية العراق أو رئاسة حكومته، ولرغبات الباحثين عن فرص الجاه والثروة على حسب دماء أبناء شعبنا وقضيته العادلة. والأكثر أهمية من إدراكنا سيناريو "الخروج من المأزق" التي وضعته الإدارة الأمريكية قبل أشهر، والذي يتطلب نجاحه سيطرة "الخيار الثالث" على إدارة العراق المحتل بعد فشل الأحزاب العميلة لسلطة الاحتلال في تهيئة المناخ الملائم لضمان احتفاظ الإدارة بمكتسبات الاحتلال السياسية والاقتصادية.

لقد تركزت اعتراضاتنا على ندوة بيروت ونتائجها على جملة من النقاط لعلَّ أبرزها:

* إنها لم تكن مجرد ندوة بحثية ذات أهداف أكاديمية بحته، انعقدت لتوفير ملفات يمكن أن تستفاد منها الحكومة العراقية بعد التحرير كما ادعى القائمون على الندوة والمشاركون في نشاطاتها، بل إنها محاولة لتشكيل فريق سياسي عراقي بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية وتقديمه كبديل للحكومة القائمة.

*إن انعقادها لم يكن في معزل عن محاولات الإدارة الأمريكية وحلفائها في لندن والقاهرة والرياض لإيجاد مخرج للتورط الأمريكي في مشروع احتلال فاشل.

* إن عددًا من مخططين الندوة والمشاركين في فعالياتها، كانوا من العناصر التي ساهمت في عملية التمهيد لاحتلال العراق، واشتركت بشكل مباشر في تسويق الادعاءات الكاذبة للإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، من خلال تحملها مسؤوليات مباشرة في الهيكل الهزيل لما أطلق عليها المعارضة العراقية.

* التبعات الخطرة لنتائج الندوة على مسارات المقاومة الوطنية، وخاصة ما تضمنه البيان الصادر عن تجمع العراقيين المنعقد في اليوم الرابع من أفكار تتقاطع مع الثوابت المبدئية للمقاومة العراقية  وخاصة قضية ثنائية مسار المقاومة.

لقد جاءت مبادرة خير الدين حسيب وما سبقتها من ندوات، وتحركات لعدد من تجار المقومة، واجتماعات الغرف الخلفية لتبرهن على صدق ما ذهب إليه منتقدو ندوة بيروت، ولتدحض طروحات الذين طبلوا للندوة مستخدمين دفوفًا مثقوبة، ودافعوا عبثًا عن براءتها وعلميتها، وعن النوايا النبيلة للتائبين من شركاء أحمد الجلبي.

تضمنت بنود المبادرة العديد من الفجوات والمخاطر السياسية ذات الأبعاد السلبية على مسيرة نضال شعبنا في المرحلة الراهنة. سنقدم في هذه المساهمة تحليلا موضوعيا لتلك الفجوات ، وتساؤلات مشروعة عن أكثر فقراتها خطورة، منطلقين من واجباتنا الوطنية في الدفاع عن مصالح شعبنا، وحماية المشروع الوحيد القادر على تحرير شعب العراق، مشروع المقاومة الوطنية المسلحة المشروعة، وحماية حق أجياله القادمة في ثروتهم النفطية، دون أن نصادر حق المبادرين في طرح ما يرونه مناسبًا. فللحسيب وفريقه الحق في طرح أيَّة مبادرة يريدون، وعلينا واجب التصدي لمثل هذه المبادرات إذا ما اكتشفنا فيها مخاطرها على أمن شعبنا ومصالحه.

تتألف المبادرة المعنونة: "مبادرة وطنية عراقية تعبّر عن آراء وإرادة المقاومة الوطنية العراقية، والقوى السياسية الوطنية الرئيسية المناهضة للاحتلال لإنهاء احتلال العراق وانسحاب قواته دون شروط" من عشرين فقرة تقدم مشروعاً سياسياً ناقصاً. سنقسم هذه المساهمة إلى قسمين تفادياً لإجهاد القارئ. فنعالج في القسم الأول الفقرات 1، 2، 3، 6، و9، وفي الثاني النقاط المتبقية بالإضافة إلى تقديم بعض الاستنتاجات عن أسبابها ودوافعها وفرص نجاحها.

