المنافسة الحرة أساس التطور

بقلم: الدكتور لويس حبيقة – لبنان

تهدف إدارة كل شركة، مسؤولة وأخلاقية، إلى رفع القيمة السوقية لأسهم المؤسسة. هنالك إدارات متقاعسة في بعض الشركات تؤمن مصالحها ولا تسعى إلى تحقيق مصالح أصحاب الشركة. يكون مصدر التقصير حتما من الجانبين، أي غياب المهنية والأخلاق من جهة كما غياب التقدير والحوافز من جهة أخرى. نقصد بغياب المهنية أن يهدف المدراء إلى الحفاظ فقط على مراكزهم ومنافعها، فلا يسعون إلى المخاطرة والتجديد والابتكار. هنالك أمثلة دولية مهمة لرؤساء ومدراء عامين لشركات سعوا الى الهيبة والعظمة عبر التكبير الذي لم يؤد إلى تحقيق الأرباح، فسقطوا مع تكلفة عالية. على سبيل المثال، إن مسيرة "جان فرانسوا ميسيي" Messier رئيس شركة فيفينديي “Vivendi Universal” معروفة. نقل المؤسسة بسرعة، لكن دون دراسة معمقة وعناية كافية، من شركة مياه متخصصة مهمة إلى شركة دولية ضخمة متنوعة الاستثمارات والأهداف، خاصة في الإعلام والاتصالات. فضل العظمة والضخامة على الربحية، فسقط بعد أن كلف الشركة وأصحابها الكثير. المدير العام الناجح هو الذي يأخذ القرارات الصعبة الخطرة وغير الشعبية لمصلحة أصحاب الشركة وزبائنها، والتي تنعكس إيجابا عليه مع الوقت. مسيرة كارلوس غصن في شركة "نيسان" للسيارات في هذا الإطار معروفة، اذ قرر مضطرا صرف العديد من الموظفين وتخفيض كل جوانب تكلفة الإنتاج لإنقاذ الشركة من الإفلاس. نجح بالرغم من الصعوبات الثقافية والإدارية والتاريخية اليابانية، وها هو انتقل منذ أشهر إلى إدارة الشركة الأم "رينو" ليحقق ربما نتائج باهرة مماثلة.

من الشروط الأساسية للنجاح تحقيق أرباح سنوية تشكل عائدا كافيا لأصحاب الأسهم. إذا لم يغط العائد المرتقب حجم المخاطر، يلجأ المستثمرون إلى الأدوات الأقل خطورة وفي مقدمها السندات وشهادات الإيداع. فالسندات هي على أنواع، وأقلها خطورة هي سندات الخزينة وبعدها سندات الشركات الكبيرة فالصغيرة. ما يبرر تحقيق الأرباح ليس فقط استمرارية الاستثمارات، وإنما حسن توزيع الموارد بين القطاعات والمناطق ورفع مستوى الدخل الوطني. ما يساعد على تحقيق الأرباح هي الحملات الإعلانية والتسويقية التي تقوم بها بعض الشركات للتأثير على رغبات المستهلكين وبالتالي الانتصار على المنافسين. لا يمكن لهذه الحملات أن تنجح إذا لم تطور الشركة إنتاجها، أي تجدد سلعها وخدماتها لبيعها للمستهلك الواعي أكثر فأكثر لمصالحه وحقوقه. التجديد يعني التغيير وهو ما يجب أن يقوم به أي مدير عام أو رئيس شركة واع لمصلحته ومصلحة أصحاب الشركة. يؤدي التجديد إلى رفع إنتاجية الشركة ومستوى الدخل القومي إذا تعممت ثقافته على كل المؤسسات. يساهم التجديد الناجح في زيادة الأرباح الحالية والمستقبلية للشركة. انتشرت ثقافة التجديد في الولايات المتحدة بدأ من سنة 1995 مما سمح للإنتاجية بالنمو بنسبة سنوية قدرها 3,1%، أي زادت مرتين مقارنة بفترة 1970- 1995. ما حدث في أميركا حدث أيضا في أوروبا وانتقل إلى معظم الدول الناشئة بانتظار انتقاله إلى الدول النامية. هنالك مصدران أساسيان للزيادة في الإنتاجية:

أولا: التطور التكنولوجي المستمر الذي يخفض تكلفة إنتاج السلع الحالية، مما يعني عمليا انتاج سلع أكثر بعوامل الإنتاج نفسها. يشكل هذا الواقع مصدرا مهما لزيادة الدخل الحقيقي ومستوى المعيشة كما يعتبر دافعا قويا للنمو الاقتصادي. ينبع هذا التطور التكنولوجي من البحث الداخلي في الشركة كما من تحسن نوعية بعض وسائل الإنتاج، أي نوعية المواد الأولية والمعدات الآلية كما إنتاجية اليد العاملة بفضل التدريب.

