بين خروج أمريكي ودخول إيراني: هل أزف دور المتورط الثاني في المستنقع العراقي؟
حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
يعرف الأمريكيون مع مَن يعقدون الصفقات، خاصة في مراحل الاصطدام بالطرق المسدودة، مثلما هو قائم في العراق اليوم، أو مثلما كان قائما في العديد من الأمم، التي أريد لها قسراً، أن تجري في الفلك الأمريكي دون اعتراض.
ويكابر المثقفون والسياسيون الايرانيون من محوري المحافظة والإصلاح، بأن موقف ايران التاريخي من العراق، لا شبهة عليه لجهة الاستقامة، ومع هؤلاء المثقفين والسياسيين، تبرز مراكز دراسات (اطلاعات) لكي تعارض بين الأفضل والمفضول، في موقف طهران من الغزو الأمريكي للعراق، حيث الأفضل (النظري) هو ممانعة الاحتلال، لكن المفضول هو إبقاء ايران على الحياد، للمانعة في التكافؤ بين قوة جبارة، وأخرى ضعيفة إزاءها، أو كما في استشهاد السيستاني الأثير (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) جاعلا الآية بديلا عن الجهاد.
وما كان لنا أن نعترض، لولا أن هذه الفتوى شابتها تقية مألوفة، واقعة بين ظاهر القول وباطنه، فمواقف ايران التي اشتقت منها الفتوى، قائمة في تذاكي التأويل لا نصوص التنزيل، ومع استعراض شريط التأويل، نعثر على مفارقات تاريخية، فبخصوص غزو العراق، فأن ايران (ادانت) الغزو ورفضت أن تضع مجالاتها البرية والبحرية والجوية في خدمة لوجستيات الغزو كما فعلت دول عربية. وهو تأويل سياسي وغير قرآني صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران (مديره الأستاذ ما شاء الله شمس الواعظين).
وبخصوص أفغانستان، فأن موقف ايران كان ينبع من استراتيجية الأمن القومي، الذي كانت حركة طالبان تهدده (يذكرنا بتهديد بغداد لنيويورك) في عدة مواقف مثل تهريب المخدرات الأفغانية إلى داخل ايران (المصدر نفسه).
وبخصوص فضيحة شراء السلاح من "اسرائيل" (ايران - كونترا) فـن ايران كانت قد وصلت إلى وضع خطير في إحدى مراحل الحرب مع العراق، ولذلك فهي مضطرة للشراء ممن يبيع (وكان العراق ما زال يعرض الصلح). وبخصوص موقف ايران من الشيطان الأمريكي، فأن "الثورة الإسلامية"، استبدلت جميع أسلحة الجيش الشاهنشاهية الأمريكية، بسلاح سوفييتي! وبخصوص الملف النووي، فأن مواقف أمريكا العدائية تجاه ايران ليست بحاجة إلى برهان.
من جهتنا نحن العرب، في العراق وغير العراق، فإننا لم نضمر شراً لشعب ايران، بل وقفنا إلى جانب كفاحه ضد نظام الشاه القائم على أساس من دعم أمريكا و"اسرائيل" وقوى النهب العالمية الأخرى، وكجيل من شباب مرحلة "الثورة الإسلامية" ضد الشاه، فقد رأينا نجوم القدس وهي تتلألأ في سماء إسلامية صافية، يخفق تحتها علم الله اكبر لا علم النهرين "من الفرات إلى النيل". لكن شيئاَ ما مقلوباً كان قد وقع، فقد أذهلنا النداء الصارخ بتحرير القدس عبر بغداد، وقد تساءلنا يومها، سؤال براءة اليفاعة السياسية، ترى لماذا عبر بغداد وليس مع بغداد؟! ثم أدركنا أن ثارات سقيفة يثرب، وحروب الجمل وصفين وكربلاء، ما زالت تتعقبنا نحن جيل اليوم، بعد ألف وأربعمئة سنة، كذلك أدركنا أن مدائن سعد وطاق كسرى ما زالت حمالة ضغائن قائمة في الصدور، وأن اللغة على وجه الإجمال، كانت فارسية، بطلاء إسلامي ما زال يرفع عقيرة الاحتراب حتى الآن. وفي الشريط التاريخي القريب فأن أطروحة عدم السماح الايراني بتمرير قوات أمريكية إلى العراق، (مثلما فعلت دول عربية معروفة) فأن التقية الباطنية تقوم على إغفال الطلب من الآخر، فهل حدث أن طالبت الولايات المتحدة بتمرير جيوشها إلى العراق من ايران، فإذا كان الأمر ليس كذلك، إذاً فكيف ترفض ايران طلبا غير معروض في الأساس؟