1 - تبدأ إشكاليات المبادرة من عنوانها غير الموفق والمتضمن عددًا من الأخطاء إن لم نقل المغالطات. فالعنوان يشير إلى أنها تعبر لا عن رأي المقاومة الوطنية العراقية فحسب، بل عن إرادتها أيضا. بالإضافة إلى تعبيرها عن آراء القوى السياسية الوطنية الرئيسية وإرادتها المناهضة للاحتلال!

لن نغامر إذا ما طرحنا بأن فقرات هذه المبادرة تتناقض روحًا ونصًا مع كل المواقف المعلنة لفصائل المقاومة العراقية وآرائها، وتحديدًا مع فقرات البرنامج الاستراتيجي المركزي لها. فعلى أية أسس استند المبادرون في وصفها بالمعبرة "عن آراء المقاومة وإرادتها؟" هنا يمكن تقديم تفسيرين. الأول، أن يكون طرح "المبادرين" صائبًا، وأن تكون قيادة المقاومة الوطنية قد تراجعت عن مواقفها المبدئية الثابتة! وهذا احتمال غير وارد على الإطلاق، ولا توجد أية مؤشرات تدعمه. والثاني، أن يكون هذا الطرح خاطئًا، والغرض منه تقديم معلومات مغالطة للعراقيين، وإيهامهم بأن المبادرة تحظي ببركة قيادة المقاومة ودعمها! وإذا افترضنا أن هناك من يعتقد بخطأ هذا الاستنتاج، أو أنه يتضمن إجحافًا بحق أصحاب المبادرة، فليقدموا لنا الأدلة على صحة ما ذهبوا إليه، وليصرحوا علنًا بأنهم مخوَّلون من قيادة المقاومة لطرح هكذا مبادرات، والدخول في اتفاقيات مع سفاحي شعب العراق.

أما التصريح بأن المبادرة تعبر عن آراء القوى السياسية الوطنية الرئيسية المناهضة للاحتلال، فإنه ادعاء يبتعد عن الحقيقة بفراسخ، المتعارف عليه في الأدبيات السياسية، تذييل المبادرات، أو المشاريع السياسية بأسماء الجهات المساهمة في إعدادها أو المؤيدة لها. مبادرة الحسيب صدرت كما أسلفنا دون أن تحتوي أسماء الجهات الداعمة لها. ولكي لا نجحف المبادرين ونظلمهم، فأننا أجرينا اتصالات بقيادات أهم الحركات السياسية المناهضة للاحتلال في داخل العراق وخارجه، ونستطيع أن نثبت بكل ثقة بأن جميع من اتصلنا بهم بدون استثناء أكدوا بأنهم أما غير مطلعين على فقرات المبادرة وبنودها، أو أنها لا تعبر عن مواقفهم من قريب أو بعيد. فلماذا إذًا هذا الادعاء؟ وهل أعطى الحسيب لنفسه ولاصدقائه المقيمين في لندن حق للتعبير عن آراء القوى المناهضة للاحتلال؟ ام أن المقصود بالقوى المناهضة للاحتلال، تلك التي أسستها الإدارة الأمريكية من طراز منظمة أيهم السامرائي المقاومة؟ هل بإمكان المبادرين الإفصاح عن أسماء القوى السياسية العراقية المناهضة للاحتلال التي تعبر المبادرة عن إرادتهم؟

2 - تتعامل الفقرة (1) من المبادرة مع جدولة انسحاب القوات الأمريكية المحتلة. فتقترح إعلان الجانب الأمريكي عن قراره بالانسحاب من العراق خلال فترة زمنية لا تزيد على ستة أشهر كحد أقصى، على أن يعقب هذا الإعلان انسحاب القوات المحتلة إلى قواعد عسكرية محددة، ولا تكون لها أية مهمات أمنية أو عسكرية خلال الفترة المذكورة. وعلى أن تنسحب بعد نهاية مدة الستة أشهر كليًّا من العراق! هنالك عدة ملاحظات وتساؤلات نود تثبيتها على هذه الفقرة:

أ - إذا كانت المبادرة تعبر عن إرادة المقاومة العراقية كما يوحي عنوان المبادرة، فلماذا لم تتبنى المبادرة الموقف المبدئي والمعلن للمقاومة، وطالبت بالانسحاب الفوري وغير المشروط لجميع القوات الأجنبية من الأراضي العراقية كما تصر عليه قيادة المقاومة؟

