الإرهاب البدري، واللعب بالنار!!

حياة الحويك عطية

هي معركة الموت، ولنسمها باسمها. وهي معركة الإرهاب ولنسمها باسمها.

أجل فهو موت الإمبراطورية الذي لا بد وأن يعني موت تابعيها ومن راهنوا على طغيانها، أو موت الوجود العراقي والعربي ومن يراهنون على انتمائهم وبلادهم وأمتهم. رهاناً يعرفون كلفته مسبقاً. وهو الإرهاب الذي مارسته الدولة الأولى في هذا الكوكب، ممارسة لم تبلغ تجلياته يوماً ما تبلغه الآن في العراق. لا لصدفة وإنما لأن العراق هو البؤرة التي سيحسم فيها مصير الإمبراطورية ومصير المشروع الصهيوني، الذي ماهى المحافظون الجدد بينه وبين الديمقراطية الأميركية. لذا فإن الإرهاب الأميركي في العراق هو نسخة مكبرة عن الإرهاب الصهيوني في فلسطين... وفي العراق أيضاً، حيث لا تخفى اليد "الموسادية" على مبصر. إرهاب، إن تجاوزنا الصورة العامة له إلى التفاصيل، وصلنا إلى قوائم الاغتيالات النيغروبونتية ضد العلماء العراقيين، التي يتعدى إجرامها الإرهاب السياسي إلى الإرهاب الإنساني. ووصلنا إلى فضائح التعذيب والانتهاكات لكل حرمات الحضارة والمجتمع.

وبما أن الناس على دين ملوكها، وبما أن ملك الاحتلال هو الأميركي المستعمر، وملك الأميركي هو الصهيوني الراسم للخطط والمحدد للخطوط، فإن التطور الجديد الذي قرأنا عنه قبل يومين، هو نقل هذا الإرهاب الأميركي الصهيوني - الأميركي إلى الساحة الدولية وتحديدا الأوروبية. لإخراس الأصوات العراقية التي تجد في ساحات الحريات الأوروبية مجالاً لقول كلمة لا تستطيع قولها على ساحات الوطن العربي، ويتم خنقها والتعتيم عليها على الساحة الواقعة تحت الاحتلال المعلن. غير أن الجانب المثير في الخبر الذي وزع على الانترنت أنه قد تم تدريب فرق اغتيالات تابعة لـ"منظمة بدر" على القيام بعمليات ضد عدد من الرموز العراقية في أوروبا، من مثل عوني القلمجي ونوري المرادي وباقر الصراف ومحمد العبيدي وندى الربيعي وغيرهم. مسألتان تستحقان التوقف في هذا الخبر، سواء ثبتت صحته أو لم تثبت: الأولى أن الاحتلال قد أوكل الأعمال القذرة لفصيل من العراقيين المتعاونين معه، وما هذا التفويض الممنوح لـ"فيلق بدر" على الساحة الدولية إلا امتداد للتفويض الذي ثبت منحه على الساحة العراقية نفسها. مما يذكرنا بمقولة انطون سعادة حول تقدم خطورة "يهود الداخل على يهود الخارج"، إذ أن أذى هؤلاء يكون مثلث الأضلاع، فهم أقدر على التنفيذ لأسباب كثيرة، وهم الممسحة النموذج التي تمسح بها قذارة الجريمة عن وجه الاحتلال، لتلقى على وجه العراقيين، ثم أنهم وبارتباطاتهم المعروفة بإيران سينفعون لتأجيج نار الشرخ الطائفي العراقي بالدم والغدر، ويبقى أن الله وحده يعرف ما هي امتداداتهم وتحالفاتهم على الساحة الأوروبية المزروعة بـ"الموساد" وغيره من الأجهزة الغربية والعصابات الصهيونية والمافيات الإجرامية. وهنا يجدر التذكير بالبيان الذي وزعته (رابطة الدفاع اليهودية) على الانترنت عقب الاحتلال، بعنوان: "صناع الحرية" وحيت فيه ثلاث شخصيات على رأسهم (بيان جبر) وزير داخلية الاحتلال في العراق، لتعقبه ببيان آخر تطالب فيه هؤلاء الصناع بتنفيذ التعهدات التي قطعوها لها مقابل المساعدة التي قدمتها لتهيئة الاحتلال. دون أن ننسى أن هذه المنظمة هي المنظمة الأكثر تشدداً ودموية من بين المنظمات الصهيونية في العالم، بحيث أن الـ(أف بي آي) نفسها قد وضعتها في المرتبة الثانية على قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة. وهي تلك التي يعرف امتدادها "الاسرائيلي" بمنظمة "كاهانا حي" نسبة إلى "الحاخام مئير كاهانا".

أما المسألة الثانية فهي تلك التي تعيد إلينا وجه غسان كنفاني وكمال خير بيك وكمال ناصر... فما الذي يفعله هؤلاء العراقيون المطروحة أسماؤهم للتصفية؟ إنهم مجرد رجال كلمة، كلمة مناضلة، سياسية كانت أم فكرية. وإذا كان ذلك لا يعني إطلاقاً أننا لا نعرف أهمية الكلمة الحق، خاصة في صراع قام بكليته على الأكاذيب ولي الحقائق وتشويه الصور، وإذا كانت وجوه المناضلين الفلسطينيين الشهداء لا تطل علينا إلا لتقدم لنا برهاناً على ذلك، مرتبط بالبرهان البديهي على إرهاب "الدولة العبرية"، فأن أحداً لا يمكنه إلا وأن يتساءل عما إذا كانت الإدارة الأميركية قد وصلت إلى حالة من الانتحار القيمي والوقاحة الرهيبة التي تجعلها تتشدق ليل نهار بـ"الحريات ومحاربة أنظمة القمع والديكتاتوريات"، في حين لا تتورع عن دفع عملائها وأدواتها لعمليات إرهابية لا هدف لها إلا إخراس الكلمة؟ غير أننا لا نطرح هذا التساؤل إلا ونحن نعرف الجواب جيداً حول انهيار القيم وحول الوقاحة، إضافة إلى عنصر آخر واضح هو اشتداد ضراوة المعركة بما يعمق المأزق الأميركي من جهة والمأزق العراقي من جهة أخرى، ويسقط آخر أوراق التين عن الجميع. غير أن الجانب الأخير الذي يظل محيراً هو ذلك السؤال عن البعد الانتحاري، سؤال لا يطاول الولايات المتحدة فحسب، وإنما يمتد إلى جماعة "فيلق بدر" ومن ورائهم إيران نفسها. إذ أن تصعيدا إجرامياً كهذا لن يكون من شأنه إلا تأجيج نار لن يكون "البدريون" بمنأى عن جوعها، ولن يكون لتوسع انتشارها إلا وأن يهدد إيران نفسها، في حين أن بمقدور الدولة الفارسية أن تضبط صنائعها، لأجلهم ولأجلها على الأقل.. إنه اللعب بالنار، وأي نار!!