ثانيا: تجديد وتحسين السلع الحالية وإنتاج سلع جديدة مفيدة أكثر للمستهلك أو متجاوبة أكثر مع خياراته وأفضلياته. تساهم هذه العملية في زيادة قيمة السلع في السوق بفضل الطلب. ينتج هذا التغيير المهم عن وسائل إنتاج جديدة وحديثة كما عن تصميم مختلف أو جديد للسلع المنتجة. تشجيعا لهذه العملية التغييرية، لا بد من حماية حقوق المخترع عبر قوانين تحفظ له حقوقه وان شكلت قيودا على حرية السوق. تشكل هذه الحماية القانونية دافعا للتجديد والابتكار والتغيير، فيستفيد المخترع مباشرة كما يستفيد المستهلك من تنوع السلع المقدمة له.

تساهم المنافسة القوية بين الشركات إلى دفعها جميعها إلى التجديد والابتكار. الدافع الرئيسي للتجديد هو الحفاظ على أرباح مرتفعة عبر إرضاء المستهلك والموظف. لا يمكن لأية شركة أن تنجح إذا كان عمالها أو موظفيها غير راضين عن أوضاعهم أو إذا سلبت حقوقهم. المدير العام الواعي للشركة هو الذي يسعى في نفس الوقت إلى إرضاء الزبائن والموظفين، فيخلق بالتالي تكتل إنتاجي ناجح ومربح وفاعل. فالشركة التي لا ترضي زبائنها تخرج من السوق لأنهم سيتركونها عاجلا أم آجلا. أما الشركة التي لا تعامل موظفيها بحق وعدالة، فلا يبق فيها الا الموظفين غير المنتجين الذين لا يستطيعون الانتقال الى الشركات المنافسة. أما الذي يدفع المدراء إلى القيام بما يفيد أصحاب الشركة، فهي الحوافز المالية التي تربط دخلهم السنوي بالنتائج المالية للشركة. من الوسائل الحديثة المشجعة على هذا الرابط هي إشراك المدير في ملكية ومصالح الشركة عبر إعطائه أسهما فيها كجزء من المنافع السنوية التي يحصل عليها. يمكن تعميم هذا الرابط على جميع الموظفين مما يجعلهم يعملون أكثر لمصلحة الشركة.

تتعرض الشركات في كل الدول ليس فقط للمنافسة الداخلية وإنما للخارجية أيضا بفضل حرية التجارة، لأن المنافسة الحرة مهمة جدا للتجديد والابتكار، يجب المحافظة عليها عبر تشريعات تمنع سيطرة قلة من الشركات على السوق. لأن المنافسة يمكن أن تلغي الضعيف عبر الدمج والشراء أو عبر ممارسات غير شرعية من قبل بعض الشركات، يحاول المشترع في كل الاقتصاديات حماية المنافسة. فالمنافسة الحرة مهمة لأنها تؤدي إلى تقديم أفضل السلع للمستهلك بأفضل الأسعار. تعني المحافظة على المنافسة واقعيا حماية حقوق المستهلك أو المواطن واحترام حقوقه. تخضع عمليات الشراء والدمج في الدول الغربية لموافقة مؤسسات المنافسة الرسمية التي تتأكد من أن هذه العمليات لا تقتل المنافسة القطاعية. في أميركا مثلا في سنة 1984 قسمت شركة ATT للاتصالات إلى وحدات عدة لأنها شكلت خطرا على المنافسة. انخفضت حصة الشركة في السوق من 100% إلى 45% كما تدنت الأسعار. واجهت شركة مايكروسوفت دعاوى قضائية لأنها اتهمت بالتضييق على المنافسين وبإقفال القطاع أمام الشركات الجديدة.

تمنع قوانين حماية المنافسة الشركات من تحديد الأسعار أي الاتفاق عليها، كما تمنع عمليات الدمج التي تؤثر سلبا على المنافسة. المهم ليس عدد الشركات المندمجة، إنما حجم كل واحدة منها في السوق. فالدمج بين مطعمين في بيروت مثلا لا يؤثر على المنافسة، بينما مشروع دمج بين شركتي "بيبسي كولا" و"كوكا كولا" العالميتان يثير حكما اعتراضات من قبل المشترع والشركات الصغيرة المنافسة كما من قبل تجمعات المستهلكين. لا تهدف كل عمليات الدمج والشراء إلى القضاء على المنافسة وإنما إلى تخفيض تكلفة الإنتاج والاستفادة من عامل الحجم في البحث والتكنولوجيا والتطوير والإنتاج والتسويق. لذا ليس من الضروري النظر إلى كل طلب دمج بشكل سلبي، إنما يجب التأكد من أهدافه التي يمكن أن تكون محقة بل ضرورية وإنقاذية للشركتين. فضلت العلوم الاقتصادية منذ نشأتها أسواق المنافسة الحرة على غيرها لأنها تعطي أفضل النتائج للاقتصاد ككل. يضم الاقتصاد المنتجين والمستهلكين كما القطاع العام، وبالتالي يجب بحث تأثير كل السياسات الاقتصادية على كل من الوحدات الثلاث وجمعها لتقييم التأثير على الاقتصاد الوطني. تبقى المنافسة الحرة ضرورية جدا خاصة للتجدد الذي يعتبر ركيزة الاقتصاد الحديث.