ب - وفقًا لأية معايير تمَّ تحديد فترة الستة أشهر لانسحاب القوات المحتلة من العراق؟ لماذا لم يحددوا فترة زمنية أقصر لاسيَّما وأن لقوات الاحتلال من المرونة والقدرة على التحرك السريع، ولديها من القدرات الآلية ما يمكنها من الانسحاب من العراق في فترة قصيرة جدًّا! فإذا كانت القوات الغازية قادرة على الوصول إلى بغداد، واحتلال مناطق متفرقة من العراق في ظروف قتالية صعبة في مدة تقل عن 19 يومًا، فبإمكانها أيضًا الانسحاب من الأراضي العراقية في فترة زمنية مقاربة لتلك التي احتلوا بها العراق أن لم يكن أقل منها. ما تزال مطالبة جورج بوش الأب للحكومة للعراقية لسحب قواتها من الكويت عام 1991 في مدة ثمان وأربعين ساعة عالقة في الذهن، منطق بوش آنذاك كان قائمًا على أنَّ القوات العراقية أنجزت سيطرتها على الكويت خلال ثمان وأربعين ساعة، ولذلك فهي قادرة على الانسحاب منها في المدة الزمنية نفسها. فلماذا الازدواجية والانتقائية في اختيار المعايير، خاصة وأن إمكانيات النقل المتوفرة لقوات الاحتلال وإمكانيَّتها تفوق إمكانيات الجيش العراقي آنذاك.

ج – ما هي مبررات بقاء القوات المحتلة وضروراتها داخل العراق لمدة ستة أشهر دون أيَّة مهام عسكرية أو أمنية؟ هل الهدف من بقائها توفير الحماية للحكومة التي تدعو المبادرة لتشكيلها نتيجة للاتفاق مع الإدارة الأمريكية؟ من الواضح أن بقاء القوات الأجنبية المحتلة في قواعد محددة داخل العراق، حتى وإن كان بقاؤها مجردًا من أي نشاط عسكري ، لن يغير من كونها قوات غازية ومحتلة!

د - تشير المبادرة إلى انسحاب القوات الأجنبية فقط، دون أن تشير إلى مستقبل قوات المرتزقة القادمين في صفة شركات أهلية متخصصة في توفير خدمات الحماية الأمنية، إلا أنها جزء أساس من الجهد الاحتلالي! فهل سيبقى المرتزقة في العراق أم يرحلوا مع القوات الرسمية لدول الاحتلال؟ كما أن المبادرة لم تتطرق إلى مصير الكادر الضخم للأجهزة الأمنية الأمريكية والبريطانية المتواجدة في العراق!؟

3 - تعالج الفقرتان (2) و(6) التزام المقاومة الوطنية العراقية بوقف أطلاق النار، والتوقيت الزمني لحلها. فتقدم ربطًا وتزامنًا غير منطقي بين انسحاب قوات الاحتلال الأجنبية الغازية لأرض العراق بشكل غير مشروع، وتخلي قوات المقاومة المشروعة عن سلاحها، وحل تنظيماتها، والتخلي عن حقها المشروع في الدفاع عن الوطن وإعادة بنائه. وفقًا لأية معادلات وطنية يقترح المبادرون هذه المساواة بين التزام قوات أجنبية لا مشروعة وحقوق قوات وطنية مشروعة؟

من الصعوبة فهم أسباب مطالبة مبادرة يدَّعي أصحابها بأنها تعبر عن إرادة المقاومة في حلها بشكل متزامن مع انسحاب قوات احتلال باغية وغاشمة من أرض العراق! وفق أيَّة معادلة تستند هذه المطالبة؟ ثم هل يتفق معنا المبادرون على أن ما يهدد سلامة العراق لا يقتصر على تواجد القوات الأمريكية والبريطانية، أو قوات الدول الأوربية والآسيوية الأخرى فحسب، بل تواجد العصابات الطائفية المرتبطة بإيران كعصابات بدر، وميليشيات الأحزاب الكردية. هل بإمكان المبادرين أن يفيدونا، تحقيقًا لأية ضرورات وطنية يطالب المدافعون عن أمن العراقيِّين وشرفهم وكرامتهم، بالتخلي عن سلاحهم قبل إتمام المراحل النهائية لبناء الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي؟

