إدارة الخلافات العربية

د. عصام نعمان *

ينشغل الزعماء العرب هذه الأيام، أو هكذا يبدو، في مصالحة بعضهم بعضا. فالخلافات بين الفلسطينيين، حكاماً ومنظمات، استدعت في الماضي، كما في الحاضر، تدخلاً مصرياً فاعلاً. والخلافات بين العراقيين، قوميات وطوائف وزعماء، استدعت في الماضي، كما في الحاضر، تدخلاً أمريكياً بلغ مستوى شن الحرب، عملياً، على البلد الذي ينتمي إليه المختلفون جميعا من جميع الملل والنحل. حتى إذا عجز الغازي الأمريكي عن مصالحة العراقيين بما يؤمّن مصالحه، أوعز إلى أصدقائه العرب بتنظيم مؤتمر للوفاق الوطني في القاهرة من اجل تدوير الزوايا لجعل الانتخابات التشريعية ممكنة. أما الخلافات بين اللبنانيين، طوائف وحكاماً ومحكومين، فتكاد تكون طريقة حياة، وهي تستدعي دائماً تدخلاً أجنبياً وعربياً. ويبدو أن الأمريكيين المنشغلين بمشاكل إقليمية شتى هذه الأيام، حضّوا أصدقاءهم العرب، لاسيما مصر والسعودية، على مصالحة اللبنانيين، بعضهم ببعضهم الآخر، وعلى إزالة التوتر بين حكام لبنان وسوريا.

غني عن البيان أن للأجنبي دوراً فاعلاً في توليد الخلافات بين البلدان العربية وفي داخلها بين أبناء شعوبها، لكنه ما كان ليحصد مكاسب وازنة من تطبيق تقليده الأثير المعروف بـ"فرّق تسد" لولا حالة الانقسام والتشرذم والتأزم التي تطبع العلاقات في داخل الشعوب والمجتمعات العربية. فالخلافات المزمنة المستشرية في داخلنا وبين حكامنا عبر الحدود المصطنعة التي رسمها لنا الأجنبي نفسه على مرّ التاريخ، كانت دائما ثغرات ومنافذ يتسلل منها (الأغيار) للنيل منّا فرادى وجماعات.

ليس من قبيل المغالاة القول أن السمة الغالبة لتاريخ العرب المعاصر هي الخلافات المزمنة والمتجذرة ومحاولة إدارتها على نحوٍ يحصرها من دون أن ينهيها. أليس محزناً ومحبطاً أن جامعة الدول العربية - وهي أول منظومة إقليمية تألفت في القرن الماضي - انشغلت عن مهمتها الأساسية في توفير أسباب الوحدة والتضامن والتعاون بين أعضائها بمحاولة إدارة الخلافات المستشرية بينهم. حتى إدارة الخلافات كان ممنوعا على الجامعة أحيانا كثيرة مباشرتها، إذ كان المطلوب منها السكوت عن الخلافات وتركها تتفاعل وتتناسل.

الاختلاف سمة بشرية نابعة من تنوّع الناس وتمايزهم، لكن الاختلاف لا يستوجب الخلاف بالضرورة. فالأفراد، كما الجماعات، يختلفون في أمور ويتفقون في أمور أخرى. العلاقات بين الناس سلاسل لا متناهية من الاتفاقات والاختلافات، فلماذا هي بين العرب سلاسل صلبة من الخلافات الحادّة؟

لقد مرّت أمم وشعوب عدّة، عبر تاريخها، بحال من الخلاف الحادّ، لكنها تمكّنت من تجاوزها نحو حال من الاختلاف، أي من التنوع في الرأي والرؤية والسلوك من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى خلافات عميقة مستحكمة. أما العرب فإن حالة الخلاف بينهم طالت كثيراً ولم تتطور إلى حالة الاختلاف، أي التنوع في الرأي والسلوك، وصولا إلى حالة الوفاق والتعاون.

لهذه الظاهرة المزمنة أسباب عدّة لعل أبرزها عامل نفسي هو عدم قبول الآخر. فالآخر عند العرب عدو أو هو بمثابة ذلك. وعندما يكون الآخر عدواً فان احتمال الخلاف معه، وليس مجرد الاختلاف، يصبح شديد الحضور والتحقق. والآخر يمكن أن يكون فردا أو جماعة، لذا الخلاف يكون بين أفراد كما بين جماعات أو بين فرد وجماعة.