وأما التقية الباطنية الثانية فتتمثل في إغفال حقيقة الجيوستراتيجي للعمليات الحربية المخططة، فالمناورات العسكرية الأمريكية كلها، بحسب مذكرات قائد المنطقة الجنرال نورمان شوارزكوف، كانت مبنية أساسا على قواعد انطلاق من جنوب وغرب العراق وربما من شماله، لا من جهته الشرقية، وكلها مواضع تمركز للأمريكيين منذ ما يزيد على ثلث قرن، فكيف تطلب أمريكا من ايران، ما ليس موضوعا على خرائطها المعتمدة لشن العدوان، ولا تستطيع ايران أن تتباهي بعدم وجود قواعد أمريكية، طالما كان جيش الشاه يقوم بالنيابة، وأنه مع "الثورة الإسلامية"، كانت المنطقة تودع صراعها مع "اسرائيل"، فيما الكتلة الشيوعية تقترب من نهاياتها. في التقية الثالثة حول إدانة ايران للحرب على العراق، فإننا لا نعرف محلا للإعراب في حمولات إدانات، قد تأخذ طريقها إلى ورق المناشف في مراحيض واشنطن ولندن وتل أبيب، وايران قبل غيرها، تعرف بأن المسألة في الموقف على الأرض، لا في الإدانة على الورق، فقد برهنت الوقائع دون حاجة إلى تحويل الكلام، بأن أعظم الخدمات للاحتلال كانت قد قدمت من أشياع ايران في العراق.
أولاً: بانخراط الحزبين الكبيرين، "المجلس الأعلى" و"الدعوة"، في النشاط السياسي المنسجم مع خطوات الاحتلال وآلياته، منذ اليوم الأول لاحتلال بغداد، ومجيء الحاكم المدني غي ومن بعده بريمر.
ألم يكن نصف أعضاء "مجلس الحكم" الانتقالي بقرار من بريمر، هم من موالاة هذين الحزبين دون نشاز؟!
ثانياَ: بالسماح للميليشيات المسلحة، منظمة "بدر" و"حزب الدعوة"، بالدخول إلى العراق، تحت مظلة أمريكية، فيما الحرب لم تضع أوزارها بعد. وفي هذا المجال فأن ازدلاف الميليشيات من ايران، كان يتم بمباركة أمريكية وتحت بصر طائراتها (الاواكس) وأقمارها الصناعية العاملة دون توقف.
ثالثاً: إن أعظم خدمة للاحتلال، لم تكن في الحقيقة في المجالات الميدانية، لعدم الحاجة الاحتلالية، بل في الفتوى السيستانية على هوى ايران، فالسيستاني رفض مبدأ المقاومة المسلحة للاحتلال، ومن أجل بياض السجل فقد قال بمقاومة عجيبة لا معنى لها (وهذه من ضمن التقية الباطنية) ألا وهي المقاومة السلمية، فإذا بمقاومته تقود إلى الاعتراف بقانون إدارة الدولة (لواضعيه بريمر ونوح)، ثم لاحقاً، بتأييد انتخابات في ظل احتلال، ثم ليعد المستنكف بنار جهنم تشويه وتشوي آله أجمعين.
رابعاً: بسبب فتوى السيستاني الايرانية، فأن ما يربو على نصف الشعب العراقي، كان قد وقف وقوف المتفرج على الاحتلال بل والقابل بوجوده، طالما أن هذا الوجود هو الذي كسر شوكة العرب في مركز بغداد الحاكم.
خامساً: ثمة قوى بشرية لا تنقطع في جريان التسلل من ايران إلى جنوب العراق، تحت أسماء عراقية مستعارة إلى درجة أن مدينة ما، من أواسط العراق إلى جنوبه، لا تخلو من (غيتوات) فارسية ناشطة في مجالات شتى، من الجمعيات الخيرية والمعونات الاجتماعية، إلى دروس ولاية الفقيه، مرورا بتهريب الدخان والمخدرات والسلاح.. إضافة إلى الانتخابات والأيديولوجيات، حتى بات العراق، مع الورطة الأمريكية، مسرحا للمساومة مع ايران.
وليس صحيحاً أن الجزء الأعظم من قوام المساومة يتعلق بمقايضة العراق على الملف النووي الايراني، فايران طامعة بالعراق، قبل زمان الملف النووي، بل قبل "الثورة الإسلامية" وبعدها، فايران مع الخميني وبعده، دولة بمظهر ثيوقراطي وجوهر براغماتي، والدليل أن سياساتها الخارجية تجاه العرب، هي نفسها مع الشاه ومع "الثورة الاسلامية"، وقد قيل دائما بأن شط العرب العراقي نصفه لايران وأن عربستان ايرانية، وأن الجزر الإماراتية الثلاث ايرانية.. وبتاريخ 25 نيسان (ابريل) من عام 1980 سيصرح وزير الخارجية الايرانية آنذاك، صادق قطب زاده، في الكويت (بأن الجزر الإماراتية الثلاث هي جزر ايرانية وأن العراق نفسه فارسي الأصل).