هل لعراب المبادرة إن يفتينا مَن الذي سيحمي شعب العراق من وحشية الصفويين الجدد، أو ميليشيات الأحزاب القومانية الكردية؟ هل ستحميهم بنادق فرسان "ندوة بيروت" بقيادة وزير الداخلية أو وزير العدل المرتقب في حكومة "ندوة بيروت" عبد الحسين شعبان؟ أم وزراؤها التكنوقراط المحايدون؟ أم ستحميهم القوات العربية التي تشير إليها الفقرة الثامنة من المبادرة؟

4 - يحتوي مضمون الفقرة (3) أهمية كبيرة لكونها تعكس آلية تشكيل حكومة عراقية، وتحدد بشكل عام صلاحياتها. هذه الأهمية تفرض علينا التوقف بإمعان وبشيء من التفصيل أمام ما تضمنته الفقرة.

ا - تشير الفقرة إلى "يتم الاتفاق، من خلال مجلس الأمن، وبالتشاور مع المقاومة الوطنية والقوى الوطنية السياسية التي لم تتعاون مع الاحتلال على اختيار رئيس وزراء للعراق، لفترة انتقالية لا تزيد عن سنتين." الملاحظة الأولى على هذه الفقرة أنها لم تحدد هوية الإطراف الأساسية للاتفاق. الاتفاق بين من ومن؟ المسلَّم به أن الإدارة الأمريكية تمثل الجانب الأول من معادلة الاتفاق، لكن مَن يمثل الجانب العراقي؟ جماعة "ندوة بيروت" أم غيرهم؟ وإذا كان الجواب إيجابًا، فلماذا أذًا سبق لمخططي الندوة و عدد من المشاركين بها أن تنكروا لنواياهم؟، واتهموا منتقدي ندوة بيروت بالمغالطة والمبالغة حين طرح أولئك الكتَّاب بأن المجتمعين في بيروت يقدمون أنفسهم كخيار سياسي؟، وأن ما يجري في بيروت لا يبتعد عن كونه مشروعاً سياسياً مصمماً بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية؟!. مشروع يستند على طبخة قوامها مجلس الأمن، والجامعة العربية، وشخصيات عراقية لم تتعاون علنا مع الإدارة الأمريكية، لكنها تحظى بموافقتها!. الفقرة تشير أيضًا إلى أن اختيار رئيس الوزراء يتم بالتشاور مع المقاومة الوطنية العراقية، والقوى الوطنية السياسية التي لم تتعاون مع الاحتلال! من المشروع أن نتساءل، لماذا يقتصر دور المقاومة على الجانب التشاوري؟ هل يتفق معنا أصحاب المبادرة في أن العلاقة بقيادة المقاومة يجب ألاَّ تكون مجرد علاقة تشاورية؟، بل يجب أن يكون لقيادة المقاومة القرار الحاسم في تسمية رئيس الحكومة وأعضائها، لكونها الجهة الوحيدة التي تملك الشرعية الوطنية في العراق، ولأنها الجهة التي ألحقت بالعدو المحتل الهزيمة من خلال دماء أبطالها البررة، ومن خلال مشروعها الوطني الذي سيلحق الهزيمة بالمحتلين، ويدحر مشروع احتلالهم ، سواء قدم البيروتيون مبادراتهم أم لا.؟! كما أن طرح قضية التشاور مع القوى التي لم تتعاون مع الاحتلال يتضمن الكثير من الغموض والعمومية. فإذا كان التشاور مع قوى سياسية أخرى أمرًا مطلوبًا، فإن التشاور يجب أن يتم مع القوى التي دعمت المقاومة الوطنية العراقية علنًا، ومع تلك التي لم تتعاون ولم تتعامل مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية سواء بعد الاحتلال أو خلال مرحلة التمهيد له، لا مع قوى هامشية أنتجتها الدوائر الأمريكية والبريطانية.