لعدم قبول الآخر في الحياة العربية أسباب اجتماعية دونما شك، لكن هذه الظاهرة بقيت عصيّة على المعالجة بدليل امتدادها نفسياً وزمنياً إلى الوقت الحاضر، فهل نستمر معها على ما نحن فيه، وإلى متى؟

ثمة حاجة عميقة لمعالجة جذرية لظاهرة الخلافات العربية المزمنة. المعالجة صنفان: واحدة للمدى البعيد تتناول جذور الظاهرة وأبرزها آفة عدم قبول الآخر، وثانية للمدى القصير تنصبّ على معالجة الأزمات الوطنية في داخل كل قطر عربي والأزمات السياسية بين الأقطار العربية المتنافسة والمتصارعة.

المعالجة الجذرية البعيدة المدى تنطوي على رؤى ومناهج وأساليب مختلفة لا يمكن حصرها وتقنينها والتحكم بها في مرحلة معينة. إنها مسار حضاري ممتد في الزمن لا نملك حيال شروطه الموضوعية إلا ممارسة فعل أو أفعال ذاتية تسهم في تسريع وتيرته. أما المعالجة الإصلاحية القصيرة المدى فتنطوي على أفكار ومبادرات ومقاربات محددة يمكن تكثيفها وتنفيذها والتحكم بمسارها، خصوصا متى خلصت النيات واستنفرت العزائم.

في المعالجة الإصلاحية يقتضي وعي الظروف والتحديات الموضوعية الراهنة التي تحيق بالعرب حاكمين ومحكومين، واستشراف أبعادها ومخاطرها، وحسم المواقف الذاتية حيالها على نحوٍ يؤدي إلى مواجهة التحديات والأزمات الراهنة تفادياً لمصائر كارثية. مطلوب حلّ تفادياً لانحلال أو تسوية تاريخية تفادياً لعاقبة كارثية.

بكلام سياسي، مطلوب على المستوى القطري كما على المستوى القومي تحديد نقاط التلاقي والتضامن وتعميقها، وإقصاء نقاط التجافي والتباعد وإهمالها.

نقاط التلاقي يصار إلى ترجمتها على المستوى القطري بقوانين وإصلاحات وممارسات تؤمن العيش المشترك، وتكفل مساواة المواطنين أمام القانون، وتكرّس تكافؤ الفرص، وتحرص على العدالة، وتوفر التنمية وتتجه نحو الديمقراطية بصبر وجدية.

نقاط التلاقي يصار إلى ترجمتها على المستوى القومي باتفاقات ومبادرات وممارسات تقدّم التناقض مع العدو على الاختلاف مع الأخ والصديق، وتعمّق الوئام والتضامن بين الدول الشقيقة والصديقة، وتؤمّن المصالح العليا المشتركة، وتحرص على حلّ النزاعات بالتفاوض، وتقيم مؤسسات قومية للتعاون والتكامل.

في أثناء مباشرة المهام الآنفة الذكر، يقتضي المبادرة إلى معالجة الخلافات في داخل الأقطار، كما بين الأقطار، بالتفاوض مع مراعاة مسارات ومبادرات الإصلاح ومعالجة النزاعات على المستويين القطري والقومي السابق ذكرها. من هنا يتأكد دور جامعة الدول العربية على صعيد احتواء الخلافات ومعالجتها من خلال آليات التفاوض المتوافرة أو الممكن ابتداعها.

في كل ما تقدّم بيانه، لا سبيل إلى تحقيق نجاح ملموس ما لم يحسم المسؤولون العرب أمرهم ويقررون بحزم أن يعوا المخاطر الجسيمة لما نحن فيه والوضع الأسوأ الذي نحن متجهون إليه، وأن يلتزموا الجدّية في ما يقررون اعتماده من حلول وتسويات نهائية أو مرحلية، وأن يتوخوا الصدق مع أنفسهم ومع شعوبهم ومع نظرائهم في داخل الأقطار أو فيما بينها.

العرب اليوم، قطرياً وقومياً، في حضيض وجودهم التاريخي، فلا مرتبة أدنى من الحضيض إلاّ الانحلال والاضمحلال.

أليس لليل العُرْب آخر؟

* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان