قانون محاسبة مصر!!..
حياة الحويك عطية *
أهي من باب المفارقة المصادفة أن تترافق زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى مصر، مع تصويت الكونغرس الأميركي على قرار شديد اللهجة ضد مصر ؟ وهل تكتمل المفارقة عندما يكون النائبان اللذان قدما مشروع القرار هما اليانا روس وجاري ايكرمان، وكلاهما من المجموعة التي رتبت قانون محاسبة سوريا، كما أن روس هي التي نظمت في الكونغرس الأميركي نشاطات اللبنانيين المعادين لسوريا بعد 11 أيلول.
وكانت وراء النشاط الحثيث لإدراج "حزب الله" على قائمة المنظمات الإرهابية. وهل لأحد أن يتهمنا بالهاجسية عندما ننتبه إلى أن روس وايكرمان هما يهوديان صهيونيان متشددان؟ هل يمكن ألا يذكرنا ذلك بعنوان "معاريف" خلال الحرب على العراق: (اليوم العراق وغدا سوريا والسعودية)، ما مصر فهديتنا الكبرى)!؟
التكتيك الأميركي بالنسبة للأهداف الثلاثة الأخيرة، يختلف بالطبع عن ذلك الذي اتبع في العراق. فإذا كانت القوة والعناد العراقيين قد استحقا حرباً أميركية عسكرية دفعت الولايات المتحدة وما تزال تدفع ثمنها غالياً، فان ما بعد سقوط الجدار الاستنادي لم يعد يقتضي الحرب وإنما تتحقق الفائدة الأقل تكلفة بالضغوط السياسية والاقتصادية. ضغوط لا تكتفي الولايات المتحدة بان يكون من يمارسها هو واشنطن وحلفاؤها الغربيون، وإنما تحتاج لها، واستكمالا لعملية الخنق إلى أيد عربية تساهم في الضغط على العنق، إلى تحويل الأنظمة العربية إلى عصي بيد الأنكل سام أو الأنكل يهوه، يضرب بكل منها رأس الآخر. وبما أن الدور الآن هو على سوريا فان المطلوب من مصر أن تتجاوز دور السمسار الإقليمي إلى دور أشد قساوة وأكثر حماسا في الضغط على عاصمة الأمويين. وهذا ما يتأمن بشكل نموذجي عبر تشديد الضغوط على نظام حسني مبارك، بحيث تشكل هذه الضغوط، إضافة إلى دورها المرسوم حاليا ضد سوريا والفلسطينيين والعراقيين، تمهيدا لما يمكن أن يمارس ضد مصر نفسها في المستقبل.
النظام المصري مطالب اليوم، لقاء حياته، بلعب دور متعهد السياسة الأميركية، من مؤتمر ما سمي بالوفاق الوطني العراقي، والذي لم يكن في واقع الأمر إلا تهيئة الأرض للعملية الانتخابية الأميركية في العراق، وإنقاذاً لجورج بوش الغارق في المستنقع العراقي، إلى الأدوار المعروفة بالنسبة للسلطة الفلسطينية، والى النصائح والضغوط التي تمارس على بشار الأسد. والنظام المصري يفهم هذا المطلب ويسعى بكل جهد دؤوب إلى تلبيته، لكن قادة سياسة الدولة الكبرى في العالم العربي، لا يتروون قليلا، لينظروا في وجه بشار الأسد، ويروا فيه وجه أبيه الذي وقف معهم في الطابور الأميركي في حفر الباطن انطلاقا من الحسابات نفسها، الحسابات التي توهم أصحابها بأن تقديم خدمات للأميركيين والصهاينة يمكن أن تغير شيئا في استراتيجية هؤلاء تجاه المنطقة.
الم يعتقد حافظ الأسد أنه بموقفه ذاك إنما ينقذ سوريا؟ وها هي الصورة تكتمل، صورة الدور - الطابور الذي لا يحدد المواقع فيه إلا من رسمه، ولا يقرب أو يبعد موعد الاستحقاق إلا انشغال هذا الرسام باستكمال المحطة السابقة. عندما سقط العراق جاء دور سوريا وعندما تسقط سوريا سيأتي دور السعودية ومصر. الم تكن الصحافة "الاسرائيلية" واضحة ومباشرة في رسم المخطط البياني؟ غير أن ذلك كله لا يلغي حقيقتين وجوديتين: الأولى أن المخطط الأميركي الصهيوني إنما يعبر إلى تحقيق مآربه انطلاقا من نقاط الضعف التي رسخها النظام العربي وما يزال يفعل، والثانية أن العامل الوحيد الذي يمكن أن يقلب الطاولة هو مقاومة المخطط لا الاستسلام له، مقاومة تبدأ من معالجة هذه النقاط، وتنتقل إلى مواجهة ترفض الانصياع إلى الأميركي، ولعب دور العصا التي تكسر ظهر أهلها. فهل يستطيع نظام حسني مبارك أو أي نظام عربي آخر أن يفهم أن التنازل للداخل هو السبيل الوحيد لعدم الاضطرار إلى التنازل للخارج؟
* عن (الدستور) الأردنية 22/12/2005