ب - لا نفهم أسباب منح ممثل الأمم المتحدة دورًا في تحديد تركيبة الحكومة العراقية حتى وإن كان دورًا غير ملزم! هل أن شعب العراق في حاجة إلى خدمات المؤسسة التي قدمت غطاء لاستباحته على الرغم من عدم شرعية الحرب؟ هل أن شعب العراق بحاجة إلى وصاية جديدة؟ أم أن مصادرة القرار الوطني العراقي ما تزال نافذة. وها المطلوب تبديل خليل زادة بمندوب سامٍ جديد مغلف بعلم ازرق؟

ج - أن أكثر ما في مضمون الفقرة (3) غرابة، هي تركيبة الحكومة العراقية المقترحة ومواصفاتها. فالفقرة تنص على تفويض رئيس الوزراء المتفق عليه صلاحية اختيار وزراء من "الكنوقراط ومن عناصر حيادية غير حزبية". فيا لها من صفات! هل حقًا أن شعب العراق في هذه المرحلة التي لا يختلف أي مراقب موضوعي على كونها من أخطر المراحل في تاريخ العراق الحديث بحاجة إلى قادة محايدين، أم إلى عناصر واعية ومسؤولة وملتزمة بمشروع وطني وقومي جامع! عناصر ذي مواقف وطنية واضحة وصلبة! هل لعراب المبادرة أن يحدد لنا ما المقصود بالحيادية؟ وكيف يمكن لأي مواطن أن يقف على الحياد من استباحه شعبه؟ وتحديدًا كيف يمكن لأي عراقي أي يقف على الحياد؟ وهل صفة الحيادية تشمل رئيس الوزراء القادم أم الوزراء فقط؟ فإذا كان المقصود بحيادية الوزراء أنهم لا يملكون موقفًا سياسيًا محددًا، فالمؤكد أن شعب العراق ليس بحاجة لعناصر عديمة الموقف، وخاصة تلك التي لا تملك موقفًا داعمًا بشكل جلي لحق شعب العراق المطلق بالمقاومة المسلحة، ولم تقف ضد كل المخططات التي استهدفت شعب العراق منذ بداية التسعينيَّات.

د - أن أكثر ما تضمنته المبادرة من استفزاز يكمن في إلغائها حق قيادة المقاومة المشروع في إدارة العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية، وإحلال عناصر محايدة لهذه المهمة التي يسيل لها لعاب شركاء أحمد الجلبي، ويسعى للحصول على دور فيها الذين يبدو أنهم قد توصلوا إلى اتفاقيات نفطية مع الشركات الأمريكية! هل يريد المبادرون أن يقولوا لنا بأن دور المقاتلين المقاومين يقتصر على تقديم الدماء فقط خلال مرحلة التحرير، و أن لا مكانة أو دورًا لهم في قيادة العراق المحرر؟ فإذا كان الجواب نفيًا، فكيف بحق دماء شهدائنا يطرحون على شعب العراق قبول حكومة تتألف من عناصر حيادية لم تقدم لتحريره أي جهد يذكر؟

هـ - تقترح الفقرة أيضًا منح الحكومة المنبثقة استنادًا للمبادرة الحق في "إعادة النظر، أو إلغاء أو تعديل، جميع القوانين والأنظمة والأوامر الصادرة منذ احتلال العراق حتى تاريخ الاتفاق، وكذلك أية قوانين وأنظمة وتعليمات صادرة قبل الاحتلال".

مجددًّا، تتعامل المبادرة بشكل متساوٍ مع إجراءات اتخذتها سلطة احتلال غير شرعية، وحكومة وطنية شرعية. فإلغاء جميع القوانين التي شرعت بعد الاحتلال (لا إعادة النظر فيها) يعتبر واجبًا وطنيًا ملزمًا للحكومة العراقية التي ستستلم مقاليد الحكم بعد انتهاء الاحتلال، بدون أي تأخير أو مرونة.

أما إعادة النظر في، أو إلغاء، أو تعديل القوانين والأنظمة والتعليمات الصادرة عن الحكومة العراقية الشرعية قبل الاحتلال، فليس من حق المبادرين القيام بذلك، لأنهم لا يملكون من الشرعية الوطنية ما يخلوهم القيام بذلك. فشرعيتهم تستند في أفضل أحوالها على اتفاق مع القوى التي استباحت العراق، ومع المؤسسات التي قدمت الغطاء الشرعي للاستباحة. تحديدًا منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. هل يقترح علينا المبادرون بأنهم الورثة الشرعيون للقيادة العراقية الشرعية المعتقلة في أقفاص العز والشرف؟ قد يكون من الضروري أن نكرر مرة أخرى حقيقة يدركها السيد حسيب أكثر من غيره، الشرعية الوطنية سواء في مرحلة التحرير أو بعد إنجازه تنحصر في قيادة المقاومة الوطنية العراقية دون غيرها، بغض النظر عن مساهمة الخبرات الكنوقراطية وتاريخها لهذه الجهة أو تلك.