لقد أصبح خيار المحافظين إزاء الغاطس العراقي محدوداً، بل ويكتنفه اضطراب السيناريوهات من كل جانب، فبعد فشل واشنطن في استجرار حلف الأطلسي، أو قوى أوروبية فاعلة فأنها استدارت إلى الحل العربي عن طريق جامعة الدول العربية، لكن الحل العربي لمشكلة العراق يصطدم برزمة من نقائض المصالح الإقليمية المودعة في وفاق ظاهري في مجلس الجامعة، فالمملكة العربية السعودية وفي فلكها دول الخليج لا تستطيع أن توافق على عراق ايراني بمصالح أمريكية وهذا في الجوهر، كما أن بلاد الشام، ترفض عراقاً في قوس الهلال الشيعي السياسي الحاكم من طهران إلى جنوب لبنان مرورا بسورية وتركيا بصفتها جواراً إسلامياً للعراق والمنطقة، ترفض أن يكون للأكراد دولة في شمال العراق، لأن ذلك في أسس هاجسها الأمني، والوساطة العربية تجري في حمي استقطابات حادة، لا تقارب في وجهتها، ففيما زعماء العراق اليوم، يريدون إدامة الوضع الذي أنتجه الاحتلال، بوجوده وربما بعد رحيله، فأن المشهد محشو عن آخره، بولاءات طائفية تحاصصية وأخرى شعوبية اثنية، تسد الأفق ويبدو أنها ليست فرصة للاهتبال، بقدر ما هو تاريخ يراد الإمساك من قذاله، فلأول مرة في التاريخ يتم إخراج العروبة من هوية العراق وربما مصيره وهي ثنائية توافقية بين واشنطن وطهران، إذ مع الوصول إلى هذه المرحلة كشريك بشروط، يبدو في عيون واشنطن أكثر واقعية، وأن هذه الشروط تبقى في محل متابعة ومراقبة، فالميدان لا يحتاج إلى نظريات، وعلى القوى الايرانية البديلة، أن تثبت نفسها في مهمتين، المساعدة على اجتثاث المقاومة بضرب السنة بالشيعة، كذلك ضمان الاستقرار الشامل، لعودة دوران ماكينات النفط في جو هاديء بعيدا عن قعقعة السلاح مع "اسرائيل".
على الجهة المقابلة، فأن طهران تعلم حدود الحاجة الأمريكية إليها في العراق، وسوف تعرف المزيد من خلال زيارة السفير الأمريكي في بغداد لها، ولعل من النافل الإشارة إلى أن السيد السفير، زلماي خليل زاد، هو نفسه عراب العلاقة الأمريكية - الايرانية في أفغانستان، قبل العدوان وبعده.. فالسفير يعرف كيف تتحرك آليات ايران البراغماتية، بشاهد أول "سفارة إسلامية" في كابول بعد الاحتلال.
وقد ينطرح السؤال هنا، لماذا من السفير مباشرة إلى قادة ايران مباشرة، دون وساطة قادة السياسة الايرانية في العراق؟ أليست "حكومة الجعفري" بوزرائها وعسكرها وحواشيها كلها من أشياع طهران في "المنطقة الخضراء"؟
فلماذا يستخف زلماي، برهط على هوى أعجمي يعرفه مثلما يعرف تفاصيل سفارته؟
قد يكون الجواب في طبيعة المهمة التي يجب أن تدور بين رأسين مباشرين، فزلماي رجل المهمات الأمنية، قبل أن يكون دبلوماسياً ولئن نجح في أفغانستان، فأن نجاحه ليس مضمونا في العراق، حتى لو تدثر بقبول المفاوضات مع المسلمين فايران تريد أن تبسط لنفسها موقعا احتلالياً في العراق، عبر البوابة الأمريكية، والموقع يتصاعد ويتقدم طردا مع اشتداد عزم المقاومة العراقية، فالتبادل في الأدوار بات وارداً، بين خروج أمريكي ودخول ايراني. ويتساءل المرء عند هذا المقطع عن أي من الفريقين أشد خبثاً، هل هو الهارب من الورطة أم الداخل إليها، سؤال ستجيب عليه المقاومة البطلة في حسم أسرع!