5 - برهنت الفقرة التاسعة جميع الملاحظات والمخاوف التي سبق أن ساقها منتقدو ندة بيروت،وأكدت بأن تلك الندوة لم تكن مجرد ندوة بحثية بل مشروعًا سياسيًا ذا أهداف واضحة. الفقرة تتضمن جملة من الثغرات المثيرة للتساؤل التي يجب توضيحها لأبناء شعبنا.

تحدد الفقرة واجبات الحكومة الجديدة المنبثقة عن المبادرة، بالإضافة إلى ما حددته الفقرات الأخرى. فالمادة (أ) تطالب الحكومة بـ "اختيار مجلس استشاري من (100-150) شخصًا من القوى السياسية والشخصيات والكفاءات العراقية التي لم تتعاون سياسيًا مع الاحتلال، وتكون اجتماعاتها ومداولاتها مغلقة ولا يعلن عن مناقشاتها." نود أن نثبت الملاحظات التالية راجين أن يتسع صدر الديمقراطيين من جماعة "ندوة بيروت" الرحب لها.

* من الواضح أن الحكومة منحت نفسها وممثِّل الأمم المتَّحدة دون غيرهما الحق في اختيار المجلس الاستشاري دون استشارة المقاومة الوطنية أسوة بالخطوات الأخرى. ولا أخالنا بعيدين عن الصواب إذا قلنا بأنَّه حال تحقيق الفكرة، سيكون جل أعضاء المجلس الاستشاري من العراقيين المشاركين في ندوة بيروت، أو الذين يختارهم السيد حسيب بدقة ولأسباب يعرفها أكثر من غيره!

ولا نعتقد أن السيد حسيب يختلف معنا إذا ما قلنا بأن الغالبية المطلقة من أعضاء المجلس الاستشاري، إذا ما تحققت الفكرة، يجب أن يكونوا من عراقيي الداخل، الذين لم يتعاملوا أو يتعاونوا مع الحكومات التي عادت شعب العراق في أيَّة مرحلة زمنية، وخاصة تلك التي تعاونت مع الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية ضد حكوماته السابقة. فعدم التعاون مع تلك الحكومات بعد الاحتلال لا تصلح بمفردها أن تكون مؤهلا وطنيًا لسياسي مرحلة ما بعد التحرير.

* كما أننا لا نفهم ما هي مبررات أن تكون اجتماعات المجلس الاستشاري مغلقة، وألاَّ يقف شعب العراق على مداولاتها! لماذا هذا التخوف من الشفافية السياسية؟

* تجعل المادة (ج) من الفقرة التاسعة البحوث المقدمة في ندوة بيروت، على الرغم من ثغراتها السياسية والأكاديمية، وعلى الرغم من أن الندوة أو المشاركين فيها لا يتمتعون بأيَّة أهلية تمثيلية لشعب العراق، برنامجًا سياسيًا للعراق. وتجعل من دستور عبد الحسين شعبان دستورًا مؤقتًا للعراق خلال مرحلة السنتين الأولى لانسحاب القوات المحتلة. لا بل وتقترح أن يكون الدستور المذكور القاعدة القانونية التي يسند عليها قانون انتخابات مجلس النواب والشيوخ!.

مرة أخرى، يقدم "البيروتيون" أنفسهم كورثة شرعيين للحكومة العراقية وبديلا منها، ويعطون لأنفسهم الحق في إحلال دستور لا يملك أي قدر من الشرعية بديلا من دستور العراق الشرعي بصرف النظر عن فجوات دستور العراق المؤقت.

من الغريب أن يصادر المعترفون بعدم شرعية الاحتلال، الشرعية الوطنية للحكومة العراقية الأسيرة في سجون العدو الأمريكي، بدلا من الإصرار على عودتها والتفاهم معها بشكل إيجابي على إعادة بناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية على أسس ديمقراطية، وعلى مبادئ التعددية الحزبية، بشكل يساهم في إعادة بناء العراق الحر المزدهر، لا أن يقدموا مشاريع متقاطعة مع مصالح شعب العراق في هذه المرحلة التاريخية، وأن يعطوا لأنفسهم شرعية لا يملكونها، ويسعون لتحقيق أحلام لن تتحقق. وللموضوع صلة.